مخيم كرياري- في أحد أطراف مخيم كرياري بشرق تشاد، تقبع السودانية مريم إبراهيم، وهي لاجئة من مدينة الفاشر، في خيمتها منذ أيام. أصابتها شظايا الحرب في ساقها، وأصبحت عاجزة عن الحركة. فكانت أيامها تمر دون طعام، إذ لا يستطيع أحد إيصاله إليها، ولكن هذا الوضع تغير عندما جاءتها "التكية المتنقلة".
وتقول للجزيرة نت: "كنت أبقى أياما دون طعام كافٍ، لأن لا أحد يستطيع إيصاله إليّ. أطفالي مشغولون بالبحث عن الماء، ثم جاءت التكية المتنقلة. الآن، تأتي السيارة كل يوم وتتوقف أمام خيمتي، وتناولني وجبة ساخنة. هذا هو الأمل الوحيد الذي تبقى لي".
ليست هذه التكية شاحنة إغاثة تابعة لمنظمة دولية، ولا قافلة مساعدات رسمية، بل سيارة صغيرة تحمل قدورا من الطعام الساخن، يقودها شباب سودانيون رفضوا أن تبقى الفئات الأكثر ضعفا، من كبار السن وذوي الإعاقة، خارج دائرة الاستجابة الإنسانية.
وفي وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن خفض المساعدات الغذائية في تشاد إلى النصف، أصبحت هذه المبادرة شريان حياة لمئات الأسر التي لا تستطيع الوصول إلى المطابخ الثابتة.
في غرفة طوارئ كرياري، حيث يعمل 25 متطوعا فقط لتغطية احتياجات نحو 7 آلاف أسرة، كان إيصال الطعام إلى الجميع تحديا يوميا.
ومع تزايد أعداد اللاجئين، أدرك القائمون على الغرفة أن المطابخ الثابتة لا تستطيع وحدها سد رمق الفئات الأكثر ضعفا، الذين لا يقدرون على قطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة للحصول على وجبة طعام.
يقول صدام أبكر الصافي، ممثل الغرفة، للجزيرة نت: "كنا نرى يوميا كبار سن ومرضى لا يستطيعون الوصول إلى المطابخ. بعضهم كان يرسل أطفالا صغارا، وآخرون كانوا يبقون دون طعام لأيام لأنهم لا يملكون القوة للتحرك. لهذا قررنا أن نأتي به إليهم".
وقبل شروق الشمس، يبدأ فريق التكية المتنقلة تحضير وجبات اليوم، ثم تُعبأ القدور في السيارة الصغيرة، لتنطلق في رحلة يومية تستمر ساعات، تجوب خلالها أرجاء المخيم وتتوقف أمام خيام المحتاجين.
وتقول إيلاف عز الدين أحمد، وهي عضو غرفة الطوارئ، للجزيرة نت: "التكية المتنقلة ليست مجرد وجبات، إنها رسالة أمل. نذهب إلى من لا يستطيع المجيء إلينا. هناك امرأة تبلغ من العمر 80 عاما لا تستطيع المشي، وأخرى مريضة طريحة الفراش، وأطفال مصابون بإعاقات حركية. كنا نسمع قصصهم ونحن في المطبخ، فأصبحنا نذهب إليهم بأنفسنا".
ويضيف صدام أبكر الصافي: "السيارة تحمل بين 50 و80 وجبة يوميا، توزع على الفئات الأكثر ضعفا. نعرف كل حالة. صار لدينا سجل بأسمائهم ومواقع خيامهم، لنضمن أن لا أحد يبقى جائعا".
في أحد أطراف مخيم كرياري، تقول فاطمة آدم، التي تعتني بوالدها، للجزيرة نت: "أبي لا يستطيع الحركة، وكنت أتركه في الخيمة وأذهب لأحضر الطعام، وأعود خائفة أن أجد شيئا قد حدث له. كنت أمشي ساعات تحت الشمس. أما الآن، فتأتي التكية المتنقلة وتوصل لنا الطعام. هذا خفف عني الكثير".
وتمتد معاناة اللاجئين في كرياري إلى أزمة مياه خانقة، حيث تعتمد الأسر على عدد قليل من الآبار لم يكن مصمما لخدمة هذه الأعداد الكبيرة منهم. ووفقا لصدام أبكر الصافي، ارتفع عدد المستفيدين من الآبار إلى نحو 6 أضعاف العدد الذي كانت تخدمه قبل وصول موجات اللاجئين.
ويضطر النساء والأطفال إلى قطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس لجلب احتياجات أسرهم من المياه، بعضهم سيرا على الأقدام، وبعضهم على ظهور الحمير. وتستنزف هذه الرحلة اليومية ما تبقى من قوتهم، كما تعرضهم لمخاطر صحية متزايدة.
ويقول ممثل غرفة طوارئ كرياري: "أصبحت الغرفة الملاذ الوحيد للوافدين. يصلون يوميا منهكين وبلا مأوى، وينام الأطفال والنساء في العراء تحت الشمس الحارقة، بينما تتضاعف المعاناة مع انتشار الأمراض وصعوبة الحصول على المياه".
وتواجه التكية -وفقا له- تحديات يومية أبرزها نقص الوقود الذي يعطل عمل السيارة، وشح المواد اللازمة لإعداد الوجبات وصعوبة الوصول إلى بعض الخيام.
ويقع مخيم كرياري في إقليم إنيدي شرقي تشاد، وقد تحوّل إلى وجهة لآلاف السودانيين الفارين من الحرب. وحذر الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، في تقرير صدر في 17 مارس/آذار 2026، من أن عددا من مواقع استقبال اللاجئين في المنطقة أصبح ممتلئا، ولم يعد قادرا على استيعاب المزيد من الوافدين، وسط غياب خطط كافية للتوسع أو إنشاء مواقع بديلة.
وبحسب أحدث بيانات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، الصادرة في 17 أغسطس/آب 2026، بلغ عدد اللاجئين السودانيين الذين عبروا إلى تشاد منذ أبريل/نيسان 2023، 942 ألفا و954 لاجئا. ومن هؤلاء، تم تسجيل أو تسجيل مبدئي لـ939 ألفا و849 فردا، يتوزعون بشكل رئيسي في ولايات شرق تشاد: وادي فيرا، ووادي، وسيلا، وإنيدي إيست.
نازحو مخيم كرياري في العراء يعانون الجوع والعطش (الجزيرة)أما المنظمة الدولية للهجرة، فتشير إلى أن إجمالي الوافدين إلى تشاد تجاوز 1.32 مليون شخص، بينهم أكثر من 400 ألف عائد تشادي.
وفي 9 أبريل/نيسان 2026، حذرت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين و برنامج الأغذية العالمي، في بيان مشترك، من أن أكثر من مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون تخفيضات فورية ومهددة للحياة في إمدادات الغذاء والماء والمأوى والحماية والرعاية الصحية.
وأوضح البيان أن المساعدات الأساسية ستشهد تقليصا حادا إضافيا خلال الأشهر المقبلة، ما لم يتم سد عجز تمويلي يبلغ 428 مليون دولار (289 مليونا للمفوضية و139 مليونا للبرنامج). وتشير المفوضية إلى أن الموارد المتاحة لا تسمح بتقديم المساعدات سوى لـ4 من كل 10 لاجئين، بينما تعيش نحو 80 ألف أسرة حاليا بلا مأوى بسبب النقص في التمويل.
أما برنامج الأغذية العالمي، فقد "اضطر إلى خفض الدعم الغذائي إلى النصف لغالبية اللاجئين. وينعكس ذلك مباشرة على أوضاع اللاجئين في كرياري"، حيث تقول غرفة الطوارئ إن المخيم لم يتلق منذ أشهر مساعدات تكفي لتلبية احتياجات سكانه.
وسعت الجزيرة نت إلى الحصول على تعليق من قوات الدعم السريع بشأن الهجمات التي دفعت الأسر إلى النزوح، ولم تتلق ردا. كما تواصلت مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي للاستفسار عن خططهم لدعم مخيم كرياري والمبادرات المحلية فيه، ولم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير.
25 متطوعا يعملون في التكية المتنقلة فقط لتغطية احتياجات نحو 7 آلاف أسرة في المخيم (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة