في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما يتفق محللون على أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) تتباين التهديدات الرئيسية التي يحشد لها بين أعضائه، ويمتد الخلاف إلى من سيدفع فاتورة تسليح قواته، فإنهم يحذرون من خطورة المشهد الحالي الذي يشتعل في مضيق هرمز، ويزداد القلق عندما تتباين الإستراتيجيات داخل الحلف بشأن طريقة التعامل مع ملف تأمين الملاحة في هرمز والتعامل مع الردود الإيرانية.
وقال المحللون -في تصريحات مختلفة للجزيرة نت- إن هذا التباين انفجر في أخطر توقيت ممكن؛ فبينما كانت قمة الناتو في أنقرة تحاول أن تُظهر وحدة الحلف، أعلن الجيش الأمريكي أمس الأربعاء شنّ ضربات على أكثر من 80 هدفا إيرانيا ردا على هجمات استهدفت 3 سفن في مضيق هرمز. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف عشرات المنشآت العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت ردا على تلك الضربات.
وعلى هامش القمة أيضا، لم يستبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم الأربعاء توجيه ضربة جديدة إلى إيران الليلة، قائلا إن "هجومنا على إيران قد يكون كبيرا"، وأضاف تهديدا آخر بأنه قد يستولي على جزيرة خارك الإيرانية وتدمير محطات الكهرباء والمياه وإعادة فرض الحصار البحري.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت مسألتان لا تقلّان حساسية عن الحرب نفسها:
الأمين العام للحلف مارك روته حسم جزءا من الجدل حين أعلن -أثناء الضربات المتبادلة عل ضفتي الخليج- دعمه للرد الأمريكي، مؤكدا استعداد دول الحلف لإرسال سفن كاسحة ألغام إلى المضيق.
لكن هذا الإعلان لم يُخفِ حقيقة أن الناتو يقف اليوم أمام اختبار لم يكن مستعدا له: كيف يوازن بين حرب لم يشأ خوضها وحليف أمريكي لا يقبل بأقل من الانخراط الكامل في الصراع؟
تُجمع 4 أصوات تحليلية مختلفة: المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) ديفيد دي روش، وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة برمنغهام سكوت لوكاس، والخبير في الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد، والباحث المتخصص في الشأن الإيراني والخليجي ورضا غبيشاوي؛ على أن الناتو يحشد اليوم لمواجهة تهديدات متعددة لا يحظى ترتيب أولوياتها بإجماع بين أعضائه.
ويرتب دي روش الجدل الأولويات من زاويته، حيث تصبح روسيا "في الأساس" هي ما يحشد له الحلف، وكل ما عداها "ثانوي" أمامها.
أما عبد الواحد فيذهب إلى تفكيك مغاير، إذ يأتي على قمة سلم الأولويات عند ترمب الصين والمحيط الهادي، ويلي ذلك الدفاع عن الأراضي الأمريكية، ثم تقاسم الأعباء "لأنه لا يريد تحمل كلفة الحروب بمفرده"، بينما تُصنَّف روسيا لديه في خانة "تهديد قابل للإدارة والاحتواء" لا أكثر.
في المقابل، ترى أوروبا -حسب عبد الواحد- أن الحرب الأوكرانية هي أولويتها الوجودية الأولى، وأن دعم الجناح الشرقي المواجه لروسيا مسألة أمن لا تحتمل التأجيل.
ويذهب لوكاس إلى تجريد الأسماء والمواقف، فالخلاف الحقيقي ليس بين أوروبا وأمريكا، بل بين أوروبا و"معسكر ترمب" الذي لم يعد حليفا بالمعنى الحقيقي، لأنه "لا يؤمن بالتحالف مع أي طرف".
ولذلك ينصح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الأوروبيين ببناء قدراتهم الدفاعية المستقلة، مع إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع الجيش الأمريكي والاستخبارات الأمريكية، بدلا من الرهان الكامل على إدارة "لا يمكن التعويل عليها"، حسب قوله.
وحاول البيان الختامي لقمة أنقرة اليوم عدم إظهار هذا التباين، مؤكدا مواصلة تطوير القدرات العسكرية للحلف ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتجديد دعم أوكرانيا بمساعدات عسكرية بقيمة 70 مليار يورو خلال عام 2026.
غير أن هذا الإجماع الشكلي لا يُخفي -حسب عبد الواحد- أن التباين "لا يصل إلى درجة الانقسام الكامل" لأن الطرفين "يتعاملان معه من خلال التكيف المتبادل"، لا عبر حسم فعلي للأولويات.
تكشف بيانات الناتو حجم الفجوة بين تحمل الأعضاء فواتير الإنفاق العسكري، ويتوقع أن يحقق 5 أعضاء فقط هدف إنفاق 3.5% من ناتجهم المحلي في عام 2026، بينما سيبقى إنفاق دول أخرى عند نحو 2%، بل يُتوقع أن تنخفض ميزانيات 3 دول عن هذه العتبة.
وقبل انعقاد القمة، حمل روته رسما بيانيا أطلق عليه اسم "تريليون ترمب"، ليُظهر أن الإنفاق الأوروبي الإضافي منذ عام 2017 يقترب من هذا الرقم. لكن ترمب أراد أكثر من الأرقام على الورق، وطالب الحلفاء برفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي، معتبرا أن ذلك وحده كفيل بتقليل اعتماد أوروبا على القوات الأمريكية.
ويصف دي روش هذا الهدف بأنه "صعب التحقق"، ليس لعجز في الإرادة السياسية فحسب، بل لأن أوروبا "عانت من نقص استثمار دفاعي لأجيال عديدة"، في حين تمتلك مجتمعاتها أنظمة رعاية اجتماعية واسعة يصعب المساس بها سياسيا من دون كلفة انتخابية باهظة.
ويلتقي عبد الواحد مع هذا الرأي حين يصف موقف الناتو من ترمب بأنه "براغماتي ومتكيف"؛ فالحلف يسعى للحفاظ على المصالح الأمريكية دون الانزلاق الكامل وراء رغبات ترمب، في حين يواصل روته لعب دور "الجسر" الذي يمتدح ترمب علنا بينما يدفع الأعضاء بهدوء نحو زيادة إنفاقهم.
ويرى لوكاس أن الأعضاء سيتعاملون مع هذا الملف عبر لعبة مزدوجة: يمتدح روته والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ترمب علنا، فيما تُقدّم دول أخرى نفسها بوصفها "مسؤولة" عبر التلويح بزيادة تمويلها، دون الانصياع الكامل لسقف يعتبره كثيرون بعيد المنال سياسيا واقتصاديا في المدى القريب.
لا خلاف بين المحللين الأربعة على مكانة مضيق هرمز، لكن الخلاف كله يكمن في كيفية التعامل معه، فهناك 20 مليون برميل نفط تعبر المضيق يوميا، وهو ما يفسر توقيع 135 دولة على قرار أممي يدعو إلى إعادة فتح المضيق وإدانة التصرفات الإيرانية فيه، لكن الإجماع على الأهمية يتحول إلى تناقض صارخ حين يتعلق الأمر بالفعل الميداني.
ويشخّص المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية هذا التناقض بأن أوروبا تعتمد على هرمز "اعتمادا وجوديا" في الطاقة والتجارة، لكنها "لا تعتبره مسألة تملك القدرة على حلها بمفردها"، لأن الحرب اندلعت أساسا دون التشاور معها، وهي لا تريد أن تصبح طرفا في تحالف مناهض لإيران.
أما رضا غبيشاوي فيرى أن المشهد يتحرك فعليا على الأرض، ففرنسا وبريطانيا تعملان "بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي" على تشكيل ائتلاف عسكري لإبقاء المضيق مفتوحا، وهو ما يعني عمليا "الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران" التي تعتبر إدارة المضيق شأنا سياديا خالصا وترفض أي تدخل خارجي فيه.
وهذا بالضبط ما تجلى أمس حين أعلن وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو للجزيرة أن بلاده تُحضّر لنشر كاسحات ألغام في هرمز ضمن مهمة تقودها بريطانيا وفرنسا، بالتزامن مع إعلان الجيش الأمريكي شنّ ضربات على أكثر من 80 هدفا إيرانيا ردا على استهداف 3 سفن في المضيق، وإعلان الحرس الثوري الإيراني الرد باستهداف منشآت عسكرية أمريكية في البحرين والكويت.
ويحذّر الباحث في الشأن الإيراني والخليجي كذلك من أن التناقض الأوروبي بين رفض الانخراط في الحرب والإصرار على إبقاء المضيق مفتوحا "يخلق حالة من عدم الاستقرار قد تقود إلى انزلاق غير مقصود نحو المواجهة".
ويتفق أستاذ العلوم السياسية مع هذا التحذير، لكنه يضع شرطا حاسما: لا يمكن إرسال قوات إلى المضيق "قبل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار لا يحمل خطر تجدد الأعمال العدائية"، وهو بالضبط ما لم يتحقق بعد ضربات الأمس.
أما الخبير في الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري فيرجّح أن يكون سقف المساهمة الأوروبية في هذه المرحلة دعما لوجستيا واستخباراتيا، وليس انخراطا عسكريا مباشرا، إذ إن "معظم الدول الأوروبية ترى أن هذه ليست حربها وتفضل الحلول الدبلوماسية".
وفي الوقت الذي يتحرك فيه الأوروبيون بحذر نحو هرمز، توعّدت طهران بالرد على أي انخراط، وجاء على لسان علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني أمس الثلاثاء أن "التحركات الأمريكية ستدفع المنطقة نحو النار"، مؤكدا أن " محور المقاومة لن يبقى صامتا أمام المغامرات ويده على الزناد".
ويأخذ غبيشاوي هذا التهديد على محمل الجد، محذرا من أن إيران قد تستهدف القطع البحرية الأوروبية مباشرة، أو توسع عملياتها ضد القوات الأوروبية في المنطقة عبر أطراف حليفة، بل قد تطال المصالح الاقتصادية الأوروبية الكبرى في الخليج -من الطاقة إلى الطيران والتكنولوجيا- بوصفها "أهدافا مشروعة" إذا شعرت طهران بأن أوروبا تهدد أمنها.
ويربط المحلل الإيراني بين هذا التوسع المحتمل في رقعة المواجهة بسيناريو أعمق: أن يسعى ترمب تدريجيا إلى تقليص الانخراط الأمريكي المباشر في أزمة هرمز مقابل توسيع الدور الأوروبي، بما ينسجم مع تصريحاته بأن واشنطن "ليست بحاجة" إلى المضيق بقدر حاجة أوروبا إليه.
ولا يبتعد اللواء عبد الواحد كثيرا عن هذا التقدير حين يصف ضربات الأمس بأنها "متوقعة وستستمر" لإرهاق القدرات العسكرية الإيرانية، لكنه يلفت إلى أن توقيتها خلال انعقاد القمة نفسها "جعل من ملف هرمز موضوعا حساسا للغاية"، وكأن ترمب أراد تذكير الأوروبيين بأجندته الحقيقية في اللحظة التي كانوا يحاولون فيها إظهار وحدة الحلف.
والسؤال الذي يترتب على ذلك: هل نجح ترمب في جرّ الناتو نحو مواجهة لم يكن يريدها؟
وهنا يجيب غبيشاوي بحذر: "إلى حد بعيد، نعم"، مستندا إلى دعم روته العلني للضربات الأمريكية واستعداد الحلف لإرسال كاسحات الألغام.
لكن عبد الواحد يقرأ الأمر بصورة مختلفة، إذ يراه نجاحا تكتيكيا وليس إستراتيجيا لأن الناتو "رفض منذ البداية التورط في عمليات عسكرية ضد إيران"، وأي مشاركة مقبلة ستبقى مقيدة بدعم لوجستي واستخباراتي بعيد عن ساحة القتال المباشرة.
وبين هذين التقديرين، يبقى المؤكد الوحيد أن الناتو يدخل مرحلة اختبار غير مسبوقة: تهديدات متباينة الأولويات، وتمويل لم يُحسم بعد، ومضيق يتحول كل يوم إلى ساحة أكثر اشتعالا.
وبينما يتوعد ترمب بضربة "كبيرة" الليلة، وتُحذّر طهران من أن كل دعم لواشنطن "هدف مشروع"، يقف الحلف على حافة مشاركة لا يعرف أحد كيف ستبدأ ولا كيف ستنتهي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة