آخر الأخبار

موجات نزوح وتيه في شوارع غزة مع تزايد أوامر الإخلاء الإسرائيلية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- تتلاشى ملامح الاستقرار المؤقت في غضون دقائق، لتفرض أوامر الإخلاء الإسرائيلية وقذائف المدفعية واقعا قاسيا يدفع مئات العائلات نحو شوارع غزة المظلمة، تبدأ رحلة تيه جديدة، يحمل خلالها الآباء أطفالهم ومرضاهم، ويقطعون طرقات وعرة تتشابك فيها العتمة مع أزيز الطائرات المسيّرة والتدافع البشري نحو المجهول.

اضطر عبد الرحمن رمضان، وهو أب لستة أطفال، إلى مغادرة مخيم الزهور للنازحين بمدينة غزة على عجل ليلة 29 يوليو/تموز 2026 وسط الفوضى، ركض أحد أبنائه فوق الأرض غير المستوية حاملا شقيقه الأصغر على ظهره، فيما اندفعت الأسرة مع حشود النازحين بعيدا عن الموقع. انتهت الرحلة بزوجته وأطفاله الستة فوق رمال الشارع، حيث أمضوا بقية الليل في العراء.

في صباح اليوم التالي، عاد عبد الرحمن إلى موضع خيمته بحثا عن ملابس وأغطية وبعض الحاجات التي تعين أطفاله على المبيت في الشارع، ترك أسرته على الطريق، وتوجه إلى المكان الذي جمع فيه مقتنياته خلال أشهر من النزوح، فوجد آثار الاستهداف وقد ابتلعت الخيمة والفرش وما تبقى من الطعام، فعاد إلى أسرته بيدين خاليتين، ثم بدأ رحلة أخرى بحثا عن أسرة تستضيفهم، أو أي مساحة تمنح أطفاله مكانا ينامون فيه لليلة أخرى.

مصدر الصورة عبد الرحمن رمضان أب لستة أطفال اضطر لمغادرة مخيم الزهور تاركا خيمة وأمتعة وحين عاد لم يجد شيئا (الجزيرة)

مأوى مفقود

وبينما كان عبد الرحمن يتنقل بين الطرقات بحثا عن مأوى، تصاعدت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة مع جولة جديدة من المحادثات في القاهرة، حيث يبحث قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع وسطاء من مصر وقطر وتركيا آليات تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الخاصة بغزة، في إطار الجهود الرامية إلى استكمال مسار إنهاء الحرب.

ووفق إفادة وزارة الصحة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الممتدة من ليلة 29 يوليو/تموز وحتى اليوم التالي جثامين 6 شهداء، إلى جانب 34 إصابة.

إعلان

ورفعت هذه الحصيلة عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول إلى 1214 شهيدا، فيما بلغ عدد الإصابات 3977، ووصل عدد الجثامين المنتشلة إلى 804.

تواصلت الجزيرة نت مع عبد الرحمن خلال الساعات التالية للإخلاء وما زالت الأسرة في الشارع تنتظر مأوى، ويقول إن خيارات الإيواء تقلصت بعد خسارة البيوت التي لجأت إليها عائلته خلال الحرب واستشهاد عدد كبير من أقاربه؛ وهكذا تحولت مهمته من إحضار الملابس إلى البحث عن سقف يجمع زوجته وأطفاله الستة بعد ضياع الخيمة والطعام والفرش.

عائلات إلى الشوارع

عند الساعة الثامنة من مساء 29 يوليو/تموز، بدأت إشارات الإخلاء تصل إلى سكان منطقة الشاطئ غربي مدينة غزة، وتحركت العائلات على عجل، وجمعت أطفالها وكبار السن، وحملت ما خفّ من الملابس والمقتنيات، ثم خرجت إلى الشوارع تترقب موقع الاستهداف والجهة التي ستقصدها.

وبعد ساعتين ونصف، وصل إخلاء ثانٍ قرب المنطقة ذاتها، أعقبه قصف دمر المنزل المستهدف وألحق أضرارا بعدد من المنازل المجاورة، فيما حمل الأهالي المصابين ونقلوهم وسط الظلام والازدحام.

عند الـ11:45 دقيقة ليلا، اتسعت دائرة الإخلاء لتصل إلى عمارة العلمي المقابلة للمستشفى الأهلي المعمداني قرب ميدان فلسطين، والتي تضم شققا سكنية ومحال تجارية، وتحيط بها منطقة مكتظة بالسكان، ما دفع العائلات والعاملين إلى مغادرة المكان خلال وقت قصير.

تلاحقت الاستهدافات مع قصف شقة سكنية غرب مدينة غزة، أسفر عن إصابة عدد من الأطفال، وخلال أقل من 4 ساعات، تنقلت المدينة بين اتصالات الإخلاء، وعائلات تهبط سلالم العمارات مسرعة، ومصابين يتجهون إلى المستشفيات، ومنازل وخيام تنضم إلى خريطة الدمار، فيما اتسعت موجة النزوح أمام أسر تبحث عن مكان تقضي فيه بقية الليل.

39 خيمة تُمحى في ليلة

في اليوم التالي لاستهداف عمارة البسام في شارع النصر، التقينا ماجدة الزهارنة عقب نزوحها من مخيم ضم 39 خيمة، جلست وسط أفراد أسرتها بوجه شاحب وملامح أنهكها الخوف والجوع، بعدما فقدت خيمتها والفرش والطعام وكل ما جمعته خلال فترة النزوح.

احتضن المخيم نساء وشبابا وأطفالا وكبار سن، إضافة إلى مصابي حرب وأشخاص ذوي إعاقة. وتستعيد ماجدة اللحظات الأولى قائلة: "جلسنا داخل المخيم، ثم ارتفعت أصوات الصراخ وسقط الجميع أرضا وهم يحاولون الهرب".

رأت أمامها نساء يفقدن وعيهن من شدة الخوف، وعائلات تتنقل بين الخيام بحثا عن أطفالها، بينما اندفع آخرون نحو المرضى والمصابين لمساعدتهم على مغادرة المكان.

تأخر خروج ماجدة وأسرتها مع انشغالهم بإجلاء مرضى القلب والمصابين ببتر الأطراف من أسرتها، إذ احتاج كل فرد إلى مساعدة وحركة حذرة وسط الازدحام والصراخ، وضاق الوقت سريعا، وتحولت خطوات الهرب إلى محاولة شاقة لحمل المرضى وإبعادهم عن موقع الخطر، فيما بقيت ماجدة تتنقل بينهم بقدرة أنهكها الخوف، حتى غادرت معهم في اللحظات الأخيرة.

امتدت رحلة الأسرة منذ ليلة القصف حتى عصر اليوم التالي وسط الجوع والبحث عن مكان مؤقت، بالتوازي مع رعاية مرضى القلب والمصابين، وحملت ملامح ماجدة خلاصة ما أصاب سكان المخيم من خيام مدمرة، ومقتنيات احترقت، وعائلات بدأت نزوحا جديدا بموارد أقل وأجساد أنهكها الخوف.

مصدر الصورة ماجدة الزهارنة عادت إلى خيمتها بعد إنذار بالنزوح لكنها وجدت بقايا أمتعة (الجزيرة)

حي الزيتون مجددا

سبقت ليلة 29 يوليو/تموز موجة نزوح أخرى ضربت حي الزيتون شرقي مدينة غزة، ففي 22 يوليو/تموز، أطلقت طائرات مسيّرة من طراز كواد كابتر نيرانها باتجاه خيام النازحين، بالتزامن مع تحركات عسكرية مكثفة في محيط الحي.

إعلان

ونقلت صحيفة هآرتس في تلك الليلة أن الجيش الإسرائيلي أقام سواتر ترابية داخل قطاع غزة تجاوزت في عدة مواقع المسار الرسمي لـ"الخط الأصفر"، ودخلت إلى مناطق تقع، وفق التفاهمات المعمول بها، تحت سيطرة حركة حماس. وأضافت الصحيفة أن أحد التجاوزات جنوب القطاع امتد أكثر من كيلومتر واحد.

وبعد 5 أيام، وتحديدا عند منتصف ليلة 27 يوليو/تموز، تعرض حي الزيتون لقصف مدفعي عنيف استهدف المناطق الواقعة غرب ما يُسمى الخط الأصفر، وامتد من شارع السكة جنوبا باتجاه عمق الحي.

فوجئ السكان بتقدم آليات جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو شارع صلاح الدين في منطقة السنافور، لمسافة تُقدر بنحو 150 مترا مقارنة بالاقتحام السابق قبل أسابيع، دفع هذا التقدم مئات الأسر إلى مغادرة منازلها وخيامها تحت نيران الطائرات ومدافع الدبابات.

تكدس النازحين

في محيط مفترق دولة بحي الزيتون، خرج أحمد أبو هاشم من خيمته برفقة زوجته وابنتيه منى (8 سنوات)، ونور (5 سنوات)، وغادرت الأسرة بالملابس التي ارتدتها لحظة الهجوم، وسارت حافية الأقدام نحو غرب مدينة غزة، وسط الركام والعتمة وحشود العائلات الباحثة عن طريق للنجاة.

يستعيد أبو هاشم تلك الساعات قائلا: "خرجنا بملابسنا التي نرتديها فقط، وكنت أسير وزوجتي إلى جانبي ومعنا طفلتاي، رافقني في كل خطوة سؤال واحد: هل سنصل أحياء؟"

ومع امتداد الطريق، أنهك التعب الطفلتين، فحمل الأب إحداهما على كتفه وضم الأخرى بين ذراعيه، وسقط أرضاً نتيجة دفع الازدحام والإرهاق على جسده، ثم استجمع قوته وواصل السير وسط أصوات الانفجارات وحركة النازحين.

يتابع أبو هاشم في حديثه للجزيرة نت: "عندما أنهك التعب طفلتيّ حملتهما، وأنا بالكاد أستطيع الوقوف، كنت أسمع الانفجارات وأرى الناس يركضون في كل اتجاه، وكل ما أريده أن أصل بعائلتي إلى مكان أكثر أماناً".

تعرض أبو هاشم لإصابة خلال الطريق، وفي صباح اليوم التالي عاد لخيمته، "عدت لأبحث عن خيمتي وما تبقى من حياتي، فوجدتها قد قصفت واحترقت، كل ما كنت أملكه تحول إلى رماد".

مصدر الصورة ركام مربع سكني تم هدمه بالكامل وتضرر بمحيطه في حي الزيتون (الجزيرة)

اتصال الإخلاء

عند منتصف الليل، تلقت دعاء منير وأسرتها اتصالا من جيش الاحتلال الإسرائيلي يطالب سكان العمارة التي يقيمون فيها بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، بإخلائها تمهيداً لاستهدافها.

خلال دقائق، تحولت طوابق المبنى إلى حركة متسارعة، إذ بدأت عشر عائلات بإيقاظ أفرادها وطرق أبواب الجيران والاستعداد للخروج.

ساعد السكان المرضى وكبار السن على هبوط الدرج، فيما حمل عدد منهم جارا مقعدا لإيصاله إلى الشارع. وفوق المبنى، واصلت طائرات الاستطلاع التحليق، بينما تحركت العائلات وسط العتمة حاملة ما تمكنت من جمعه خلال الوقت القصير المتاح.

مصدر الصورة استهداف عمارة سكنية لعائلة أبو شمالة بالقرب من دوار القوقا بحي الزيتون (الجزيرة)

نزوح جديد

وصلت دعاء وأسرتها إلى منزل أحد الجيران، لتبدأ رحلة نزوح جديدة تضاف إلى أكثر من 11 رحلة تنقلت خلالها بين بيوت شمال القطاع وجنوبه، وفي كل محطة، حاولت الأسرة جمع مقتنياتها وترتيب يومها واستعادة قدر من الاستقرار، ثم جاءت جولة قصف جديدة لتعيدها إلى نقطة البداية.

تقول دعاء، التي أنفقت أسرتها مبالغ كبيرة على ترميم المنزل وإصلاحه وتجهيزه، أملا في استعادة حياتها بعد جولات النزوح السابقة: "كلما نؤسس أنفسنا، تهدم البيوت مرة ثانية (…) رممنا البيت وأصلحناه على أساس أن الحرب انتهت، ثم فقدنا كل ما امتلكناه في غمضة عين".

ومع حلول الصباح، توزعت العائلات العشر بين منازل الأقارب والجيران، بعدما فقدت العمارة التي جمعتها. وبالنسبة إلى دعاء، حملت تلك الليلة نزوحا جديدا في مسار طويل من الانتقال بين البيوت، تبدأ خلاله الأسرة كل مرة بجمع أفرادها وذكرياتها، ثم البحث عن مكان يؤويها من جديد.

مصدر الصورة بشكل متكرر تزحف المكعبات الصفراء إلى عمق غزة (الجزيرة)

حصيلة ليلة واحدة

وفق المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت في حديثها للجزيرة نت فقدت نحو 150 أسرة داخل مخيم الزهور مأواها بالكامل ليلة 29 يوليو/تموز وحدها، وتدخل هذه الأسر ضمن الحصيلة الإجمالية لتلك الليلة البالغة 171 أسرة تضم نحو ألف شخص، بينهم 490 طفلا في محافظات غزة والوسطى والجنوب.

إعلان

كما دُمر 117 منزلا و54 خيمة خلال الليلة ذاتها، وأوضحت أن عددا كبيرا من المنازل المستهدفة كان يؤوي عدة أسر نازحة لجأت إلى أقاربها وأصدقائها، ما جعل تدمير المنزل الواحد سببا في تشريد أكثر من عائلة.

ووفق المتحدثة، عملت فِرق الوزارة على حصر الأضرار وتقييم أوضاع الأسر وتحديد أولويات التدخل وتقديم المواد الغذائية والفرش والأغطية ومواد النظافة والمستلزمات الأساسية، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بالتنسيق مع المؤسسات الشريكة.

تزايدت في الآونة الأخيرة إنذارات إخلاء للسكان قبيل قصف المنازل والخيام (الجزيرة)

نداءات متتابعة

ومن جهته وصف مدير الدفاع المدني في غزة، العميد رائد الدهشان، ليلة 29 يوليو/تموز بأنها إحدى أعنف الليالي التي واجهتها طواقمه خلال الفترة الأخيرة، في ظل تتابع الاستهدافات وتوزعها بين مناطق عدة خلال ساعات قصيرة.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن كثافة البلاغات فرضت تحديا كبيرا في توزيع فرق الإنقاذ والإطفاء، إذ انتقلت الطواقم من موقع إلى آخر فور انتهاء كل مهمة. ويقول "كلما عادت الطواقم إلى مقرها لالتقاط أنفاسها، وصل بلاغ جديد خلال أقل من عشر دقائق، فتتحرك مباشرة نحو موقع استهداف آخر".

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا