آخر الأخبار

بعد توقيع بزشكيان وترمب.. الجزيرة نت تسأل الإيرانيين عن حظوظ نجاح التفاهم

شارك

طهران- بالتوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم بين رئيسيْ إيران و الولايات المتحدة، تطوي طهران -ولو مؤقتا- صفحة الحرب التي شنها الثنائي الأمريكي والإسرائيلي عليها في 28 فبراير/شباط الماضي، لتفتح صفحة جديدة عنوانها "60 يوما" لتطوير الاتفاق وتحويله إلى اتفاق نهائي.

غير أن الشارع الإيراني استقبل الخطوة بمزيج من الأمل الحذر والتشاؤم الموروث من تجارب سابقة.

وبين من يرى في المذكرة "فرصة ذهبية" لإنهاء الحروب وإنعاش الاقتصاد، ومن يعتبرها "مماطلة" تمنح الخصم فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، يبقى السؤال الأكبر: هل ينجح المسار الدبلوماسي هذه المرة حيث فشلت سابقاته، أم أن الأيام الـ60 المقبلة ستكون مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من المواجهة؟.

على وقع هذه التساؤلات وغيرها، قامت الجزيرة نت بجولة ميدانية في عدد من أحياء العاصمة الإيرانية لاستشراف آراء الشارع، الذي سيكون أول المتأثرين بما ستؤول إليه مذكرة التفاهم، وسألت مواطنيه حول التحديات التي تواجهها وحظوظها في التحول إلى اتفاق نهائي.

مصدر الصورة خيمة مقامة في أحد المواقع المستهدفة في الحرب تحمل شعار "الموت لأمريكا وسط طهران" (الجزيرة)

تفاؤل حذر

في بداية شارع آزادي حيث ساحة " الثورة الإسلامية"، يبدو الشاب عرفان، وهو مهندس في الـ37 من عمره، متفائلا بحذر حيال مستقبل مذكرة التفاهم.

ويقول "إيران كانت وما تزال تحت ضغوط متنوعة: دعاية مغرضة، وعقوبات، وحروب عسكرية.. كل هذه الضغوط تهدف لإيجاد فجوة بين الشعب والنظام".

ويعتقد عرفان أن "العدو أصاب في استهداف معيشة الناس، لكنه أخطأ في تقدير عمق التماسك الثقافي والهوية الوطنية".

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى أن جذور الخلاف بين بلاده وأمريكا تعود إلى نظرة الأخيرة للنظام الإيراني، مضيفا أن واشنطن إذا أرادت علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فالتعاون ممكن. أما إذا كان الهدف من وراء التفاهم أو الاتفاق هو مواصلة الضغط والإملاءات، فلن يصمد أي اتفاق.

تشاؤم وغضب

وفي الجانب الآخر من الشارع، تقف فائزة، وهي موظفة في الـ65 من عمرها، بالقرب من ساحة "الحرية"، وتظهر تشددا كبيرا في رفضها لقاء أي مسؤول إيراني بمسؤولين أميركيين، سواء من أجل توقيع اتفاق محتمل أو التقاط صورة.

إعلان

وتقول بنبرة غاضبة "كيف نثق بمن اغتال المرشد السابق آية الله علي خامنئي؟ إدارة ترمب هي من أمرت وساندت وقصفت مكتب المرشد وقتلته.. عن أي سلام يتكلمون؟ ومع من؟ هذا ليس سلاما، هذا استسلام ولا نتمنى له الاستمرار".

وأشارت فائزة إلى أن "التجارب السابقة، من الاتفاق النووي لعام 2015 إلى الانسحاب الأمريكي الأحادي منه بعد ثلاثة أعوام، علمتنا أن واشنطن لا تفي بوعودها".

وشددت على أنها ترى في مذكرة التفاهم الراهنة "مؤامرة" أخرى يريد من خلالها الجانبان الأمريكي والإسرائيلي كسب الوقت، وليس حل الخلافات مع طهران، "ذلك لأن الحكومة الإسرائيلية تعتبر أي اتفاق محتمل تهديدا وجوديا لها".

أما مرضية (38 عاما) وهي صاحبة متجر لبيع الحقائب الجلدية في شارع سبهسالار بالعاصمة طهران، فكانت أكثر واقعية في قراءتها.

ورأت خلال حديثها للجزيرة نت أن "المؤشر الحقيقي لجدية الطرفين ليس التوقيع الإلكتروني، بل سلوكهما في الأيام القادمة". وأن أهم علامة ستكشف ما إذا كانت هذه فرصة حقيقية أم مجرد مناورة انتخابية لترامب، هي تحرير الأموال الإيرانية المجمدة فعليا. "فإذا بدأت المماطلة في الإفراج عن الأموال، فاعلموا أن الأمور ستتعقد أكثر".

وفي حديثها للجزيرة نت، تستشهد مرضية بالمثل الفارسي القائل "ويل من الموت وويل مما بعده"، وتقول "ويل من الحرب وويل مما بعد الحرب.. لقد دخلنا مرحلة جديدة تبدو هادئة ظاهريا، لكنها في باطنها مليئة بالتحديات والضغوط المعقدة. بل ومفتوحة على احتمالات عديدة".

مصدر الصورة بعض الإيرانيين يعتقدون أن المؤشر الحقيقي لجدية الطرفين سلوكهما في الأيام القادمة (الجزيرة)

مؤيدون ومعارضون

وفي ساحة هروي شمال شرقي طهران، نلتقي الحاج بابا زاده (64 عاما) وهو متقاعد من وزارة التربية، وقدّم قراءة متوازنة للقوى الداعمة والمعارضة للاتفاق.

يقول بابا زاده إن "مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان بزشكيان وترامب الليلة الماضية، لها موافقون ومعارضون، وهؤلاء سيتنافسون بقوة خلال الستين يوما القادمة، ومن يغلب منهم سيرسم النتيجة وفقا لمصالحه".

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح بابا زاده أن من أبرز المؤيدين هي دول المنطقة التي تضررت من الحرب، والتيارات السياسية في إيران وأمريكا التي تدرك تداعيات استمرار المواجهة، وكذلك حكماء العالم وقوى الاقتصاد العالمية التي عانت من تبعات الحرب وتريد إنهاء الركود.

وتابع المتحدث نفسه "في المقابل، أبرز المعارضين هي إسرائيل التي تشعر بأن أهدافها لم تتحقق، وستحاول إفشال التفاهم بأي ثمن، وقد تشن حربا لاستدراج ترامب إلى جانبها".

"وهناك أيضا معارضون داخل إيران وأمريكا يربطون مصالحهم باستمرار التوتر، وكذلك بعض القوى العالمية المنافسة التي قد لا ترغب في انتهاء هذا الصراع خشية تحول الأنظار إلى ملفات أخرى كحرب أوكرانيا"، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستكون ساحة صراع محتدم، والنتيجة تتوقف على قوة وإرادة كل من هذه الأطراف.

مصدر الصورة مسيرة راجلة جنوبي طهران تطالب بالثأر لدماء خامنئي قبل سويعات من التوقيع على مذكرة التفاهم (الجزيرة)

فصل جديد

أما فاطيما (29 عاما) وهي طالبة دراسات عليا بجامعة أمير كبير الصناعية وسط طهران، ترى أنه رغم توقيع مذكرة التفاهم لكن الأهم في الأمر أن ملف الخلافات لم يُغلق، بل سينفتح فصل جديد من الصراع الدبلوماسي لانتزاع أكبر قدر من الامتيازات.

إعلان

وأوضحت في حديثها للجزيرة نت، أنه إذا نجحت بلادها في اجتياز فترة الـ60 يوما وتوصلت بالفعل إلى اتفاق نهائي يحسم الخلافات، فسيكون المشهد مختلفا بالنسبة لطهران حيث تعاون أكبر مع العالم، وانفراج اقتصادي وسياسي، مستدركة أنه في حال ضياع هذه الفرصة، "فسنعود إلى المربع الأول، وإلى الأبواب المغلقة التي كلفتنا الكثير".

وهذه الأصوات المتباينة في الشارع الإيراني والتي تعكس حالة من الترقب الحذر تتداخل فيها المشاعر الوطنية مع الحسابات السياسية المعقدة.

ثقة معدومة

في هذا السياق، تحدثت الباحثة السياسية عفيفة عابدي، والتي وضعت بدورها التفاهم الجديد في سياقه التاريخي، وقيّمت فرص تحوله إلى اتفاق نهائي في ضوء معادلات القوة الإقليمية، وتجارب الماضي، والرهانات المفتوحة على مستقبل المنطقة.

ترى عابدي، أن قبول إيران بإنهاء الحرب عبر تفاهم سياسي ليس خروجا عن قواعدها، بل يتماشى مع نمط مستمر في سياستها الخارجية القائمة على مزيج من المسايرة والردع والواقعية، فمنذ أكثر من عقدين أظهرت طهران استعدادها للتفاوض كلما أتيحت فرصة لتخفيف التوتر وتجنب التكاليف الباهظة.

وفي حديثها للجزيرة نت، ترى الباحثة الإيرانية أن التحدي الأكبر في التفاهم الراهن يتمثل في عامل الثقة المعدومة؛ ذلك لأن خروج واشنطن من الاتفاق النووي السابق والهجمات على المنشآت النووية الإيرانية تحت مرأى الوكالة الدولية، رسّخا شكوكا عميقة في النية الأمريكية.

مصدر الصورة عابدي ترى في التوقيع الإلكتروني من قبل بزشكيان رسالة عملية تثبت التزام طهران بمسار الدبلوماسية (الجزيرة)

لذا، ورغم دخول إيران في التفاهم، تقول الباحثة إن التردد في تنفيذ الالتزامات الأمريكية ما يزال قائما، ناهيك عن أن تل أبيب لن تتوقف عن محاولة تقويض أي تفاهم، وهنا يكمن دور واشنطن وقدرتها على كبح جماح حليفها.

وتابعت أن "بديل المسار السياسي هو الحرب، لكن استمرار المواجهات يكلّف إيران والمنطقة ثمنا باهظا، وهذا ما يدفع طهران لاختبار الدبلوماسية مرة أخرى، مع إبقاء يدها على الزناد وفقا لتجاربها السابقة. فالدبلوماسية والردع في الرؤية الإيرانية ليسا متعارضين، بل مكملان".

وختمت عابدي قائلة إن التوقيع الإلكتروني للتفاهم من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقبول توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هو بحد ذاته رسالة عملية تثبت التزام طهران بمسار الدبلوماسية.

لكنها ترى أن النجاح النهائي مرهون بسلوك الطرفين، وليس بنصوص الاتفاق، مؤكدة أنه إذا غلب منطق التكلفة والفائدة على الحسابات الأخرى، فسيكون الطريق نحو آليات مستقرة لإدارة الخلافات هو الخيار الأكثر عقلانية للجميع.

في الختام، يبدو أن الشارع الإيراني منقسما بين من يراهن على مهلة الستين يوما القادمة كفرصة لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة، وبين من يرى فيها مجرد استراحة محارب سرعان ما تعقبها مواجهة جديدة.

لكن كلا الشريحتين تكاد تجمعان على أن المذكرة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة اختبار حقيقية لإرادة الطرفين، والأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم: هل ستتحول هذه المذكرة إلى اتفاق دائم ينهي عقودا من العداء، أم أنها ستكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الفرص الضائعة؟.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا