لم يُغلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ملف محاكمته حين نزل عن منصة الشهود، لكنه أغلق أخطر فصولها الشخصية، إذ اختتم إفادته في ملفات الفساد، بعد عام ونصف من الشهادة و98 جلسة، واصفا ما مر به بأنه "10 سنوات من الجحيم"، ومتهما منظومة إنفاذ القانون بأنها لم تستهدفه وحده بل استهدفت حق الجمهور في اختياره قائدا، حسب قوله.
هذه العبارة ليست مجرد انفعال ختامي، ولكنها تلخص خط الدفاع السياسي الذي رافق نتنياهو منذ تقديم لائحة الاتهام عبر تحويل المحاكمة من سؤال جنائي عن الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة إلى معركة حول شرعية الدولة العميقة، كالشرطة والنيابة والمستشارين القانونيين للحكومة.
ولكن قانونيا، لا يعني انتهاء شهادة نتنياهو نهاية المحاكمة، بل انتقالها إلى مرحلة جديدة: شهود الدفاع، ثم الملخصات، ثم الحكم.
بحسب مراسل الشؤون القضائية في يديعوت أحرونوت نيتعئيل بندل، انتهت شهادة نتنياهو في القاعة المحصنة بمحكمة تل أبيب المركزية بعد 98 جلسة، كثير منها اختُصر أو أُلغي بناء على طلبات مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي وجدول رئيس الحكومة.
وقد أعلنت رئيسة هيئة القضاة، القاضية ريفكا فريدمان فيلدمان انتهاء جلسات تل أبيب، تمهيدا لعودة المحاكمة إلى المحكمة المركزية في القدس.
الأيام الأخيرة من شهادة نتنياهو خُصصت لـ"إعادة الاستجواب"، أي الأسئلة التوضيحية التي يطرحها الدفاع بعد انتهاء التحقيق المضاد، غير أن القضاة رفضوا عددا من الأسئلة، لأن هذه المرحلة ليست تحقيقا جديدا، بل هي استكمال محدود لما أُثير في الاستجواب المضاد.
الخطوة التالية هي استكمال "قضية الدفاع"، ووفق تغطية مراسلة الشؤون القانونية في القناة 12 ياعيل يافه، فإن الدفاع يعتزم استدعاء نحو 100 شاهد، بينهم شخصيات من منظومة إنفاذ القانون السابقة، في محاولة لإسناد ادعاء نتنياهو بأن الملفات "فُصّلت" سياسيا وقانونيا ضده.
ومع انتهاء شهادة نتنياهو، أعلن القضاة تسريع الجدول الزمني على نحو غير مألوف، إذ ستُعقد الجلسات بعد عطلة الأعياد من الأحد إلى الخميس، من التاسعة صباحا حتى الرابعة عصرا، والهدف المعلن هو إنهاء مرحلة الأدلة خلال نحو عام، والوصول إلى حكم قبل مارس/آذار 2028، موعد تقاعد فريدمان فيلدمان، رئيسة الهيئة القضائية في الملف.
وهذه نقطة إجرائية حساسة، فالمحاكمة لا تدار أمام قاض واحد، بل أمام هيئة ثلاثية تضم القاضية ريفكا فريدمان فيلدمان وموشيه بار عام وعوديد شاحم، وإذا تقاعدت رئيسة الهيئة ريفكا فريدمان فيلدمان قبل الحكم، سيمنح القانون القاضي المتقاعد فترة محدودة لإنهاء الأحكام العالقة.
وهناك خيار تعيينها "قاضية مشاركة"، لكنه يحتاج إلى موافقة رئيس المحكمة العليا ووزير القضاء، وقد يصبح سياسيا في ظل صراع وزير القضاء ياريف ليفين مع السلطة القضائية، أما إدخال قاض جديد في نهاية الأدلة فإجراء شديد الإشكالية، لأنه لم يسمع الشهود ولم يكوّن انطباعا مباشرا عنهم.
وللتنبيه فإن الإطار الدستوري الذي يحكم وضع نتنياهو ليس مشروع قانون، بل قانونا نافذا، وهو "قانون أساس الحكومة" بصيغته المحدّثة في الكنيست حتى 13 مايو/أيار 2025، وهو ينص على أن التحقيق الجنائي مع رئيس الحكومة لا يفتح إلا بموافقة المستشار القانوني للحكومة، وأن لائحة الاتهام ضد رئيس الحكومة تُقدم إلى المحكمة المركزية في القدس أمام هيئة من ثلاثة قضاة.
كما ينص القانون على أن المحكمة، إذا أدانت رئيس الحكومة، تحدد في الحكم ما إذا كانت الجريمة تحمل "عارا أخلاقيا"، وعندها يستطيع الكنيست بأغلبية أعضائه عزل رئيس الحكومة، وإذا لم يعزله الكنيست وأصبح الحكم نهائيا، تنتهي ولايته تلقائيا وتعد الحكومة كأنها استقالت.
لذلك، لا تكفي الإدانة وحدها لإسقاط نتنياهو فوريا، فالمسار يتوقف على ثلاثة مفاتيح وهي نوع الإدانة، وهل يوجد "عار أخلاقي"، وهل الحكم أولي أم نهائي بعد الاستئناف.
تضع لائحة الاتهام المعدلة نتنياهو أمام ثلاث قضايا، ففي ملف 4000 الأخطر قانونيا، تتهمه النيابة بتلقي الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وتقول إن العلاقة بينه وبين شاؤول ألوفيتش، مالك شركة "بيزيك" وموقع "واللا"، قامت على منطق "خذ وهات" بتقديم تغطية إعلامية منحازة لنتنياهو وعائلته في "واللا" مقابل قرارات تنظيمية أفادت مصالح ألوفيتش وشركاته بمبالغ ضخمة.
في ملف 2000، تتهم النيابة نتنياهو بالاحتيال وخيانة الأمانة على خلفية محادثات مع أرنون "نوني" موزيس، ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وجوهر الملف أن موزيس وفق لائحة الاتهام، عرض تغييرا إيجابيا في تغطية نتنياهو مقابل خطوات تحدّ من قوة صحيفة " إسرائيل هيوم" المنافسة، وتتهم النيابة موزيس بعرض رشوة، بينما تتهم نتنياهو بأنه لم يرفض العرض، بل واصل حوارا سياسيا إعلاميا حوله.
أما ملف 1000، فيدور حول الهدايا، وتقول لائحة الاتهام إن نتنياهو وزوجته تلقيا من أرنون ميلتشين وجيمس باكر منافع متكررة، خصوصا السيجار والشمبانيا، بقيمة إجمالية قُدرت بنحو 690 ألف شيكل، وإن نتنياهو عمل، بصفته الرسمية، لصالح ميلتشين في قضايا تتعلق بالتأشيرة الأمريكية، وتمديد إعفاء ضريبي، وملف اندماج شركتي الإنتاج الإعلامي "ريشت كيشيت".
وليست العقوبة المحتملة تقديرا إعلاميا، بل هي محددة في قانون العقوبات الإسرائيلي، فلائحة الاتهام في ملف 4000 تهمة "تلقي رشوة" بموجب المادة 290 من قانون العقوبات، وتهم "الاحتيال وخيانة الأمانة" بموجب المادة 284 في الملفات الثلاثة.
وتنص المادة 290 على أن "الموظف العام الذي يأخذ رشوة مقابل عمل مرتبط بوظيفته، عقوبته السجن 10 سنوات أو غرامة"، أما المادة 284 فتنص على أن الموظف العام الذي يرتكب أثناء أداء وظيفته، عملا من أعمال الاحتيال أو خيانة الأمانة يمس الجمهور، فعقوبته السجن 3 سنوات.
وتشير لائحة الاتهام نفسها إلى أن النيابة أبلغت المحكمة، وفقا لقانون الإجراءات الجنائية، أنها قد تطلب فرض عقوبة سجن فعلي على المتهمين إذا أُدينوا، كما تضم لائحة شهود النيابة 336 شاهدا، بينهم مسؤولون سابقون ورجال أعمال وصحفيون وشهود دولة.
في ملف 4000، تعتمد النيابة على رسائل واتصالات داخلية وشهادة إيلان يشوع، المدير السابق لموقع "واللا"، وعلى شهادات نير حيفتس وشلومو فيلبر، إضافة إلى ربط طلبات التغطية بقرارات تنظيمية في وزارة الإعلام.
وفي ملف 2000، مركز الثقل هو التسجيلات الصوتية لمحادثات نتنياهو وموزيس، التي عُثر عليها في سياق التحقيق مع آري هارو، مدير مكتب نتنياهو السابق، وفي ملف 1000، تعتمد النيابة على شهادات هداس كلاين، مساعدة ميلتشين وباكر، وسجلات الشراء والنقل، وشهادات تربط الهدايا بتدخلات رسمية.
إلى جانب مسار المحكمة، يوجد مسار سياسي قانوني مواز، وهو العفو أو صفقة الإقرار بالذنب، غير أن صلاحية العفو بيد رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ بموجب "قانون أساس: رئيس الدولة"، الذي يمنح صلاحية العفو عن "المجرمين" وتخفيف العقوبات، وفق تقرير تال ألموداي في يديعوت أحرونوت.
لكن طلب نتنياهو للعفو قبل الإدانة أثار إشكالية قانونية -حسب ما نقله براك رافيد في القناة 12- لأن دائرة العفو في وزارة القضاء رأت أنه لا يستوفي شروط العفو المعتادة لعدم وجود إدانة ولا اعتراف ولا إبداء ندم، لذلك حاول هرتسوغ دفع الأطراف نحو مسار بديل، وهو محادثات حول صفقة إقرار بالذنب قبل بحث العفو نفسه.
ودخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هذا الخط بضغط علني غير مسبوق، مطالبا هرتسوغ بمنح نتنياهو عفوا، معتبرا أن محاكمته ملاحقة سياسية، لكن ديوان الرئيس الإسرائيلي رد بأن إسرائيل دولة قانون مستقلة، وأن أي طلب عفو سيدرس وفق القانون ومن دون ضغوط خارجية أو داخلية.
الإجابة الأدق أن الإدانة لا "تتأخر"، لأنها لم تنضج إجرائيا بعد، الملف الاتهامي مكتمل منذ تقديمه، لكن المحاكمة لم تستكمل كل مراحلها، التأخير يعود إلى ضخامة المواد وكثرة الشهود وتعقيد الملفات وطلبات التأجيل والتقصير، والظروف الأمنية والسياسية التي رافقت عمل نتنياهو رئيسا للحكومة خلال الحرب.
ومع أن منصب نتنياهو السياسي لا يمنحه حصانة من المحاكمة، فإنه يؤثر عمليا في الجدول بسبب الأمن ومواعيد الجلسات، ولذلك، فالسؤال ليس لماذا لا يُدان؟ بل متى تنتهي مرحلة الدفاع والملخصات حتى تصبح المحكمة أمام لحظة الحسم؟
وخلاصة المشهد أن نتنياهو خرج من منصة الشهود، لكنه لم يخرج من المحكمة، و ستختبر المرحلة المقبلة قدرة الدفاع على تحويل اتهام "الرشوة وتبادل المنافع" إلى رواية "ملاحقة سياسية"، كما ستختبر قدرة القضاة على إنهاء واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في تاريخ إسرائيل قبل أن يتحول تقاعد رئيسة الهيئة إلى أزمة إجرائية جديدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة