في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حوّلت إسرائيل الأحداث الدامية التي شهدتها قرية تل جنوب غرب نابلس يوم الجمعة 24 يوليو/تموز 2026، إلى نقطة انطلاق لحزمة إجراءات تتجاوز ملاحقة المشاركين فيها.
فإلى جانب الاعتقالات والمداهمات، أصدر وزير الدفاع يسرائيل كاتس تعليمات بتوسيع العمليات الهجومية والاستعداد لاحتلال مخيم لاجئين جديد، بينما أطلق بتسلئيل سموتريتش حملة هدم لمبان فلسطينية مرتبطة بمنع قيام دولة فلسطينية.
وتسمح مقارنة هذه المسارات بفهم القرار بعيدا عن اللغة العسكرية الرسمية، إذ وثقت القناة الـ13 توجيهات كاتس، وعرضت القناة السابعة سياسة سموتريتش، بينما كشفت بيانات الأمن المنشورة صحفيا اتساع عنف المستوطنين، في وقت قدمت فيه الأمم المتحدة صورة مستقلة عن أثر نموذج المخيمات على السكان والتهجير على نحو أوضح.
لم يعلن الجيش عن عملية واحدة تحمل اسما محددا أو موعدا نهائيا، بل عن مسارات متوازية.
بدأ المسار الأول فور أحداث تل، حين أعلن الجيش الاستعداد لـ"نشاط عملياتي واسع" في الضفة، وقرر منع إجازات الجنود وتعزيز القوات المنتشرة فيها، وشمل ذلك تطويق قرية تل ومدينة نابلس، وتنفيذ اعتقالات وتحقيقات ومداهمات في مناطق متعددة.
أما المسار الثاني، فقد أعلنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس يوم 28 يوليو/تموز -وفق القناة الـ13- عندما أصدر تعليماته للجيش بتوسيع العمليات الهجومية والاستعداد لـ"احتلال مخيم لاجئين إضافي"، وفق النموذج المطبق في جنين وطولكرم ونور شمس، حيث أُجلي السكان وتعرضت البنى التحتية للتدمير وأصبح الجيش يتمركز بصورة دائمة هناك.
ويتعلق المسار الثالث بعمليات الهدم التي تنفذها الإدارة المدنية بتعليمات من الوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش، ضد مبان فلسطينية في شمال الضفة، مقدما الهدم باعتباره ردا على العمليات الأخيرة وأداة لمنع قيام دولة فلسطينية، حسب ما نشرته القناة السابعة.
ويشمل المسار الرابع توسيع النشاط داخل قرى خط التماس، ونقل مركز الثقل من انتظار المتسللين قرب الجدار إلى ملاحقة شبكات التهريب داخل القرى الفلسطينية، وضمن هذا التوجه، أعلن الجيش اعتقال نحو 30 فلسطينيا في طولكرم وقلقيلية وعزون عتمة وشويكة ومناطق أخرى، بشبهة تسهيل العبور إلى داخل الخط الأخضر
بدأت الإجراءات خلال ساعات من مجزرة قرية تل، عبر حواجز ومداهمات واعتقالات ركزت أولا على منطقة نابلس، لكن نطاق الرد اتسع سريعا ليشمل حملة في قرى خط التماس، وتحركات للإدارة المدنية ضد البناء الفلسطيني، إلى جانب التحضير لعملية داخل مخيم جديد.
وتشير الروايات الصحفية الإسرائيلية إلى أن الجيش نقل مركز ثقله في منطقة التماس من انتظار محاولات العبور قرب الجدار إلى ملاحقة الشبكات داخل القرى.
وأفاد موقع "سروجيم" باعتقال نحو 30 فلسطينيا بشبهة المشاركة في شبكات تسلل وتهريب، وإنشاء خلية استخبارية متخصصة وتكثيف النشاط ضد الوسطاء والمنظمين.
أما أعداد المعتقلين والتحقيقات التي نشرها الجيش عقب تل، فتظل أرقاما صادرة عن طرف العملية نفسه ولا تقدم الصحافة الإسرائيلية حتى الآن توثيقا مستقلا كاملا لها، لذلك يمكن اعتمادها بوصفها رواية رسمية، لا حصيلة نهائية محايدة.
اختيار كاتس تعبير "احتلال مخيم" مهم، لأنه لا يشير إلى اقتحام قصير ينتهي بانسحاب القوات، بل إلى تكرار نموذج "السور الحديدي" في جنين وطولكرم ونور شمس: إخراج السكان وتدمير أو تعديل البنية العمرانية، وفتح طرق للآليات العسكرية، وتحويل مبان إلى مواقع ثابتة، ثم إبقاء قوة دائمة داخل المخيم.
وكان موقع "والا" قد كشف يوم 6 يناير/كانون الثاني 2026 أن كاتس طلب من قيادة المنطقة الوسطى إعداد خطط لاحتلال مخيمات إضافية، وهذا يعني أن أحداث تل لم تنشئ الفكرة، لكنها وفّرت الظرف السياسي لتسريعها.
وتظهر الكلفة الإنسانية للنموذج في معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي قال في تقريره الصادر يوم 23 يوليو/تموز إن أكثر من 33 ألف فلسطيني ظلوا مهجرين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها منذ مطلع 2025، مما يعني أن تطبيق النموذج على مخيم آخر سيكون تهجيرا لآلاف إضافيين، لا مجرد مطاردة مجموعة مسلحة.
بالتوازي مع تعليمات كاتس، نفذت الإدارة المدنية حملة هدم في شمال الضفة بتوجيه مباشر من سموتريتش، الذي يجمع بين وزارة المالية ومنصب وزير في وزارة الدفاع مسؤول عن ملفات مدنية واستيطانية في الضفة.
وقالت القناة السابعة يوم 28 يوليو/تموز إن الحملة استهدفت مباني قرب مفترق 9 وشارع 60، بينها مبنى صناعي وسكني من 4 طوابق مساحته نحو 800 متر مربع، ومبنى تجاري وصناعي مساحته 450 مترا مربعا.
وتقع المنطقة قرب مستوطنة "عيمك دوتان" التي أعلنت الحكومة إنشاءها ضمن سياسة تعزيز الاستيطان.
وكشف تصريح سموتريتش الهدف الأوسع، إذ قال إن اختيار المباني "التي تحمل رمزية" لم يكن عشوائيا، مضيفا "نحن نجبي الثمن على الأرض، ونمنع إقامة دولة فلسطينية في قلب البلاد".
وبذلك لا يقدم الهدم كتطبيق روتيني لقوانين التخطيط، بل كعقوبة سياسية بعد أحداث أمنية، وأداة لإعادة تشكيل المجال المحيط بالمستوطنات.
تعلن الحكومة 3 أهداف، ملاحقة المشاركين في حادثة تل، ومنع تكرار الاستيلاء على أسلحة إسرائيليين، وتفكيك البنى المسلحة قبل انتقالها إلى مخيمات وبلدات جديدة، ويضيف سموتريتش هدفا جغرافيا واضحا هو تقليص البناء الفلسطيني وتعزيز السيطرة الاستيطانية.
ويقول مكتب كاتس إن نموذج الاحتلال الدائم أدى إلى انخفاض يقارب 80% في العمليات الفلسطينية خلال 2025 و2026، لكن الرقم نُشر في بيان الوزير من دون عرض قاعدة البيانات أو أنواع الحوادث الداخلة في المقارنة، ولذلك لا يمكن اعتباره تقييما مستقلا لنجاح السياسة.
أما الحملة الحالية فقد بدأت والهدم نفذ، والتغيير على خط التماس دخل التطبيق، ولم يبق إلا احتلال المخيم الجديد الذي لم يحدد اسمه بعد ولا ساعة الصفر بالنسبة له، وقد يبدأ بعد استكمال الخطة أو يستخدم تهديدا للضغط.
كشفت معطيات نشرها المراسل العسكري دورون كادوش، وأعادت القناة الـ13 عرضها، مفارقة أساسية في الرد الإسرائيلي، فقد سجل النصف الأول من 2026 نحو 660 حادثة إرهاب استيطاني يهودي، مقابل 440 في الفترة نفسها من 2025، أي زيادة تقارب 50%، كما ارتفع عدد المصابين الفلسطينيين إلى 140، وازدادت الاعتداءات على قوات الجيش والشرطة.
وتناقِض هذه الأرقام تصريح المتحدث باسم الجيش إيفي دفرين عن "انخفاض كبير وواضح" في العنف القومي، وطالب آفي دبوش، مرشح حزب الديمقراطيين، رئيس الأركان بالتحقيق في احتمال وجود إهمال مهني أو تحريف سياسي للمعطيات.
والخلاصة أن الرد على مجزرة تل تحول إلى مشروع متعدد الأدوات فالجيش يوسع المداهمات، وكاتس يجهز لاحتلال مخيم رابع، وسموتريتش يحول الهدم إلى عقوبة ورسالة استيطانية، في حين تنتقل عمليات خط التماس إلى عمق القرى. وهذه الحزمة قد تعيد تشكيل شمال الضفة أمنيا وعمرانيا، لكنها تحمل أيضا خطر توسيع دائرة المواجهة بدلا من احتوائها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة