في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يتولى آندي بيرنهام رئاسة الوزراء البريطانية في لحظة سياسية واقتصادية معقدة، خلفا ل كير ستارمر الذي اضطر إلى الرحيل بعد أزمة داخلية هزت حزب العمال.
ونشرت 3 صحف تحليلات حول تسلم بيرنهام اليوم الاثنين مهام منصبه، وكتبت صحيفة نيويورك تايمز، في تحليل للكاتب ستيفن كاسل، أن بيرنهام يواجه مهمة شاقة، إذ ينتقل من قيادة بلدية مانشستر الكبرى إلى إدارة دولة تواجه أزمات متراكمة، وسيكون عليه اتخاذ عشرات القرارات يوميا وإدارة حكومته والحفاظ على تماسك حزبه.
ويحدد كاسل 5 تحديات رئيسية قال إنها ستختبر قدرة رئيس الوزراء الجديد على النجاح.
أولا- الاقتصاد: عانت بريطانيا منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 من ضعف نمو مستويات المعيشة، وهي أزمة تفاقمت بسبب خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي و جائحة كورونا. وسيكون على بيرنهام تقديم نتائج ملموسة للبريطانيين الذين ينتظرون تحسنا في حياتهم اليومية، لكنه سيواجه قيودا مالية بعد تعهد حزب العمال خلال انتخابات 2024 بعدم زيادة الضرائب الرئيسية. وسيكون اختيار وزير الخزانة من أول القرارات الحاسمة التي ستحدد توجه حكومته الاقتصادية.
ثانيا- السياسة الخارجية والعلاقات مع الولايات المتحدة: رغم أن بيرنهام صعد سياسيا بالتركيز على القضايا الداخلية، فإن الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط ستفرضان نفسيهما على أجندته.
وترى نيويورك تايمز أن موقف بريطانيا من هذه الملفات لن يتغير كثيرا، لكن العلاقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ستكون اختبارا حساسا، إذ ستحتاج لندن إلى الحفاظ على تحالفها الأمني مع واشنطن رغم عدم شعبية سياسات ترمب في بريطانيا.
ثالثا- الإنفاق الدفاعي: فقد أدت الخلافات حول ميزانية الجيش إلى استقالة وزير الدفاع السابق جون هيلي، قبل أن تعلن حكومة ستارمر خطة لزيادة الإنفاق العسكري بنحو 19.1 مليار دولار خلال 4 سنوات.
رابعا- الهجرة: يمثل هذا الملف تحديا سياسيا مستمرا، فبالرغم من انخفاض صافي الهجرة نتيجة سياسات أكثر تشددا، فإن القضية لا تزال من أهم مخاوف الناخبين. ويشير بيرنهام إلى أن الهجرة تحتاج إلى مزيد من الانخفاض، لكنه سيواجه معضلة التوفيق بين تشديد السياسات لإرضاء الناخبين والحفاظ على وحدة حزب العمال الذي يعارض بعض أعضائه الإجراءات الصارمة.
خامسا- ارتفاع تكلفة الرعاية الاجتماعية والمعاشات: تواجه بريطانيا زيادة في الإنفاق على المساعدات بسبب ارتفاع أعداد المطالبين بها، إلى جانب الضغوط الناتجة عن شيخوخة السكان وارتفاع كلفة معاشات التقاعد.
وترى صحيفة غارديان، في تحليل للكاتب توم كلارك، أن وصول آندي بيرنهام إلى داوننغ ستريت يأتي في لحظة يبحث فيها البريطانيون منذ سنوات عن تغيير حقيقي، لكنهم فقدوا الثقة في قدرة الحكومات المتعاقبة على تحقيقه.
فالمشكلة التي واجهت كير ستارمر، بحسب الكاتب، لم تكن غياب الرغبة في الإصلاح، بل بطء اتخاذ القرارات بسبب شبكة معقدة من الإجراءات والهيئات والاستشارات التي جعلت الدولة أقل قدرة على التحرك بسرعة.
ويقول كلارك إن الناخبين البريطانيين "يطالبون بالتغيير منذ عقد"، وهو ما ظهر في سلسلة من التحولات السياسية المتتالية، من استفتاء بريكست إلى صعود جيرمي كوربن، ثم فوز بوريس جونسون الكبير، وصولا إلى هزيمة حزب المحافظين في انتخابات 2024. ويرى أن هذه التحولات كانت في جوهرها محاولات يائسة للخروج من وضع سياسي شعر كثيرون بأنه غير قابل للتغيير.
لكن غارديان تشير إلى أن الأزمات الكبرى هي التي دفعت الحكومات تاريخيا إلى اتخاذ قرارات جذرية وسريعة، فقد استطاع فرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة خلال أزمة الكساد العظيم تمرير إصلاحات واسعة، كما أجبرت أزمات الحرب العالمية الثانية والأزمة المالية عام 2008 وجائحة كورونا الحكومات على تجاوز البيروقراطية واتخاذ إجراءات استثنائية.
والسؤال الذي يواجه بيرنهام، بحسب الصحيفة، هو ما إذا كانت آلة الدولة البريطانية أصبحت بطيئة بالفعل أم أن المشكلة كانت في أسلوب القيادة؟ ويأمل مقربون من حزب العمال أن يكون بيرنهام أكثر سرعة وجرأة، إذ ترى وزيرة الثقافة السابقة ليزا ناندي أن حكومته ستكون "أسرع وأكثر جرأة" من حكومة ستارمر.
وتقارن غارديان بين الرجلين، معتبرة أن ستارمر كان نموذجا للسياسي الحذر الذي ركز على الخطط والمراحل الأولى والمهام المحددة، لكنه تجنب المخاطرة واتخاذ القرارات الصعبة. أما بيرنهام، الذي بنى صورته السياسية على التعاطف والقرب من الناس، فيواجه الآن اختبارا مختلفا: هل يستطيع تحويل هذه الصفات إلى قدرة على فرض خيارات صعبة؟
ويبرز كلارك ملف الرعاية الاجتماعية باعتباره أحد أهم الاختبارات، فقد دعا بيرنهام منذ سنوات إلى إصلاح شامل للرعاية الصحية والاجتماعية، ووعد باستخدام "رأسماله السياسي" لتحقيق ذلك. لكن المشكلة أن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى أموال إضافية، ما يضعه أمام معادلة صعبة بين الرغبة في التغيير والقيود المالية.
وترى صحيفة آي بيبر، في تحليل للكاتب روبرت فوكس، أن بيرنهام قد يدخل داوننغ ستريت وهو يضع الإصلاح الداخلي في مقدمة أولوياته، من خلال نقل مزيد من السلطات إلى المناطق، وإنعاش الاقتصادات المحلية وإعادة التصنيع، لكن التطورات الدولية قد تجبره سريعا على إعادة ترتيب أجندته، وجعل الدفاع والأمن القومي في مقدمة الملفات.
ويشير فوكس إلى أن بيرنهام سيواجه منذ اللحظات الأولى في منصبه تذكيرا بثقل مسؤولية رئاسة الحكومة البريطانية، إذ سيكون عليه توقيع رسالة "الملاذ الأخير" الخاصة باستخدام السلاح النووي البريطاني في حال تعرُّض البلاد لهجوم نووي. وينقل الكاتب عن مسؤولين بريطانيين سابقين أن هذه اللحظة تكون صادمة ومؤثرة لأي رئيس وزراء، لأنها تضعه مباشرة أمام أخطر القرارات التي يمكن أن يتخذها.
وترى آي بيبر أن التحدي الأكبر أمام بيرنهام سيكون التعامل مع عالم يشهد تصاعدا في التوترات، خصوصا مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد التهديدات الروسية. ويشير فوكس إلى أن فلاديمير بوتين يبدو مستعدا لإطالة أمد الحرب، في وقت تتعرض فيه أوكرانيا لضغوط متزايدة بسبب الهجمات الصاروخية و الطائرات المسيّرة ونقص بعض أنظمة الدفاع الجوي.
ويحذر الكاتب من أن بريطانيا نفسها ليست بعيدة عن هذه التهديدات، إذ تواجه مخاطر مرتبطة بالهجمات السيبرانية والتخريب واستهداف البنية التحتية الحيوية. ولذلك سيكون على حكومة بيرنهام وضع إستراتيجية دفاعية واضحة، خصوصا مع تراجع جاهزية القوات المسلحة واستمرار الغموض حول مستوى الدعم الأمريكي في المستقبل.
ويشير فوكس إلى أن ملف الدفاع يمثل اختبارا ماليا وسياسيا صعبا، فخطة الاستثمار الدفاعي التي وافق عليها بيرنهام سابقا تحتاج إلى تمويل إضافي، بينما لا تزال هناك فجوات في الميزانية واضطرار محتمل لاقتطاع أموال من وزارات أخرى.
كذلك ستواجه الحكومة الجديدة، كما يقول فوكس، ضغوطا للوفاء بالتزامات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) وزيادة الإنفاق الدفاعي في وقت تعمل فيه دول أوروبية أخرى على تعزيز قدراتها العسكرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة