آخر الأخبار

مصر والأرجنتين ..كيف تحمي قوانين الفيفا القوى الكروية الكبرى؟

شارك

توصف كرة القدم غالبًا بأنها أكثر الرياضات ديمقراطية في العالم. أحد عشر لاعبًا في مواجهة أحد عشر لاعبًا، وتسعون دقيقة، وكرة واحدة. ومن الناحية النظرية، تستطيع دولة كروية صغيرة أو صاعدة أن تهزم قوة كروية كبرى، ولهذا تحديدًا يأسر كأس العالم خيال المليارات، لأنه يمنح الناس أملًا بأن التاريخ والمال والسمعة يمكن أن تسقط جميعًا أمام الأداء داخل الملعب.

غير أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت نظامًا قانونيًا، وصناعة تجارية، ومنتجًا إعلاميًا، واقتصادًا سياسيًا عالميًا. فالفيفا لا تنظم المباريات فحسب، بل تضع القواعد، ونظام البطولة، وآلية التصنيف، والإطار التأديبي، وآليات التوزيع التجاري والمالي، والشروط التي تتنافس في ظلها الدول. وتبدو هذه القواعد محايدة في ظاهرها، لكنها قد تمنح، في التطبيق العملي، أفضلية مستمرة لمن يملكون القوة التاريخية والمالية والإعلامية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل تكسر القبيلة سطوة الحوثي وتعيد رسم معادلات النفوذ؟
* list 2 of 2 كيف يرى العرب في المهجر الحرب على إيران؟ end of list

وتبرز مباراة مصر والأرجنتين مثالًا على هذه الإشكالية. ولا يتعلق الأمر بالادعاء بوجود فساد أو تلاعب مباشر في نتيجتها، فمثل هذا الاتهام لا يثبت إلا بدليل قاطع، وإنما بالسؤال الأعمق: هل تخلق المنظومة القانونية والتنظيمية للفيفا بيئة تجعل المنتخبات الصاعدة مطالبة ليس فقط بتجاوز منافسيها داخل الملعب، وإنما أيضًا بتجاوز ثقل النظام الكروي العالمي نفسه؟

كانت مصر قريبة من تحقيق واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم بعدما تقدمت 2-0، قبل أن تخسر 3-2 أمام الأرجنتين. ووفقًا لوكالة رويترز، انتقد المدرب حسام حسن قرارات التحكيم، مشيرًا إلى إلغاء هدف بعد مراجعة تقنية الفيديو، وإلى عدم احتساب ركلة جزاء لمصر قبل الهدف الأرجنتيني الحاسم في الدقيقة الثانية والتسعين. كما لفت إلى أن معظم لاعبي المنتخب المصري ينشطون في الدوري المحلي، بينما يكتسب كثير من لاعبي المنتخبات المنافسة خبراتهم داخل الدوريات الأوروبية الكبرى.

إعلان

وهنا تتجلى فكرة الاقتصاد السياسي لكرة القدم. فالأرجنتين ليست مجرد منتخب وطني، بل علامة كروية عالمية ذات قيمة إعلامية وتجارية وتاريخية كبيرة، بينما تمثل مصر نموذج المنتخب الصاعد الذي يمتلك الموهبة والطموح، لكنه يتحرك داخل منظومة صيغت، إلى حد بعيد، بما يخدم القوى الكروية الكبرى.

ومن ثم، فإن السؤال القانوني الحقيقي ليس ما إذا كانت الفيفا توجه الحكام لمصلحة المنتخبات الكبرى، فهذا ادعاء لا يجوز طرحه دون دليل، وإنما ما إذا كانت قواعدها وبنيتها التنظيمية والاقتصادية تنتج آثارًا غير متكافئة تعيد إنتاج الهيمنة الرياضية بصورة غير مباشرة.

مصدر الصورة مشجعو الأرجنتين في أحد المطاعم بعد تفوق المنتخب المصري في بداية المباراة (الأناضول)

أولًا: البنية القانونية والاقتصادية للفيفا

تنص إجراءات قرعة كأس العالم 2026 على إدراج الدول الثلاث المستضيفة، وهي كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، تلقائيًا في المستوى الأول، بينما توزع بقية المنتخبات وفق تصنيف FIFA/Coca-Cola الصادر في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

كما تضمن الفيفا، من خلال نظام القرعة، توزيع المنتخبات الأعلى تصنيفًا على مسارات مختلفة في الأدوار الإقصائية، بما يؤجل مواجهاتها المباشرة إلى المراحل المتقدمة. ويبرر ذلك بالسعي إلى تحقيق التوازن التنافسي، إلا أن النتيجة العملية تمنح المنتخبات الكبرى طريقًا أكثر استقرارًا وقابلية للتوقع، وهو ما يحقق في الوقت نفسه مصالح رياضية وتجارية وإعلامية متشابكة.

وتزداد هذه الإشكالية مع النظام الجديد الذي يضم 48 منتخبًا، إذ يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، إضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث. وقد أشارت دراسة أكاديمية إلى أن هذا النظام ينتج مئات الاحتمالات المختلفة لمسارات الأدوار الإقصائية، بما يخلق تفاوتًا بين متصدري المجموعات ويزيد تعقيد المنافسة.

وبينما تستطيع المنتخبات الكبرى، بما تمتلكه من خبرات مؤسسية وأجهزة تحليل وخبراء قانونيين، إدارة هذا التعقيد، يمثل الأمر عبئًا إضافيًا على المنتخبات الصاعدة، التي لا تواجه خصومًا أقوى فحسب، بل تواجه أيضًا منظومة تنظيمية وقانونية أكثر تعقيدًا.

ثانيًا: العدالة التحكيمية بين تقنية الفيديو والسلطة التقديرية

ولا تقتصر الفجوة على البناء التنظيمي للبطولة، بل تمتد إلى الجوانب المالية أيضًا. فقد أعلن مجلس الفيفا رفع قيمة التوزيع المالي للمنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 بنسبة 15% لتصل إلى 871 مليون دولار أمريكي، تشمل مخصصات الإعداد، ومكافآت التأهل، ومساهمات إضافية للاتحادات الوطنية. ورغم أن هذه الزيادة تبدو إيجابية من حيث المبدأ، فإن آثارها العملية تميل إلى تكريس الفوارق؛ فالمنتخبات التي تواصل التقدم في البطولة تحصل على عوائد مالية أكبر، وحضور إعلامي أوسع، وفرص رعاية أكثر، بما يعزز قدرتها على الحفاظ على تفوقها.

وتنسحب الإشكالية نفسها على تقنية الفيديو، التي قُدمت باعتبارها وسيلة لتعزيز العدالة، لكنها أوجدت في الوقت ذاته مساحة جديدة للسلطة التقديرية. فبروتوكول مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) يقصر تدخل حكم الفيديو على حالات «الخطأ الواضح والظاهر» أو «الحادث الجسيم غير المرصود» في قرارات محددة، مثل احتساب الأهداف، وركلات الجزاء، والطرد المباشر، والخطأ في تحديد هوية اللاعب، مع بقاء القرار النهائي بيد حكم الساحة.

إعلان

كما ينص البروتوكول على أن المباراة، من حيث المبدأ، لا تُبطل بسبب أعطال تقنية الفيديو، أو الأخطاء المتعلقة باستخدامها، أو عدم مراجعة واقعة معينة. وتترتب على ذلك نتيجة قانونية مهمة، إذ تبقى إمكانية الطعن في الأثر الرياضي للقرار محدودة للغاية، حتى عندما يعتقد أحد المنتخبات أن خطأ تحكيميًا كان حاسمًا في نتيجة المباراة. وهكذا تحمي المنظومة نهائية القرار أكثر مما تتيح إعادة النظر فيه، وهو ما يضمن استقرار البطولة، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود العدالة الرياضية.

مصدر الصورة حسام حسن مدرب المنتخب المصري في رسالة احتجاج على الانحياز ضد فريقه

ثالثًا: غياب القضاء الرياضي المستعجل

تكشف مباراة مصر والأرجنتين عن فجوة أخرى في النظام القانوني لكرة القدم، تتمثل في غياب آلية فعالة للتظلم المستعجل عندما تكون هناك شبهات قوية بأن خطأ تحكيمي أو تنظيمي أثر بصورة مباشرة في نتيجة المباراة. فالمشكلة ليست في احتمال وقوع الخطأ، وإنما في محدودية الوسائل القانونية المتاحة لمعالجة آثاره قبل أن تستمر البطولة ويصبح الضرر غير قابل للإصلاح.

ووفقًا لقانون الانضباط الصادر عن الفيفا، يجوز تقديم الاحتجاج خلال أربع وعشرين ساعة، لكن قبوله يظل مقصورًا على حالات محددة، مثل مشاركة لاعب غير مؤهل، أو عدم صلاحية أرضية الملعب، أو وجود خطأ واضح من الحكم، ويقتصر أثر الاحتجاج، في هذه الحالة الأخيرة، على الجوانب الانضباطية، دون أن يمتد بالضرورة إلى النتيجة الرياضية للمباراة.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عند الجمع بين قانون الانضباط وبروتوكول تقنية الفيديو؛ فإذا كانت المباراة لا تُبطل، من حيث المبدأ، بسبب خطأ في استخدام التقنية أو عدم مراجعة واقعة معينة، فإن الفريق المتضرر يجد نفسه أمام ضرر قد يكون حاسمًا، في مقابل وسائل انتصاف قانونية محدودة.

ورغم أن محكمة التحكيم الرياضي (CAS) أنشأت شعبة مستعجلة خاصة بكأس العالم 2026، وأجازت اتخاذ تدابير وقتية في الحالات العاجلة، مع إصدار القرار خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، فإن اختصاصها يظل مرتبطًا بالقرارات القابلة للطعن وبعد استنفاد الإجراءات الداخلية للفيفا، بينما تبقى معظم القرارات التحكيمية المتعلقة بوقائع اللعب بمنأى عن المراجعة القضائية المباشرة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني للفيفا بإنشاء نظام استثنائي للتظلمات المستعجلة في المباريات الإقصائية أو المباريات ذات الأثر الحاسم، على ألا يُفتح هذا الباب إلا في حالات محددة، تتوافر فيها أدلة قوية على وقوع خطأ جسيم كان له تأثير مباشر في النتيجة، مع تقديم الطلب خلال مدة زمنية قصيرة، ووجود احتمال حقيقي لوقوع ضرر رياضي لا يمكن تداركه إذا استمرت البطولة دون مراجعة القرار.

رابعًا: نحو منظومة أكثر عدلًا

ويمكن أن يتضمن هذا النظام إنشاء غرفة مراجعة رياضية عاجلة داخل الفيفا، أو بالتنسيق مع محكمة التحكيم الرياضي، تختص بالنظر في الطلبات العاجلة خلال اثنتي عشرة أو أربع وعشرين ساعة. وتقتصر صلاحياتها على الحالات الاستثنائية التي يثبت فيها، بأدلة فنية ومرئية قوية، وقوع خطأ جسيم أثَّر مباشرة في نتيجة المباراة. ويمكن أن تشمل هذه الصلاحيات إصدار تفسير ملزم للقرار التحكيمي، أو طلب نشر التسجيلات الفنية لتقنية الفيديو، أو وقف بعض الآثار الانضباطية، أو التوصية، في الحالات القصوى، بإعادة المباراة أو إلغاء نتيجتها إذا ثبت أن ما وقع لم يكن مجرد خطأ في التقدير، وإنما مخالفة صريحة للقواعد أثرت في النتيجة.

ويعزز هذا الطرح ما يورده قانون الانضباط نفسه، إذ يجيز، ضمن التدابير التي يمكن اتخاذها بحق الأشخاص الاعتباريين، إلغاء نتيجة المباراة أو إعادتها، وهو ما يدل على أن المبدأ قائم داخل المنظومة القانونية للفيفا، لكنه يحتاج إلى تنظيم أكثر وضوحًا وعدالة فيما يتعلق بالأخطاء التحكيمية الجسيمة.

إعلان

ولا تستهدف هذه الدعوة إضعاف سلطة الحكم أو تحويل كرة القدم إلى سلسلة من المنازعات القضائية، وإنما تهدف إلى تحقيق التوازن بين نهائية القرار التحكيمي وضمان العدالة. فاستقرار المنافسة يظل قيمة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة مطلقة تحول دون مراجعة الأخطاء التي قد تترتب عليها خسائر رياضية ومالية وتاريخية جسيمة.

ومن هذا المنطلق، فإن مباراة مصر والأرجنتين ينبغي أن تُقرأ بوصفها نموذجًا يبرز الحاجة إلى تطوير قانون كرة القدم. فعندما يقدم منتخب خاسر أدلة جدية على احتمال تأثر النتيجة بخطأ مؤثر، فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يقتصر على انتهاء المباراة، وإنما يجب أن يمتد إلى التحقق من وجود آلية مستقلة وسريعة وعادلة لمراجعة ذلك الخطأ.

وإذا عجزت الفيفا عن توفير مثل هذه الآلية، فإنها لا تواجه أزمة تحكيم فحسب، بل تواجه أيضًا تحديًا يتعلق بشرعية منظومتها القانونية. فالقانون الرياضي لا يقتصر دوره على إدارة البطولة، بل يمتد إلى ضمان تكافؤ الفرص، وتمكين جميع المنتخبات من المنافسة في ظل قواعد تحقق العدالة بقدر ما تحقق الاستقرار.

وتؤكد الفيفا أن حماية نزاهة كرة القدم تمثل أحد أهدافها الأساسية، وأنها تتبنى سياسات لمكافحة التلاعب والتأثير غير المشروع في نتائج المباريات. غير أن مفهوم النزاهة لا ينبغي أن يقتصر على مكافحة الرشوة أو التلاعب المباشر، بل يجب أن يشمل أيضًا العدالة الهيكلية، أي التأكد من أن القواعد ذاتها لا تؤدي، بحكم آثارها العملية، إلى إعادة إنتاج أفضلية دائمة للمنتخبات الأقوى.

مصدر الصورة نزو فرنانديز لاعب الأرجنتين في مواجهة محمد هاني وهيسم حسن لاعبي مصر (رويترز)

الخاتمة

ومن هذا المنظور، تتجاوز مباراة مصر والأرجنتين نتيجتها الرقمية، لتطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل كرة القدم العالمية: هل تستطيع المنتخبات الصاعدة المنافسة في ظل شروط متكافئة، أم أنها مطالبة، في الوقت نفسه، بتجاوز قوة المنافس، وتعقيدات التصنيف، ومسار البطولة، وحدود تقنية الفيديو، والاعتبارات الاقتصادية والإعلامية التي تحيط باللعبة؟

ولا تحتاج كرة القدم إلى مؤامرة حتى تصبح المنافسة فيها غير متكافئة؛ فقد تكون القواعد محايدة في نصوصها، لكنها تنتج، في التطبيق، آثارًا غير متساوية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الفيفا لا يقتصر على توسيع كأس العالم، بل يتمثل في تطوير منظومتها القانونية بما يعزز الشفافية في قرارات تقنية الفيديو، ويوفر آليات أكثر فاعلية لمراجعة الأخطاء الجسيمة، ويعيد النظر في بعض جوانب نظام التصنيف والقرعة، ويمنح المنتخبات الصاعدة فرصًا أكثر تكافؤًا داخل البطولة.

ويبقى الهدف النهائي هو الحفاظ على كأس العالم بوصفه بطولة تقوم على المنافسة الرياضية العادلة، لا على التفوق التاريخي أو الاقتصادي، بحيث تظل قدرة المنتخبات الصاعدة على تغيير التاريخ نابعة من أدائها داخل الملعب، لا من قدرتها على تجاوز اختلالات النظام الذي تنظم في إطاره المنافسة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا