في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رام الله – شكلت أحداث بلدة تل جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، الجمعة الماضي، علامة فارقة في شكل المواجهة بين فلسطينيي الضفة والمستوطنين، إذ لم يعد الفلسطيني الأعزل متلقيا للضربات، إنما يرد ما استطاع منها.
وتأتي تلك الأحداث ضمن مسلسل مستمر ومتصاعد من اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فإلى أين تتجه بوصلة الأحداث في الضفة؟
من خلال الأسئلة التالية نحاول استشراف شكل وطبيعة المواجهة في الضفة، وفرص اندلاع انتفاضة جديدة، ومدى تأثير مواقف قادة المعارضة الإسرائيلية المنتقدة لأفعال المستوطنين على أداء حكومة الاحتلال.
صعد جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون من اعتداءاتهم وجرائمهم في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق منذ بدء حرب الإبادة.
بالأرقام بلغ عدد الاعتداءات من الطرفين 56 ألفا و235 اعتداء حتى مطلع يوليو/تموز الجاري، منها اقتلاع نحو 56 ألفا و500 شجرة.
أما اعتداءات المستوطنين وحدهم فبلغت نحو 12 ألفاً و500 اعتداء بما في ذلك قتل 52 فلسطينيا وإشعال نحو 800 حريق، وإقامة 200 بؤرة استيطانية.
وعلى المستوى الرسمي، ناقشت الجهات المختصة الإسرائيلية 524 مخططا هيكليا استيطانيا وأصدرت أوامر مصادرة لنحو 60 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) وهدمت نحو 4600 منزل ومنشأة فلسطينية.
وعموما استشهد أكثر من 1180 فلسطينيا وجرح أكثر من 13 ألفا واعتقل 24 ألفا آخرين خلال نفس الفترة، وتم تهجير 82 تجمعا فلسطينيا.
بينما ظل الفلسطينيون طوال أكثر من ألف يوم يتلقون ضربات متصاعدة من اتجاه واحد، وهم يئنون تحت وطأة الاعتداءات وإرهاب المستوطنين واقتحاماتهم اليومية لمنازلهم، جاءت حادثة بلدة تل يوم الجمعة مختلفة.
فقد انتزع الشيخ فاروق رمضان سلاح المستوطن لمنع وقوع جريمة، لكن في اللحظة التي وجه فيها المستوطن مسدسه نحو الشيخ قابله الأخير بالرصاص، وفق مقطع فيديو متداول للحادثة، فاستشهد عبد الرازق وثلاثة من أقاربه وقتل مستوطن وجندي.
من هنا يبرز التساؤل عن المدى الذي يستطيع فلسطيني أعزل الصبر على جرائم ترتكب في اتجاه واحد، دون أن يجد معينا أو سندا أو جهة سياسية تحميه.
ووفق الباحث السياسي نهاد أبو غوش -في حديثه مع الجزيرة نت- فإن التحول النوعي في السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي المحتلة بدأ مع مجيء حكومة اليمين المتطرف إلى الحكم نهاية عام 2022، وهذا تجسد في مسارات عديدة وليس في موضوع الاستيطان فقط:
وبالتالي -يضيف أبو غوش- أننا شهدنا مسارا تراكميا تصاعديا يوما بعد يوم، بدأ بهجمات محدودة متفرقة هنا وهناك، إلى أن أصبح نمطا شاملا كما ونوعا في جميع الأراضي المحتلة، وباتت تشكيلات للمستوطنين معروفة بأسمائها كـ"شبيبة التلال" و"تدفيع الثمن".
أحداث تل -حسب المحلل الفلسطيني- كانت متوقعة وحتى من قيادات عسكرية وسياسية إسرائيلية، بل شكلت نقطة تحول من زاوية أنها أججت دوافع الانتقام عند المستوطنين الذين طالما أرادوا تثبيت معادلة واحدة هي أن من حقهم قتل الفلسطينيين، وأن حق تقرير المصير والدفاع عن النفس وقتل الآخر حصري لليهود، وبالتالي بقاء الفلسطيني في موقع متلقي الضربات، وهذا تغيّر بعد أحداث قرية تل.
هناك رابط صلب ووثيق بين الفلسطيني وأرضه، ويبدي استعدادا كبيرا للتضحية بكل ثمن للحفاظ عليها، وهذا ما جسدته أحداث بلدة تل، وفي أكثر من موقع خرجت الجماهير تلقائيا للتصدي لهجمات المستوطنين وعمليات تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار، وفق الباحث السياسي ومدير مركز يبوس للدراسات سليمان بشارات في حديثه مع الجزيرة نت.
ويرى بشارات أن الفلسطيني بات يشعر بأن المعركة وجودية من خلال إجراءات الاحتلال الهادفة إلى القضاء عليه وخنقه وتحييده، ما ولّد لدى هذا المواطن التساؤل: ما قيمة الحياة وما قيمة كل شيء إذا فقدت المقومات الأساسية من الحياة الكريمة والأرض ومصدر الرزق والشعور بالأمان؟
مع افتقاد الأمن وشعور الفلسطيني بالتهديد والقتل -حتى وهو في بيته أو أرضه- دون أي ذرائع أو مبرر، بات يشعر بتحول في نمط التفكير وإعادة بناء منهجيته وشكل وطبيعة المواجهة.
يقول بشارات إن الضفة مقبلة على مواجهة عنوانها الأساس مواطن فلسطيني أعزل مقابل ترسانة الاحتلال الإسرائيلي وذراعه الضارب وهم المستوطنون، وهو ما يذكر بأحداث النكبة والعصابات الصهيونية التي شكلت الذراع الضاربة للمشروع الصهيوني في ذلك الوقت.
وبالتالي فإن حكومة الاحتلال تستخدم المستوطنين كذراع لترويج المشروع الصهيوني، ولاحقا ستكون المواجهة المباشرة بين الفلسطيني والمستوطن، وفعليا مع المشروع الصهيوني.
ويضيف أن الفلسطيني بعدما وجد نفسه وحيدا أمام كل الممارسات الإسرائيلية بلا أي أفق أو قدرة أو جهة سياسية تحميه، بدأ يفكر في ابتكار أدوات المواجهة بذاته.
يعود بنا بشارات إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ثم انتفاضة الأقصى عام 2000، حين خرج الفلسطيني عن المألوف في أدوات المواجهة بسبب غياب منهجيات أو آليات أو حتى وجود أطراف توفر له الحماية.
في الوقت الحالي أيضا، وجد الفلسطيني نفسه وحيدا أمام غول الاستيطان بشكل مباشر دون أي سند محلي أو دولي أو حتى برنامج وطني لحمايته، فأخذ زمام المبادرة للمواجهة المباشرة، حسب المحلل السياسي.
إذا صمت الفلسطيني عن مجابهة المستوطنين فهذا يشجعهم على مواصلة الاستباحة، وإذا رد على تلك الجرائم فإن ردود المستوطنين تكون مضاعفة وإلى جانبها الجيش، وبما أن "السكين وصلت إلى الرقبة" -لا يستبعد أبو غوش- تدهور الأمور، فالفعل وردة الفعل يتجهان نحو الانفجار والتصعيد "غير المحسوب" لعدة أسباب:
ومن هنا يرجح أبو غوش تدهور الأمور إلى "انتفاضة أو انفجار عفوي غير منظم ولا مخطط وبدون قيادة وأقرب إلى ردات فعل لا تصب في مصلحة برنامج سياسي موحد".
بعد أحداث تل هاجم رموز المعارضة وبينهم رئيس الأركان السابق موشيه يعلون وزعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان حكومة بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية ارتكابه جرائم حرب في غزة- وإطلاق العنان للمستوطنين، لكن تصريحاتهم لم تنطوِ على اعتراف بأي حقوق للفلسطينيين ولم تدن الهجمات التي تستهدفهم، إنما كان محركهم الخسائر في صفوف الجنود.
ووفق أبو غوش، فإن أصوات المعارضة الرافضة للاستيطان فردية ولا تعبر عن تيارات رئيسية، ومعظم ردود المعارضة حتى لدى اليسار الصهيوني انحصرت في القتلى الإسرائيليين، ولم تلحظ عشرات الشهداء الفلسطينيين، أو تذكر أن المبادرة بالهجوم كانت بيد المستوطنين.
المعارضة، وفق الكاتب الفلسطيني، جزء لا يتجزأ من عنف دولة الاحتلال، ويقول إن الحكومة الإسرائيلية ليست طرفا محايدا بل يتكامل عنف المستوطنين مع عنف الجيش وعنف الأجهزة الأمنية.
ويضيف أن السلطة القضائية التي تتغاضى عن المستوطنين باتت شريكة وتصدر أحكاما قاسية جدا بحق الفلسطينيين، دون وجه حق.
وبالتالي، فإن أصوات المعارضة يمكن فهمها على أنها مناكفات داخلية هدفها المساس بحكومة نتنياهو وإدارتها وليس وجود سياسة بديلة ترفض الاحتلال أو تعيد النظر فيه، بحسب أبو غوش.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة