في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رغم مرور أسبوع على الزلزالين المدمرين اللذين ضربا شمال فنزويلا، لا تزال فرق الإنقاذ تنتشل عشرات الجثامين من تحت الأنقاض، وسط مخاوف من أن تكون الحصيلة الرسمية للقتلى أقل بكثير من الواقع في ظل استمرار فقدان عشرات الآلاف.
وفي خضم هذه المأساة، حذر عاملون في القطاع الصحي من خطر تفشي أوبئة مثل الكوليرا في المناطق التي كانت تعاني أساسا من شح في المياه النظيفة، لا سيما بعد أن دمر الزلزالان شبكات المياه والصرف الصحي.
وفي المقابل، تسلط تقارير الضوء على الجهود الإغاثية الشعبية التي يقودها متطوعون في فنزويلا لسد الفراغ الذي خلفته سنوات من "التراجع" المؤسسي.
ووقع مركزا الزلزالين اللذين بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجة في ولاية ياراكوي غرب العاصمة كاراكاس، فيما تقدر الأمم المتحدة أن نحو 7 ملايين شخص تأثروا مباشرة بالهزات الأرضية، التي أعقبتها أكثر من 300 هزة ارتدادية.
ورسم تقرير لصحيفة نيويورك تايمز صورة ميدانية للكارثة المتفاقمة في فنزويلا، ونقل عن جينيفر مورينو كانيزاليس، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في كاراكاس، قولها إن "عدد الضحايا يواصل الارتفاع يوميا، ونتوقع أن يستمر في الصعود".
وارتفعت الحصيلة الرسمية للقتلى إلى 1943 شخصا، لكن هذه الأرقام -كما يضيف التقرير- قد تكون أقل بكثير من الواقع، إذ ما يزال آلاف الفنزويليين في عداد المفقودين مع تضاؤل فرص العثور على ناجين مع مرور كل يوم.
ولا توجد حصيلة رسمية أو موثوقة لعدد المفقودين، إذ تتباين التقديرات بشأن عدد من يعتقد أنهم لا يزالون عالقين تحت الركام، في ظل كميات هائلة من الأنقاض الناتجة عن انهيار مبانٍ سكنية شاهقة ومتلاصقة ونقص المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام.
ووفق موقع غير رسمي يتيح للأهالي الإبلاغ عن المفقودين، لا يزال أكثر من 46 ألف شخص في عداد المفقودين، وهي أرقام لم تتمكن الصحيفة من التحقق منها بشكل مستقل، وقد تشمل أشخاصا انقطع الاتصال بهم بعد انفصالهم عن ذويهم.
وتقول ليندا هورنيسبرغر رئيسة جمعية ريدوغ السويسرية للبحث والإنقاذ، التي أرسلت ثمانية كلاب و88 من طواقم الإنقاذ إلى فنزويلا منذ الجمعة، إن "التواصل صعب لكن ليس إلى الحد الذي يحول دون وقوعه تماما، ولذلك فإننا مضطرون لافتراض أن معظمهم قد لقوا حتفهم".
وحول حصيلة الضحايا، يقول أستاذ الكوارث والصحة في كلية لندن الجامعية إيلان كيلمان -لنيويورك تايمز- إن التقديرات الكاملة لعدد القتلى قد لا تُعرف أبدا.
إلا أنه يرى أن التوقعات الأولية لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بأن تتجاوز الحصيلة النهائية 10 آلاف قتيل، استنادا إلى عوامل مثل قوة الزلزال والكثافة السكانية والبنية التحتية، لا تزال احتمالا قائما.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى وجود نحو 1.2 مليون طن من الأنقاض في المناطق الأكثر تضررا في ولاية لا غوايرا القريبة من العاصمة.
ويؤكد خبراء الاستجابة للكوارث -كما يوضح التقرير- أن الصورة الكاملة لحجم الخسائر لا تتضح عادة إلا بعد عدة أسابيع من وقوع كوارث بهذا الحجم.
ولا تقتصر تداعيات الزلزال على الخسائر البشرية، إذ يمتد أثرها إلى تدمير ما تبقى من البنية التحتية المحدودة للمياه النظيفة في المناطق المتضررة، مما يرفع خطر تلوث المياه وانتشار أمراض مثل الكوليرا وحمى التيفوئيد.
وفي تقرير منفصل لنيويورك تايمز، تقول سوزانا أرويو المتحدثة باسم الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في كاراكاس إن "شبكة توزيع المياه انهارت نتيجة الزلزال"، مضيفة أن "شبكة الصرف الصحي دُمرت، كما أن الوصول إلى دورات المياه محدود، وفي بعض المناطق منعدم تماما".
كما يوضح كارلوس آرياس فيسنتي المسؤول عن العمليات الطبية في أمريكا الجنوبية لدى منظمة أطباء بلا حدود غير الربحية أن فرق المنظمة لم ترصد حتى الآن أي توزيع منظم للمياه أو وسائل آمنة للتخلص من النفايات في المناطق المتضررة.
وحذّر فيسنتي من أنه من دون إجراءات سلامة مناسبة، قد تتحول مخيمات النزوح ومراكز الإغاثة إلى بؤر لانتشار أمراض مثل الملاريا والدفتيريا والكوليرا، وهي أمراض رصدها خلال استجابات ميدانية سابقة لزلازل ضربت سوريا وهايتي.
وفي هذا الصدد، يشدد العاملون في المجال الإغاثي على ضرورة الإسراع في إنشاء أماكن آمنة تتيح للمتضررين الاستحمام وإعداد الطعام والتخلص من النفايات بشكل صحي ومنظم، وفق التقرير.
وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تكشف صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية عن جانب أكثر تفاؤلا من المشهد، إذ تُظهر كيف دفعت الكارثة فئات واسعة من المجتمع إلى تحرك ذاتي سريع، في بلد اعتاد خلال سنوات طويلة الاعتماد على الجيران بدلا من الدولة في مواجهة الأزمات.
فكل نصف ساعة تقريبا، تنطلق قوافل من الدراجات النارية من منتزه بارك ديل إستي في كاراكاس الذي تحول إلى مركز إغاثة لفرز التبرعات، متجهة إلى ولاية لا غوايرا المنكوبة، بمشاركة مئات السائقين في هذه الجهود، وذلك ضمن شبكة واسعة من المبادرات المجتمعية التي انتشرت في أنحاء البلاد.
وتوضح الصحيفة أن هذه الاستجابة تحولت إلى تعبئة مدنية شاملة، يشارك فيها مهندسون لفحص المباني المتصدعة، واختصاصيون يقدمون استشارات نفسية مجانية، ونساء يخطن ملابس من بقايا الأقمشة، ومتطوعون يستخدمون الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج مستلزمات طبية عاجلة مثل الجبائر.
ويعتبر الباحث في منظمة "بروفيا" الحقوقية الفنزويلية أوسكار موريلو أن هذه المبادرات هي "استجابة مجتمع تعلم كيف يعيش من دون الدولة"، مشيرا إلى أن هذا التضامن تشكل خلال سنوات من النقص الحاد، وانقطاع الكهرباء، والهجرة الجماعية، وتراجع المؤسسات.
وامتدت هذه التعبئة المجتمعية -كما يوضح التقرير- إلى خارج البلاد، ففي جنوب فلوريدا، حيث توجد أكبر جالية فنزويلية في الولايات المتحدة، نظّم المغتربون حملات تبرع واسعة في عدد من المطاعم والمراكز المجتمعية خلال الأيام الأخيرة.
ويشير خبراء إلى أن الزخم الأولي الذي يتبع الكوارث عادة ما يتراجع مع مرور الوقت، غير أن موريلو يرى أن المجتمع المدني في فنزويلا يمتلك قدرة لافتة على التنظيم الذاتي، نتيجة سنوات من التكيف مع الأزمات في ظل محدودية الدعم المؤسسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة