في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بغداد– يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية حاسمة تعيد رسم ملامح مستقبله الأمني والاقتصادي، فمع اقتراب موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في الثلاثين من سبتمبر/أيلول المقبل، تتجه بوصلة بغداد نحو ترسيخ السيادة الوطنية الكاملة، والانتقال من مرحلة الشراكات الأمنية التي فرضتها تحديات الإرهاب، إلى آفاق الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية المستدامة.
وفي هذا السياق، تخوض الحكومة العراقية معارك مفصلية على جبهات متعددة؛ أبرزها حصر السلاح بيد الدولة بعد انتهاء مبررات حمله، وتجفيف منابع الفساد عبر حملة "صولة الفجر" التي تواصل الإطاحة بشبكات معقدة واسترداد مليارات الدنانير.
إلى جانب التحديات الداخلية، يسعى العراق لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي من خلال المطالبة بزيادة حصته في " أوبك"، والمضي قدما في مشروع "طريق التنمية"، مع بناء ثقة متنامية في علاقاته المالية مع واشنطن، للوقوف على تفاصيل هذه التحولات العميقة، نغوص في تفاصيل هذا الحوار الموسع مع حيدر العبودي الناطق باسم الحكومة العراقية.
وفيما يلي نص الحوار:
حملة "صولة الفجر" مستمرة وتحكمها منهجية وآليات وسياقات قضائية، وهذه السياقات ترتبط بتكامل السلطات المعنية، سواء مجلس القضاء الأعلى و مجلس النواب، والحكومة المسؤولة عن تنفيذ الإجراءات، الأعداد، منذ انطلقت الحملة، أخذت بالتزايد، وحالياً تصدر مذكرات القبض بحسب مجريات التحقيق من مجلس القضاء، فيما تتعامل الأجهزة المختصة مع المشتبه بهم أو المتهمين في هذا الملف وفق الأطر القانونية، بغض النظر عن صفاتهم.
هذا الملف يُعد واحداً من أهم مرتكزات المنهاج الوزاري للحكومة العراقية، التي تعتمد آليات دقيقة في التعامل معه بهدف تجفيف منابع هذه الآفة، التي بات المتورطون فيها يهددون المال العام والدولة العراقية ونظامها السياسي.
وبالنسبة للأرقام، لا أستطيع أن أنوب عن مجلس القضاء والأجهزة المختصة، لكن ما هو مؤكد أن العدد في تزايد، سواء عدد المتهمين أو الأموال المضبوطة، وهي أيضاً آخذة بالتصاعد.
لا توجد قيمة إجمالية معلنة، وبحسب ما أعلنه القضاء، فإن إجمالي المبالغ المرصودة في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف عدنان الجميلي يزيد على 127 مليار دينار، إضافة إلى 24 مليون دولار، فضلاً عن العقارات والعجلات والمصوغات الذهبية.
نحن نتعامل مع متهمين بقضايا فساد، واستخدام عبارة "المستوى السياسي" قد لا يكون دقيقاً، في المحصلة، فإن مكافحة الفساد، وما يُنفذ من آليات على أرض الواقع، تشترك فيه السلطتان القضائية والتشريعية والحكومة العراقية المعنية بتنفيذ الأوامر وتعقب المطلوبين للقضاء في هذا الملف وغيره.
ولا تنظر الحكومة إلى الصفة التي يحملها المتورط، بل إن المهم هو تنفيذ الأوامر بحق المتورطين بالكسب غير المشروع واسترداد هذه الأموال، لأن مسؤولية مكافحة الفساد باتت وطنية يتحملها الجميع، والشارع العراقي يتطلع إلى معاقبة الذين عاثوا بالمال العام وانتهكوا حرمته، وهو مال العراقيين جميعاً.
الحقيقة أن هيئة النزاهة لديها نشرة حمراء تُعمم على جميع الدول التي ترتبط معها بسياقات تعاون دولي لاستقدام واعتقال المطلوبين. و العراق لديه تعاون دولي في هذا المجال، وهناك هاربون في هذا الملف، وقد أُعلن عن ذلك في وقت سابق. والتعاون قائم مع جميع الدول التي يُتوقع وجود المطلوبين للقضاء فيها، والعمل جارٍ بالاتجاه الصحيح.
عندما قلنا إن 30 سبتمبر/أيلول القادم هو موعد انتهاء وجود التحالف الدولي، فإن ذلك يأتي في إطار التزام دولي بين العراق وأصدقائه وشركائه الدوليين. وهذا التاريخ يمثل محطة مهمة بالنسبة للحكومة والدولة العراقيتين، إذ تنتهي معه أسباب وتبدأ بعده مقتضيات جديدة، وهي مقتضيات الشراكة.
ما يعني أن رؤية الحكومة تتجه إلى الانتقال بمستوى العلاقة من الشراكة الأمنية، التي فرضتها المقتضيات الأمنية، إلى شراكة اقتصادية وإستراتيجية طويلة الأمد، هدفها تحقيق المصالح المشتركة بين العراق وأصدقائه الدوليين.
الغطاء القانوني الذي يؤطر وجود قوات التحالف الدولي يتمثل في موافقة الدولة العراقية وسلطاتها المختصة. وفيما يتعلق بالقوات الأمريكية، فإن لها مهام استشارية، إضافة إلى مهام أخرى بموجب اتفاقية الإطار الإستراتيجي بين البلدين.
لكن في 30 سبتمبر/أيلول المقبل، أعتقد أن مستوى العلاقة بين العراق وأصدقائه الدوليين سينتقل إلى مستوى أعلى على الصعيد الإستراتيجي، تحت عنوان الشراكة الاقتصادية المستدامة.
لا توجد قواعد أجنبية في العراق، وإنما مستشارون دوليون موجودون على أرض عراقية، وهذه الأرض جزء من هوية السيادة الوطنية للدولة العراقية. ووجودهم جاء بطلب من الحكومة، لذلك فإن المغادرة لا تتعلق بتسليم قواعد أو جغرافيا معينة محسوبة على طرف دولي محدد.
مع انسحاب قوات التحالف الدولي، أو حتى قبل ذلك، فإن مستوى القوات المسلحة العراقية اليوم يختلف عن أدائها في عام 2014. فالقوات الأمنية تتمتع بجاهزية عالية ومستوى متقدم من الاستعداد، ومن يدافع عن أرض العراق حالياً هي القوات العراقية، وليست قوات التحالف الدولي.
نعم، هم أصدقاء للعراق ويقدمون الدعم بطلب من الحكومة، لكن ما سيعقب 30 سبتمبر/أيلول القادم هو أن مستوى قواتنا وصل إلى مرحلة لن تتمكن معها قوى الإرهاب من تحقيق الأهداف التي جعلت منها في عام 2014 رقما على مسرح الأحداث في البلاد. الإرهاب أصبح من حسابات الماضي، ولن يكون من حسابات المستقبل.
في عام 2014 كانت هناك ضرورات وجودية للدولة العراقية اقتضت أن ينبري لها جميع العراقيين، بما فيهم الفصائل المسلحة التي واجهت الإرهاب. وفي تلك المواجهة لم يكن العراقيون وحدهم من خاض المعركة، بل كان لهم أصدقاء من المنطقة ومن دول العالم، ولا سيما أن التحالف الدولي ما زال موجوداً في البلاد حتى هذه اللحظة لهذه الاعتبارات.
أما الفصائل، فإن موعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل، الذي حددته الحكومة والدولة العراقيتين لإنهاء وجود التحالف الدولي، أُبلغت به جميع الجماعات. وقد انخرطت نسبة منها في رؤية الحكومة المتعلقة بتسليم السلاح وتنظيم وجودها تحت مسمى قانوني، لأن الحكومة تتبنى ثابتاً دستورياً يتمثل في أن من يملك السلاح هي القوات المسلحة المرخصة بموجب القانون والدستور، باعتبارها الجهة التي تحتكر استخدام أدوات القوة التي تمثل الدولة.
وحصر السلاح بيد الدولة يُعد واحداً من أهم محاور المنهاج الوزاري للحكومة العراقية، بل جاء في صدارتها، فأول محور يتعلق بسيادة الدولة، ومن مقتضيات هذه السيادة حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني بيد المنظومة الأمنية الرسمية.
وبعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل، فإن أسباب حمل السلاح التي استدعتها ظروف عام 2014 ستنتهي، والمتوقع أن يشترك الجميع في مقتضيات مرحلة ما بعد هذا التاريخ، وهي المقتضيات التنموية والسياسية والاجتماعية، لأن الجميع أبناء هذا البلد، وهم عراقيون حريصون على بلدهم.
هذا الأمر ليس خافيا، فقد استجابت نسبة من الفصائل وسلمت سلاحها. وكان أول من استجاب "التيار الوطني الشيعي" المتمثل في سرايا السلام في سامراء، ثم أعقبتهم " عصائب أهل الحق" وتشكيلات أخرى. والحوار ما زال مستمراً، والإجراءات المنتظمة تمضي باتجاه تحقيق أهدافها بصورة منظمة ودقيقة ومدروسة، بما يحقق المصلحة الوطنية العليا للدولة العراقية، التي تدركها وتتفهم أبعادها جميع الأطراف.
الجميع يتفهم هذه المسؤولية. بعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل سيجد الجميع أن الدولة هي الجهة المخولة بتطبيق القوانين، وبمراعاة مضامين الدستور العراقي الذي منع وحظر تشكيل أو تكوين مليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. وهذا الدستور هو المنطلق الذي تستند إليه الحكومة في التعامل مع هذا الملف.
منظمة أوبك ولدت في بغداد، وتعامل العراق معها وحرصه على استدامة هذا التنسيق يمثلان مستوى عاليا من الالتزام تجاهها. كما أن البيئة العراقية، على مستوى الموارد البشرية، أخذت بالتزايد، وهذا من أهم المؤشرات والمعايير التي يسعى العراق من خلالها إلى إعادة النظر في مستوى حصته الإنتاجية، لامتلاكه احتياطيات نفطية كبيرة على مستوى المنطقة والعالم.
فالمنطقة تمثل أكبر حوض نفطي في العالم، ويُقدر أن نحو 80% من احتياطيات النفط العالمية الموثقة تقع فيها، فيما يَشغل العراق نسبة إيجابية من هذه المساحة.
التنسيق مستمر مع أوبك بشأن زيادة حصة بغداد من الإنتاج، إلى جانب التنسيق ضمن إطار تحالف أوبك بلس، حيث يجري العمل على تفاهمات لزيادة حصص الإنتاج لتعويض ما شهدته إمدادات النفط العالمية من تعثر بعد أزمة مضيق هرمز وما رافقها من أحداث.
السعر الموازي له أسبابه وظروفه في جميع دول العالم وليس في العراق وحده. لكن هذه المساحة تقع ضمن اختصاص البنك المركزي العراقي. وبعد استئناف دفعات الدولار، أخذ السعر الموازي بالتراجع. كما أن البنك المركزي خفَّض حصة الدولار المخصصة للمسافرين بهدف شمول أكبر شريحة ممكنة.
وهذه الكميات من الدولار تُعد أحد المؤشرات الإيجابية على استئناف دفعات الأموال العراقية المودعة لدى الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. وبالمجمل، فإن هذا الموضوع يخضع للمعايير التي يعتمدها البنك المركزي في إدارة الاحتياطيات النقدية المودعة لدى الاحتياطي الفدرالي.
على العكس، فإن استئناف دفعات الأموال العراقية يحمل مؤشرا إيجابيا على صعيد تنامي الثقة المتبادلة بين الجانبين العراقي والأمريكي، وفي مستوى العلاقة والتعاون القائم.
بعد الحرب الأخيرة وصدمة مضيق هرمز، أعادت جميع الدول ترتيب خرائط مصالحها وإعادة تصميمها، استنادا إلى رؤى جديدة لإدارة التحديات. العراق بدوره رتّب أجندة اقتصادية طموحة للتعامل مع هذه الظروف، ويتجه حالياً إلى تنفيذ رؤية تقوم على إيجاد بدائل لتصدير النفط العراقي.
وبموازاة ذلك، سيعلن قريباً عن شراكة اقتصادية إستراتيجية بين بغداد وواشنطن، تقوم على الاستثمارات والتعاون الاقتصادي، انطلاقاً من مكانة العراق الاقتصادية وما يمتلكه من ثروة نفطية.
تحقيق أواصر الربط موجود حتى في المنهاج الوزاري للحكومة العراقية. أما آليات التنفيذ فهي ما زالت قيد الدراسة. طريق التنمية يرتبط بشركات وبالمصلحة العليا للدولة العراقية، وهذه الأمور موضوعة في الاتجاه الصحيح، ووفق مؤشرات مدروسة، وستأخذ طريقها إلى التنفيذ.
الحكومة العراقية، ممثلة برئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، أوصلت رسائل تؤكد رغبة الجانب العراقي في تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك. فالحكومة تتبنى الآن رؤية اقتصادية إيجابية تخدم جميع دول المنطقة، وتنطلق من تحقيق المصالح العليا للعراق، مع مراعاة مصالح دول المنطقة ودول العالم بالقدر نفسه من الأهمية، لأن المصالح المشتركة وتبادل المنافع هما ما يمنحان العلاقات الثنائية طابعاً مستداماً ومستقراً.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة