في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع دخول المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثاني، تبدو مذكرة التفاهم التي وُقعت قبل شهر وكأنها فقدت مفعولها على وقع الضربات المتبادلة، فبدلا من أن تمهد لاتفاق أوسع، تحولت بنودها إلى مرآة تعكس اتساع الفجوة بين التعهدات السياسية والوقائع الميدانية.
ويأتي ذلك بينما توسعت الضربات الأمريكية لتطال جسورا ومحطات تحلية مياه وبنى تحتية في جنوب ووسط إيران، في حين ردت طهران باستهداف مواقع تقول إنها تضم قوات أمريكية في دول عربية، مما أعاد المنطقة إلى دائرة التصعيد وألقى بظلاله على مستقبل أي مسار تفاوضي.
وتوضح تطورات الأيام الأخيرة أن معظم الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم تعرضت للاهتزاز، سواء ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية أو الملاحة في مضيق هرمز أو تخفيف العقوبات، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن أسباب انهيار الاتفاق بهذه السرعة، ومن يتحمل مسؤولية ذلك.
ويستعرض تقرير للجزيرة أعدته نسيبة موسى كيف تحولت مذكرة التفاهم، بعد شهر واحد فقط من توقيعها، من خارطة طريق لتهدئة إقليمية ومفاوضات واسعة إلى وثيقة تتآكل بنودها تحت وطأة التصعيد العسكري، بعدما اتسعت الفجوة بين ما اتُّفق عليه خلف الأبواب المغلقة وما فرضه الميدان.
فالمذكرة نصت على وقف دائم للعمليات العسكرية وعدم الشروع في أي أعمال قتالية، لكن الولايات المتحدة واصلت غاراتها على مواقع إيرانية من سواحل هرمز حتى العمق الإيراني، بينما ردت طهران بهجمات على أهداف تقول إنها تضم قوات أمريكية في دول المنطقة، ليتراجع المسار الدبلوماسي أمام منطق القوة.
وتحول مضيق هرمز إلى نقطة الانهيار الأساسية للمذكرة، إذ ينص بندها الخامس على ترتيبات تضمن مرور السفن التجارية بأمان، بينما رأت طهران في ذلك اعترافا بدورها في إدارة المضيق، في حين أصرت واشنطن على بقائه ممرا دوليا مفتوحا دون أي قيود.
وسرعان ما تعمق الخلاف بعد إنشاء الولايات المتحدة ممرا بديلا بمحاذاة الساحل العماني خارج السيطرة الإيرانية، لتتحول الهجمات على السفن المستخدمة لهذا المسار إلى الشرارة التي أعادت المواجهة العسكرية بين الجانبين، وصولا إلى الحصار البحري والضربات المتبادلة الحالية.
كما تعرضت البنود الاقتصادية لانتكاسة متسارعة؛ فبعد أن رفعت واشنطن حصارها البحري وأصدرت إعفاءات سمحت بتصدير النفط الإيراني، عادت خلال الأيام الماضية إلى فرض الحصار وإلغاء الإعفاءات مع تجدد العمليات العسكرية، لتتبدد المكاسب التي حققتها طهران.
ولم يكن ملف الأموال الإيرانية المجمدة بعيدا عن مسار التعثر، إذ لم تحصل طهران على أي جزء من المبالغ التي نصت المذكرة على الإفراج عنها، بعدما تصاعد الخلاف بشأن آلية استخدامها، في وقت كانت المفاوضات يفترض أن تمهد لاتفاق نهائي قبل منتصف أغسطس/آب المقبل.
ويعزز التصعيد الميداني هذا الانسداد، بعدما اتسعت الضربات الأمريكية لتشمل جسورا ومحطات تحلية ومرافق للنقل في إيران، بينما كثفت طهران هجماتها على مواقع في الكويت والبحرين والأردن، في مؤشر على أن الأولوية باتت لإدارة المواجهة العسكرية لا لاستكمال الالتزامات السياسية.
بدوره، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف الدكتور حسني عبيدي أن المفاوضات وصلت عمليا إلى مأزق مضيق هرمز، بعدما استنفدت نصف المهلة الزمنية المفترضة دون إحراز تقدم في القضايا الأساسية، معتبرا أن طهران لم تكن مستعجلة أصلا للانتقال إلى الملفات الأخرى.
ويقول عبيدي إن إيران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ورقتها الرادعة الأخيرة، ولذلك تمسكت به باعتباره أداة ضغط في بقية الملفات، بينما كان يمكن – برأيه – ترك الترتيبات الخاصة بالمضيق تسري طوال 60 يوما، ثم إعادة مناقشتها لاحقا مع إتاحة مساحة لتحرك الوسطاء.
ويضيف أن هذا التمسك الصارم بالبند الخامس كان سببا رئيسيا في تقويض المذكرة، رغم أن الاتفاق مثل، من وجهة نظره، التزاما سياسيا كبيرا من الإدارة الأمريكية، في ظل اعتراضات داخل الولايات المتحدة ومن حلفائها الذين كانوا يفضلون الانتقال مباشرة إلى ملف تخصيب اليورانيوم.
ويشير إلى أن واشنطن كانت تميل إلى تنفيذ الالتزامات بصورة تدريجية لاختبار مدى التزام إيران، بينما سعت طهران إلى تحقيق مكاسب فورية، وهو اختلاف في مقاربة تنفيذ الاتفاق جعل كل طرف يقرأ بنوده بطريقة مغايرة للآخر.
ويخلص عبيدي إلى أن التطورات الأخيرة، بما فيها استهداف ناقلات ومواقع مرتبطة بالملاحة في الخليج، عززت قناعة واشنطن بأن طهران غير مستعدة للتخلي عن استخدام مضيق هرمز كورقة نفوذ، وهو ما وسع الفجوة بين الطرفين، وأعاد الميدان ليتقدم مجددا على الدبلوماسية.
المصدر:
الجزيرة