في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رام الله – بزي رسمي وربطة عنق، كان يحضر الأسترالي مايكل روهان جلسات محاكمته بعد إحراقه المصلى القبلي بالمسجد الأقصى في مثل هذا اليوم من عام 1969، وفي نهاية المحاكمة لم يُسجن وإنما أودع مصحة عقلية، بذريعة أنه مختل عقليا.
اليوم وبعد 57 عاما على الجريمة، يتكرر المشهد وبأشكال مختلفة، إذ بات المسجد مستباحا ليس للجماعات الاستيطانية و"المتطرفين" فحسب، إنما من قِبل مسؤولين يقتحمونه بكل قواهم العقلية، ويشعلون النار في قلوب ملايين المسلمين، أبرزهم وزير الأمن القومي وزعيم حزب العظمة اليهودية إيتمار بن غفير، الذي نفّذ 18 اقتحاما للمسجد في أقل من 4 سنوات.
من روهان إلى بن غفير وما بينهما، ظل المسجد على الدوام هدفا للتهويد وإشعال الحرائق ومحاولة فرض السيادة عليه، وصولا إلى تقسيمه زمانيا ومكانيا، والأخطر أنه بات دون أي قيمة لردود الفعل العربية والإسلامية، وفق خبير فلسطيني.
في 21 أغسطس/آب 1969، تمكن روهان من الوصول إلى عمق المصلى القبلي من المسجد الأقصى، وهناك أضرم النار فالتهمت أجزاء واسعة منه، بما في ذلك منبر صلاح الدين الأيوبي والفسيفساء والزخارف التاريخية.
روهان "المختل عقليا" لم يمنعه اختلاله من الانتقال من سيدني الأسترالية إلى القدس المحتلة قبل 4 أشهر من الجريمة، كما لم يمنعه من استئجار غرفة في فندق وتعلُّم اللغة العبرية والتردد على المسجد عدة مرات قبل تنفيذها.
في حينه هب المقدسيون وبإمكانات متواضعة بما في ذلك الأواني المنزلية لنقل المياه من آبار المسجد وإطفاء الحريق، ومنذ ذلك الوقت أخذوا على عاتقهم وقدر المستطاع إطفاء كل حريق يشعل الاحتلال شرارته.
لم يكن الحريق إلا بداية عهد جديد للمسجد بعد أن حظي بمكانة خاصة منذ تحريره على يد صلاح الدين عام 1187 وحتى احتلاله عام 1967، إذ تعمل الجماعات الاستيطانية على هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وقد خطت بالفعل خطوات تدريجية نحو الهدف بحشد عشرات الآلاف لاقتحامه سنويا، ثم تبنت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية ارتكابه جرائم حرب في غزة- برامج الجماعات الاستيطانية، وتمارس دورها في تغيير الوضع القائم (ستاتيكو).
ويدير المسجد الأقصى دائرة الأوقاف الإسلامية، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الأردنية، بموجب وصاية هاشمية. بينما الوضع الراهن هو قانون عثماني لتنظيم وإدارة الأماكن المقدسة، تمت المحافظة عليه حتى احتلال القدس.
منذ احتلاله ومحاولة حرقه تعرّض المسجد لسلسلة انتهاكات جسيمة من بينها وفق رصد محافظة القدس ومؤسسة القدس الدولية وباحثين:
على أرض الواقع خطت سلطات الاحتلال بعيدا في تثبيت التقسيم الزماني والمكاني، وصولا اليوم إلى اقتحام المسجد من الأحد إلى الخميس على فترتين: من الساعة السادسة والنصف صباحا وحتى الحادية عشرة والنصف قبل الظهر، ومن الساعة الواحدة والنصف وحتى الثانية والنصف بعد الظهر.
لكن الجديد ما جرى في ذكرى ما يُسمى خراب الهيكل في 23 يوليو/تموز، حيث تفرد الاحتلال تماما بالمسجد ومنع دخول المصلين دون سن 85 عاما، وهو ما قالت مؤسسة القدس الدولية -في تقرير سابق- إنه يعني فرض واقع جديد بتخصيص المسجد لليهود في أعيادهم وعدم اقتحامه في الأعياد الإسلامية، كما يجري في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، والذي حُوّل أغلبه إلى كنيس يهودي.
ووفق توثيق الباحث المختص في شؤون القدس زياد إبحيص فإن أولى محاولات فرض مبدأ "التقاسم التام" بتخصيص الأقصى لليهود حصرا في الأعياد اليهودية، مقابل تخصيصه للمسلمين حصرا في الأعياد الإسلامية كان عام 2015، ونتيجة ذلك اعتصم المرابطون والمرابطات على بوابات الأقصى وفي باحاته، وقمعهم الاحتلال بقوة، فانطلقت انتفاضة السكاكين.
ثم أُعيدت المحاولة ثانية في يوليو/تموز 2017 بفرض رقابة أمنية إسرائيلية على الأقصى بالبوابات والكاميرات، لكنّ اعتصام المقدسيين أفشل المحاولة.
ويوضح أن إسرائيل فعليا تهدف للسيطرة الكاملة على المسجد وتحويله من مقدس إسلامي إلى يهودي، وهي لا تتردد في تسميته بـ"جبل الهيكل"، ضمن هدف مركزي بتحويله من "مقدس إسلامي خالص إلى مقدس مشترك".
أما مكانيا، فإن للمستوطنين مسار محدد للاقتحامات يبدأ بباب المغاربة مرورا بباب المصلى القبلي وصولا إلى الجهة الشرقية يؤدون خلاله الطقوس التلمودية، ثم يلتفون شمال قبة الصخرة التي يزعمون أنها بُنيت فوق الهيكل المزعوم، ويؤدون طقوسا منها الانبطاح قبالتها، ثم الخروج من باب السلسلة في الجدار الغربي للمسجد.
وعن الجهة الشرقية من المسجد المستهدفة بالاقتحامات، يقول الباحث المختص بشؤون القدس ومدير مركز القدس الدولي حسن خاطر إنه بالفعل أصبح مكانا لعبادة اليهود، "يوميا يصل المستوطنون تلك المنطقة وتنتهي إليه الاقتحامات: تقام الصلوات والطقوس والرقصات وتلاوة المزامير.. إلخ".
ولا يستبعد خاطر -في حديثه للجزيرة نت- إدخال مزيد من الأدوات وربما وضع طاولات أو وضع كراسي للمقتحمين واستكمال مرحلة التمهيد، وربما الإعلان قريبا وبشكل رسمي عن وضع اليد على الجزء الشرقي من المسجد.
يقول حسن خاطر إن من الأخطار التي تهدد الأقصى، خاصة بعد حرب الإبادة، هو تحول دولة الاحتلال الرسمية من دور الشرطي -ظاهريا- لضبط اقتحامات المستوطنين إلى "قيادة العدوان على المسجد بشكل مباشر وصريح، وسماحها بأداء الطقوس ورفع الأعلام والشعارات، وتمهيد الطريق لخطوات هؤلاء المستوطنين للمراحل القادمة".
بل أصبحت الحكومة تقوم بدور الجماعات الاستيطانية مع المضي في إلغاء صلاحيات الأوقاف الإسلامية ومنع أعداد كبيرة من الدخول وإبعاد المصلين، "لقد أصبحت الحرب حقيقية على المسجد الأقصى بكافة التفاصيل"، يضيف مدير مركز القدس.
يوضح الباحث الفلسطيني أن المصلين لا يدخلون المسجد اليوم بحرية إنما بعد تدقيق هوياتهم، وربما يمنعون كما جرى مع زوار أتراك وآخرين يحملون الجنسية الأمريكية "وهذا تطور غير مسبوق ويعني أن المسجد الأقصى لم يعد مكانا مقدسا للمسلمين، إنما أصبح مكانا يتحكم فيه الاحتلال الإسرائيلي".
وبينما أُعيد ترميم المسجد ماديا وإصلاحه وبناء منبر بديل بعد حريق 1969، يبرز التساؤل: كيف يتم ترميم المسجد وإزالة الوقائع الجديدة التي فُرضت عليه؟
يجيب خاطر بأن من أخطر ما يهدد الأقصى غياب موقف عربي وإسلامي يتفاعل مع كل هذه الجرائم في حق المسجد الأقصى وكأنه لم يعد مقدسا ولكل المسلمين، ولم يعد يتحرك لحمايته سوى أهل القدس، ونالت قرارات الإبعاد عن المسجد المئات منهم.
وإن أضرم روهان النار في المسجد بمادة حارقة، فإن بن غفير يشعله باقتحاماته المتكررة ورفع العَلم الإسرائيلي في رحابه وتصريحاته بفرض السيادة الإسرائيلية ووقائع جديدة، دون أن يتمكن العرب والمسلمون من إطفائها، بحسب خاطر الذي يحذر من أن النار تبلورت في صورة أكثر خطورة، وأن "الكارثة الأكبر هي الإهمال العربي والإسلامي وإدارة الظهر تماما للمسجد، وهو ما أوصلنا بالفعل للتقسيم الجغرافي للمسجد، وما لم يستطعه الاحتلال أو يتخيله قبل ذلك".
مع اقتراب انتخابات الكنيست نهاية أكتوبر/تشرين الأول هذا العام يعود المسجد الأقصى إلى الواجهة، ويتحول إلى واحد من ملفات الانتخابات الإسرائيلية لدى تيارات اليمين، لا سيما تيار الصهيونية الدينية، وفق الكاتب المختص بشؤون القدس عبد الله معروف في مقال على موقع الجزيرة نت.
وأشار معروف إلى تكرار اقتحام المسجد من قِبل مرشحين للانتخابات أو شخصيات متوقع ترشحها، ومنهم يهودا غليك والناشطة اليمينية سمادار هيلا شموئيلي.
ويشير معروف إلى التباين في مسألة حدود التعامل مع مسألة اقتحام المسجد الأقصى، حيث يقتحمه بن غفير، بينما يتحفظ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على اقتحامه التزاما بفتوى الحاخامية الرسمية لإسرائيل التي تحرّم ذلك.
لكنه يلفت إلى اتفاق الجميع على ضرورة تغيير الوضع القائم في الأقصى وسحبه تماما من الإدارة الإسلامية، وإلغاء دائرة الأوقاف الإسلامية نهائيا، وفرض السيادة والإدارة الإسرائيلية بالكامل على المسجد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة