في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- بعد رحلة طويلة من المتابعة الطبية المركزة امتدت 9 سنوات، تحقق الحمل الذي طالما انتظرته السيدة سحر خضر، لتبدأ مرحلة جديدة من الاهتمام بجنينها الأول.
وما إن مضى شهران فقط على فرحة سحر وزوجها بحملها، حتى تعرضت لانتكاسة طبية أدت لإجهاضها، رغم حرصها على الالتزام بجميع النصائح الطبية والغذائية للحفاظ على جنينها سليما.
وتعد سحر (30 عاما) واحدة من بين 921 امرأة حامل في قطاع غزة أجهضن أجنتهن خلال أبريل/نيسان الماضي، حسب الإحصائية الخاصة التي حصلت عليها الجزيرة نت من وزارة الصحة في غزة. ويعزو الأطباء أسباب ارتفاع عدد حالات الإجهاض وتشوه الأجنة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع التي سجلت قتلا مباشرا للأجنة أو وفّرت عوامل موتها.
ووثّق تقرير خاص لوزارة الصحة في غزة 460 حالة إجهاض لكل 1000 مولود في أبريل/نيسان الماضي، بينما كان يبلغ المعدل قبل الحرب 140 حالة لكل 1000 مولود حي.
وحمل التقرير الذي حصلت الجزيرة نت على نسخة منه عنوان حالات الإجهاض في زمن الحرب والتداعيات الكارثية. ويُوثّق التقرير الانهيار الوبائي والديموغرافي في قطاع غزة في الفترة بين (يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026) والذي يؤكد تدهورا حادا في قدرة البيئة الرحمية على دعم حياة الجنين.
وبحسب التقرير الصحي، فإن 57% هو متوسط معدل فقر الدم (الأنيميا) بين النساء الحوامل في غزة، والذي يبلغ ضعف المعدل العالمي، محذرا من أن فقر الدم يجسد انهيار الأمن الغذائي، حيث تستنزف الأمهات بيولوجياً قبل أن يفقدن أجنتهن.
كما يسجل التقرير تراجعا في عدد مواليد قطاع غزة، فبينما بلغ عددهم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 6076 مولودا، انخفضوا في أبريل/نيسان 2026 إلى 2004 مواليد بنسبة تراجع 67%. مشيرا إلى حالة الاستنزاف الجنيني، حيث لم يعد النظام قادراً على تعويض الخسائر البشرية، وبات الإجهاض المستنزف الرئيسي للنمو السكاني.
ورصد التقرير 385 حالة تشوه خلقي لدى الأجنة، عازيا ذلك الارتفاع إلى الحرب، و التجويع الذي تعرّض له القطاع، والنزوح في الخيام، ومصادر المياه الملوثة.
وذكر أن زيادة متوقعة بنسبة 70.7% في حالات الإجهاض خلال 2026، محذرا من أن يكسر يونيو/حزيران الجاري حاجز الـ 500 حالة إجهاض لكل 1000 مولود، فيما ستواجه نحو نصف حالات الحمل في غزة مضاعفات، مما يعمق أزمة التراجع السكاني غير القابل للاستدراك.
ويحتفظ استشاري أمراض النساء والولادة، الدكتور سهيل أبو مصطفى، بتفاصيل قاسية عاشها طوال مناوبته في مستشفيات مدينة غزة على مدار عامين من الحرب، ولا يزال يستذكر مشهد سيدة حامل في شهرها السادس أُصيبت بشظية اخترقت جدار البطن والرحم، ما أدى إلى وفاة الجنين وحدوث نزيف داخلي حاد هدد حياتها، لكنه تمكن من إجراء تدخل جراحي عاجل لإنقاذ حياة الأم، رغم نقص الدم والأدوية وصعوبة الظروف الطبية.
ويروي أبو مصطفى في حديث للجزيرة نت قصة سيدة أخرى حملت قبل الحرب بتوأم بعد رحلة علاج طويلة استمرت نحو 15 عاماً، وخضعت خلالها لعملية إخصاب بمساعدة طبية، وبعد وصولها إلى الشهر الرابع من الحمل، اضطرت للنزوح إلى جنوب غزة لاستكمال المتابعة الطبية بعد تدمير قوات الاحتلال لمستشفيات شمال القطاع.
وأثناء توجه السيدة إلى جنوب القطاع، تعرضت -وفق الطبيب أبو مصطفى- لإطلاق نار أدى إلى إصابتها بنزيف تسبب في فقدان التوأم، بعدما وصلت إلى المستشفى في حالة حرجة.
وتستذكر القابلة القانونية، رجاء ياسين، التي كانت على رأس عملها طيلة أيام الحرب، إحدى الحالات التي أشرفت عليها خلال الحرب. يتعلق الأمر بسيدة كانت محاصرة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة قرابة شهر كامل، واضطرت خلال تلك الفترة إلى شرب مياه غير صالحة للاستهلاك البشري بسبب انعدام مصادر المياه، وولدت بعد ذلك طفلة خداجا بوزن يقارب 600 غرام فقط، في واحدة من أصعب الحالات التي مرت عليها.
وقالت للجزيرة نت: "رغم صعوبة الحالة وضعف الإمكانات المتاحة آنذاك، جرى تقديم الرعاية اللازمة للطفلة بوسائل بدائية، وتمكنت من البقاء على قيد الحياة، وهو ما اعتبرناه أمرا استثنائيا في ظل الظروف التي كانت تمر بها المنظومة الصحية".
وشهدت رجاء خلال الحرب -وفق تأكيدها- العديد من حالات الإجهاض والولادات المبكرة والتشوهات الخلقية، مشيرة إلى أن بعض النساء تعرضن للقصف أو عشن لحظات خوف شديدة خلال الحمل، ما انعكس على صحة الأجنة وأدى في بعض الحالات إلى فقدان الحمل أو ولادة أطفال يعانون من مشكلات صحية وتشوهات مختلفة.
وتبدأ الرعاية الصحية للحوامل قبل حدوث الحمل، وفق استشاري أمراض النساء والولادة الدكتور سهيل أبو مصطفى، إذ تحتاج المرأة إلى نظام غذائي متوازن ومكملات غذائية أساسية، أبرزها حمض الفوليك، الذي يساهم في الوقاية من كثير من التشوهات الخلقية.
وقال إن الحرب والظروف المعيشية القاسية في قطاع غزة حرمت النساء من أبسط مقومات الرعاية الصحية والتغذية السليمة، خاصة خلال فترات المجاعة ونقص الغذاء، ما أدى إلى فقدان أجسامهن عناصر غذائية وفيتامينات ضرورية لنمو الأجنة بشكل طبيعي.
وأوضح أن الجنين يعتمد خلال الحمل على مخزون الأم من العناصر الغذائية، وعندما تعاني الحامل من نقص في الفيتامينات أو المعادن الأساسية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على عملية تكوين أعضاء الجنين المختلفة، بما في ذلك القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي والجهاز البولي، ما قد يؤدي إلى توقف نمو بعض الأعضاء أو حدوث تشوهات خلقية.
وأشار الطبيب أبو مصطفى إلى أن الظروف القاسية التي تعيشها النساء الحوامل، من إرهاق جسدي وسوء تغذية وخوف مستمر وتعرض إلى غازات وانبعاثات سامة بسبب القصف، إضافة إلى عدم القدرة على النوم في بيئة آمنة ومريحة داخل الخيام، ترفع بشكل كبير من مخاطر الإجهاض ومضاعفات الحمل.
وأضاف "الحوامل يعشن وسط بيئة غير صحية، في ظل انتشار الحشرات والقوارض وتراكم النفايات، ما يزيد احتمالية الإصابة بالأمراض والالتهابات المختلفة، والتي قد تتسبب في وفاة الجنين داخل الرحم أو حدوث مضاعفات خطيرة للحمل".
وبين استشاري الولادة أبو مصطفى أن الأشهر الـ3 الأولى من الحمل تعد الأكثر حساسية، حيث ترتفع خلالها احتمالات الإجهاض نتيجة الضغوط النفسية وسوء التغذية والظروف المعيشية الصعبة، بينما تشهد الأشهر الوسطى حالات فقدان للحمل مرتبطة بالخوف الشديد والتعرض المباشر للقصف أو استنشاق الدخان والغازات الناتجة عن الانفجارات.
وأكد أن الحوامل يصلن أحيانا إلى المستشفيات وهن يعانين من نزيف حاد أو إثر توقف نبض الجنين داخل الرحم، فيما تزداد المخاطر خلال أشهر الحمل الأخيرة، إذ قد يؤدي النزيف الحاد إلى تهديد حياة الأم والجنين معا.
كما لفت أبو مصطفى إلى أن تراكم عوامل الخطر، مثل النزوح المتكرر وسوء التغذية والإجهاد النفسي والجسدي، يؤدي في أحيان كثيرة إلى الولادة المبكرة، خاصة في الشهر الـ7 من الحمل، وهي حالات تحتاج إلى رعاية طبية متخصصة وحضانات متطورة لإنقاذ الأطفال الخدج.
وأضاف أن القطاع الصحي يفتقر حاليا إلى كثير من التجهيزات والمستلزمات اللازمة لرعاية الأطفال الخدج، ما يحد من فرص بقائهم على قيد الحياة في بعض الحالات.
وشدد الطبيب أبو مصطفى على أن عدد حالات الإجهاض شهد ارتفاعا كبيرا بعد اندلاع الحرب على غزة، وذلك من خلال ملاحظاته المهنية اليومية، حيث كان يشرف قبل الحرب على عملية إجهاض واحدة أو اثنتين خلال مناوباته طوال أيام الأسبوع، لتصل إلى 10 حالات.
وطالب المؤسسات الدولية والجهات المختصة بإيفاد فرق طبية وبحثية متخصصة لدراسة الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع معدلات الإجهاض والتشوهات الخلقية، والعمل على الحد من آثارها الصحية والإنسانية.
وفي السياق، توضح القابلة رجاء أن التكدس الشديد داخل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، وغياب النظافة العامة، وتلوث المياه، وانتشار الروائح الكريهة والقوارض والحشرات، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على صحة النساء الحوامل وتزيد من المخاطر التي يتعرضن لها خلال الحمل.
كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور ونقص الدعم الغذائي المقدم للحوامل يحولان دون حصول المرأة على احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء الصحي والمكملات الغذائية الضرورية لاستمرار الحمل بصورة سليمة.
وتشير ياسين إلى أن النقص الحاد في وسائل تنظيم الأسرة وموانع الحمل أدى إلى زيادة حالات الحمل غير المخطط له، الأمر الذي يرفع بدوره احتمالية حدوث الإجهاض، خاصة في ظل الظروف القاسية التي تعيشها النساء.
وأكدت المتحدثة ذاتها أن العامل النفسي يشكل أحد أبرز أسباب فقدان الحمل خلال الحرب، موضحة أن الخوف المستمر من القصف والاغتيالات، وحالة الرعب التي تعيشها النساء، تؤثر سلباً على استقرار الحمل وفرص اكتماله بصورة طبيعية، مبينة أن المرأة الحامل أصبحت منشغلة بالتفكير في مكان الولادة وكيفية الحصول على الرعاية الصحية والغذاء والملابس اللازمة للمولود، في وقت تعاني فيه الخدمات الصحية من تراجع كبير.
ونوهت ياسين إلى أن صعوبة الوصول إلى المراكز الصحية بسبب نقص وسائل النقل تشكل عبئاً إضافياً على النساء الحوامل، إذ تضطر كثيرات إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لمتابعة الحمل أو تلقي الرعاية الطبية، ما يزيد من الإرهاق الجسدي ويرفع احتمالية التعرض لمضاعفات قد تصل إلى الإجهاض.
وختمت أن كثيراً من النساء تعرضن لصدمات نفسية قاسية نتيجة فقدان الأزواج أو أحد أفراد الأسرة أثناء الحمل، وهي ظروف تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للحامل وتزيد من احتمالات فقدان الجنين.
من داخل قسم الولادة في مستشفى أصدقاء المريض بغزة (الجزيرة)
أكثر من 920 امرأة أجهضت خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي (الجزيرة)
حرب الإبادة الإسرائيلية أتت على القطاع الصحي في غزة وتسببت في حالات إجهاض كثيرة (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة