مع دخول غياب الرئيس الكاميروني بول بيا (93 عاما) شهره الثالث، لم يعد النقاش في ياوندي محصورا في السياسة الداخلية، إذ تتقاطع التكهنات بشأن صحته وخلافته مع ملف كانت وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى قد وضعت إصبعها عليه سلفا: غياب آلية مجرَّبة لانتقال السلطة، وكلفة ذلك على تمويل الدولة.
فقد غادر بيا ياوندي في 7 يونيو/حزيران الماضي رفقة زوجته فيما قُدِّم على أنه إقامة خاصة قصيرة في أوروبا، ومر 58 يوما دون صورة أو تصريح رسمي يؤكد وضعه أو نيته العودة، وفق ما أوردت صحيفة "لا نوفيل تريبون" (La Nouvelle Tribune). وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الغياب تجاوز غياب خريف عام 2024 الذي دام 42 يوما قبل أن يظهر الرئيس علنا.
وأنهى وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة رينيه إيمانويل سادي هذا الصمت أمس الأول، مؤكدا عبر إذاعة فرنسا الدولية أن الرئيس "على قيد الحياة" وأن عودته متوقعة "قريبا جدا" دون تحديد موعد. ورفض سادي مطالب المعارضة بانعقاد المجلس الدستوري للنظر في أمر الغياب، قائلا إنه "لا يوجد أي شغور في السلطة"، وإن الرئيس "لم يستقل"، وإن المجلس الدستوري لم يبت في المسألة.
ولم يعد غياب الرئيس مجرد قضية سياسية، بل تحول إلى عامل اقتصادي مؤثر رصدته وكالات التصنيف الائتماني. فوفق تقرير لـ"وكالة إيكوفين"، ثبتت وكالة "فيتش" تصنيف الكاميرون عند درجة "B" مع نظرة مستقبلية سلبية في 7 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأشارت في تقريرها اللاحق للانتخابات إلى أن انتقال السلطة ينطوي على مخاطر شديدة، مستشهدة بغياب خطة للخلافة وبانقسامات وتنافسات داخل الحزب الحاكم.
وأضافت الوكالة أن هذا العامل السياسي أثر على تقييمها رغم ما وصفته بوضع مالي متين، مع دين عام متوقع عند 40% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 و38.2% بحلول عام 2027، أي دون متوسط 50% للدول المصنفة في الفئة ذاتها.
وبحسب المصدر نفسه, أبقت "موديز" التصنيف عند "Caa1" مع نظرة مستقرة، مبرزة غياب خطة واضحة للخلافة وتركز القرار في يد واحدة بوصفهما مصدري غموض بشأن المسار السياسي. أما "ستاندرد آند بورز"، التي ثبتت تصنيف "-B" مستقر في 24 مارس/آذار 2025، فكانت أول من أثار المسألة صراحة، معتبرة أن البلاد تعمل ضمن إطار مؤسسي شديد المركزية وأن انتقال السلطة "لم يُختبر قط"، وهما عاملان ذُكرا صراحة بوصفهما محفزين محتملين لخفض التصنيف.
وكانت "فيتش" منحت في 9 يوليو/تموز الماضي، درجة "B" مع نظرة سلبية لسند قصير الأجل بالعملة الأجنبية أصدرته الدولة حديثا.
وأوضحت وكالة "إيكوفين" أن ارتفاع المخاطر السياسية بسبب عدم وضوح صحة الرئيس وآلية خلافته يفضي مباشرة إلى اتساع الفوارق السعرية في أسواق السندات، وإلى وصول أكثر تقييدا لأسواق رأس المال الدولية وكلفة تمويل أعلى للشركاء الخاصين، وأن الكاميرون التي أصدرت سندات دولية وتعتمد بنيويا على الدعم متعدد الأطراف تتحمل هذه الكلفة.
ورغم أن البرلمان أقر مشروع قانون في أبريل/نيسان الماضي لإنشاء منصب نائب للرئيس، فإن المنصب لم يُفعَّل بعد، مما يترك فراغا مؤسسيا في حال شغور المنصب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة