لم يعد السؤال مقتصرا على مضمون مذكرة التفاهم التي تنهي الحرب بين واشنطن وطهران، بل امتد إلى مكان توقيعها الرسمي: لماذا جنيف تحديدا، لا إسلام آباد التي ارتبط اسمها بمسار المفاوضات، ولا أي عاصمة أخرى؟
ففي طهران، أعلنت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي أن نص مذكرة التفاهم الخاصة بمفاوضات إنهاء الحرب -المعروفة بـ"مفاوضات إسلام آباد"- جرى إنجازه مساء 14 يونيو/حزيران الجاري، وأن توقيعها الرسمي سيتم يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران.
وأكدت أمانة المجلس أن الحرب والعمليات العسكرية في مختلف الجبهات -ومن بينها لبنان- ستنتهي بصورة فورية ودائمة، إضافة إلى إنهاء الحصار البحري على إيران فورا وبشكل كامل، على أن تُحال مفاوضات الاتفاق النهائي إلى مرحلة لاحقة بعد تنفيذ التزامات الطرف المقابل.
وفي إسلام آباد، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن مراسم التوقيع الرسمي ستجري يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران في سويسرا، موجها الشكر إلى الولايات المتحدة وإيران على التوصل إلى هذه المرحلة، في حين نشر البيت الأبيض تصريحا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال فيه إن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية "اكتمل"، مهنئا جميع الأطراف.
وعلى المستوى الإيراني الداخلي، سعى المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إلى تبديد التساؤلات بشأن آلية اتخاذ القرار، مؤكدا أن "جميع أركان النظام" عملت بصورة منسقة وموحدة، وأن مسار القرار كان واضحا وشفافا، في إشارة إلى محاولة رسمية لإظهار أن التفاهم لم يكن قرارا دبلوماسيا منفردا، بل حصيلة توافق مؤسساتي داخل الدولة.
وبينما تحمل المذكرة اسم إسلام آباد وفق التعبير الإيراني الرسمي، تتجه الأنظار إلى جنيف كموقع للتوقيع. وهذا الانتقال من عاصمة الوساطة إلى المدينة السويسرية المحايدة لا يبدو تفصيلا بروتوكوليا، بل جزءا من هندسة سياسية ودبلوماسية أوسع، تسعى إلى إعطاء التفاهم وزنا دوليا، وتقليل هامش التراجع عنه لاحقا، وتجنب حساسيات إقليمية قد يثيرها اختيار عاصمة من المنطقة.
وتقول مصادر وخبراء تحدثوا للجزيرة نت إن جنيف لم تُختر لمزية واحدة، بل لتقاطع عدة اعتبارات: رغبة طهران في منح المذكرة ثقلا دوليا أكبر، وسعيها إلى الاستفادة من وجود مؤسسات وقوى دولية بوصفها شاهدة سياسيا على المسار، ورغبة واشنطن في تجنب الظهور داخل إطار إقليمي قد يُقرأ لمصلحة طرف دون آخر، فضلا عن اعتبارات أمنية ولوجستية مرتبطة بقرب سويسرا من فرنسا، حيث تُعقد قمة مجموعة السبع في إيفيان.
يرى أستاذ التاريخ الإيراني مهدي شكيبائي أن مكان توقيع الاتفاقات في الدبلوماسية لا يقل رمزية أحيانا عن مضمونها، لأن اختيار المدينة يصبح جزءا من الرسالة السياسية نفسها.
ويقول شكيبائي -في حديث للجزيرة نت- إن جنيف تُقرأ في الوعي الدبلوماسي بوصفها "عاصمة الحياد"، لوقوعها في سويسرا التي ارتبط اسمها لعقود بسياسة الحياد والوساطة في النزاعات الدولية.
وبحسب شكيبائي، فإن توقيع مذكرة تفاهم بين خصمين مثل الولايات المتحدة وإيران في جنيف يبعث برسالة مفادها أن الوثيقة لا تُبرم في أرض أحد الطرفين، ولا في عاصمة محسوبة على حلفائهما، بل في فضاء محايد ذي طابع دولي. ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن جنيف تضم مقرا رئيسيا للأمم المتحدة، وتستضيف عشرات المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية والمنظمات غير الحكومية.
ويرى أستاذ التاريخ الإيراني أن جنيف ليست مدينة أوروبية عادية بالنسبة لطهران، بل جزءا من الذاكرة الدبلوماسية للملف النووي الإيراني. فقد ارتبط اسمها بمحطات تفاوضية مهمة، أبرزها "خطة العمل المشتركة" المؤقتة التي أُقرت في جنيف يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، قبل أن يمهد ذلك لاحقا للاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" عام 2015.
ومن هنا، يقرأ شكيبائي اختيار جنيف باعتباره محاولة لنقل الملف من منطق الحرب والضغط العسكري إلى منطق التفاوض حول القضايا الإستراتيجية. أما اختيارها بدلا من إسلام آباد فيراه مرتبطا أيضا بحسابات أمريكية؛ إذ لو جرى التوقيع في العاصمة الباكستانية لظهرت باكستان بوصفها اللاعب الذي أنهى التصعيد وفتح الطريق أمام التفاهم. أما جنيف فتُبقي الدور الباكستاني في إطار الوساطة، لكنها تمنح المذكرة طابعا دوليا أوسع.
من جهته، يقدم أستاذ العلاقات الدولية والمتخصص في الملف النووي الإيراني هادي محمدي قراءة تركز على البعدين العملي والسياسي معا. فهو يعتقد أن فكرة جنيف لم تكن -في الأصل- اقتراحا إيرانيا مباشرا، بل جاءت عبر الوسطاء الباكستانيين، مرجحا أن يكون ذلك بطلب أو رغبة أمريكية.
ويقول محمدي -للجزيرة نت- إن أحد أسباب الاختيار يتعلق بالمسافة والترتيبات الأمنية، إذ تبدو جنيف نقطة أكثر ملاءمة بين إيران والولايات المتحدة مقارنة بإسلام آباد، كما أن حضور مسؤول أمريكي رفيع يفرض متطلبات حماية معقدة. ويضيف أن عدم وضوح موعد التوقيع النهائي، وتداول أكثر من تاريخ محتمل، جعلا اختيار مدينة تمتلك بنية جاهزة لاستقبال الوفود وتأمينها خيارا أكثر واقعية.
لكن محمدي لا يحصر الأمر في الاعتبارات الشكلية. فمن الناحية السياسية، يصف جنيف بأنها "العاصمة الأوروبية للأمم المتحدة" إلى جانب نيويورك وفيينا، وواحدة من المدن المحايدة في العالم، بما يمنح أي تفاهم يوقّع فيها وزنا دوليا ورمزيا أكبر.
ويشير كذلك إلى أن سويسرا تؤدي -منذ 21 مايو/أيار 1980- دور حامية المصالح الأمريكية في إيران، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية المباشرة بين واشنطن وطهران، وهو دور تؤكده وزارة الخارجية السويسرية على موقعها الرسمي.
ويذهب محمدي إلى أن إحدى القراءات المتفائلة لمسار التفاهم تفترض أن العلاقات الإيرانية الأمريكية قد تتجه إن لم يكن إلى التطبيع فعلى الأقل إلى الخروج من حالة العداء المفتوح. وإذا تحقق ذلك، فإن الدور السويسري كقناة خلفية وحامية مصالح قد يتراجع، ولذلك قد تكون برن (العاصمة السويسرية) حريصة على تسجيل حضور في واحدة من أهم محطات الخصومة الطويلة بين الطرفين.
ومع ذلك، يشدد محمدي على أن مكان التوقيع يبقى أقل أهمية من مضمون مذكرة التفاهم نفسها، وأن الأهم سيكون ما سيحدث خلال فترة الستين يوما التالية، حيث يُفترض أن تُبحث ملفات شديدة التعقيد، وسط وجود خصوم لهذا المسار داخل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
من الجانب الأمريكي، يذهب المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية ديفيد دي روش إلى أن أسباب اختيار جنيف لم تُكشف رسميا حتى الآن، لكنه يرجح أن يكون انعقاد قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية القريبة عاملا مرجحا. ويقول إن وجود كبار المسؤولين الأمريكيين أصلا في أوروبا يجعل جنيف خيارا عمليا، خصوصا إذا كانت هناك حاجة إلى حضور رفيع المستوى من واشنطن.
ويرى دي روش أن استبعاد إسلام آباد لا يعني تجاهل باكستان، بل يعكس حسابات الجغرافيا والأمن والبنية اللوجستية. ويقول -استنادا إلى خبرته السابقة في الملف الباكستاني- إن السفر من واشنطن إلى إسلام آباد يستغرق زمنا طويلا، ويصل بالوفد الأمريكي في حالة إنهاك تحدُّ من فاعليته التفاوضية، في حين أن جنيف أقرب وأسهل، خاصة مع وجود الأمريكيين في أوروبا.
كما يشير إلى أن باكستان لا توفر -في تقديره- المرونة الأمنية واللوجستية نفسها المطلوبة لحدث بهذا المستوى، في ظل التهديدات الأمنية والظروف المناخية في الصيف. ويضيف أن اختيار إسلام آباد كان سيمنح إيران أفضلية عملية غير متكافئة، لأن الرحلة من طهران إلى العاصمة الباكستانية قصيرة نسبيا مقارنة برحلة الوفد الأمريكي.
لكن دي روش يرى أيضا أن جنيف تمنح إيران فرصة لتقديم أي تفاهم محتمل بوصفه وثيقة ذات طابع دولي، بالنظر إلى وجود مؤسسات أممية في المدينة. غير أنه يرجح أن ما سيُوقَّع لن يكون معاهدة رسمية ملزمة، بل اتفاقا سياسيا قائما على الالتزام المتبادل.
وفي السياق نفسه، يرى رئيس مؤسسة "الأمريكيون من أجل السلام" بشارة بحبح أن قرب جنيف من فرنسا عامل رئيسي، خصوصا مع وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أوروبا بسبب قمة السبع، واحتمال رغبته في توقيع الاتفاق بنفسه. ويضيف أن اختيار سويسرا لا يقلل من دور باكستان، بل يعود -في تقديره- إلى أسباب لوجستية بالأساس، متوقعا أن تكون باكستان وقطر وربما أطراف عربية أخرى حاضرة في مراسم التوقيع.
ويضيف بحبح عاملا أمنيا أمريكيا آخر يتعلق بعدم تفضيل وجود الرئيس ونائبه خارج الولايات المتحدة في الوقت نفسه. وبحسب تقديره، إذا كان ترمب في أوروبا فمن الأنسب أن يبقى نائبه جيه دي فانس داخل الولايات المتحدة لضمان استمرارية القيادة من منظور الأمن القومي الأمريكي. ومن ثم، فإن قرب جنيف من فرنسا يسهّل حضور الرئيس نفسه، ويقلل الحاجة إلى خروج نائبه من البلاد.
أما أستاذ الدراسات الأمريكية والدولية في معهد كلينتون بكلية دبلن الجامعية البروفيسور سكوت لوكاس فيرى أن اختيار جنيف يستند إلى مزيج من الحياد السياسي، والقدرة الأمنية، والثقل الدبلوماسي. وبحسب رأيه، فإن المدينة السويسرية توفر بيئة لا تُشعر أي طرف بأن المفاوضات تجري في مساحة منحازة إلى خصمه، وهي نقطة أساسية في مفاوضات شديدة الحساسية بين واشنطن وطهران.
ويضيف لوكاس أن سويسرا تملك خبرة متراكمة في تأمين هذا النوع من اللقاءات، وأن جنيف مدينة مألوفة للطرفين بسبب وجود عدد كبير من المؤسسات الدولية فيها، وهو ما يمنح المحادثات غطاء مؤسسيا، ويجعل انعقادها أكثر سهولة من الناحيتين السياسية والإجرائية.
ويتوقف لوكاس عند انتقال الثقل من إسلام آباد إلى جنيف، مذكرا بأن باكستان أدت دور الوسيط في المراحل الأولى من المحادثات، قبل أن تدخل قطر بقوة على خط الوساطة، وربما تصبح -بحسب تقديره- الوسيط الأبرز في الأيام الأخيرة. ومن هنا، فإن نقل المراسم إلى مدينة أوروبية محايدة لا يلغي دور باكستان، بل يضع التفاهم في إطار دولي أوسع.
ويربط مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية مايكل حنا اختيار جنيف بالحياد السويسري، لكنه يرى أن الأهم هو الدور الوظيفي الذي تؤديه برن منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. فقد ملأت سويسرا جزءا من الفراغ الدبلوماسي عبر تمثيل المصالح الأمريكية في طهران، وتحولت بمرور الوقت إلى قناة اتصال دائمة بين البلدين.
ويقول حنا إن جنيف ليست جديدة على الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية، بل كانت إحدى محطاتها المتكررة، سواء في المسار الذي سبق التوصل إلى الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما، أو في محطات أحدث من المحادثات غير المباشرة. ولذلك تبدو المدينة -في تقديره- خيارا منطقيا لأنها تجمع بين الحياد، والدور السويسري كقناة اتصال، والذاكرة التفاوضية المتراكمة.
في قراءة موازية، يرى المحلل السياسي والأكاديمي أسامة أبو رشيد أن اختيار سويسرا يقوم على أربعة عوامل رئيسية. أولها الحياد التاريخي، وهو حياد يوفر إطارا مناسبا لطرفين لا تزال أجواء الحرب مهيمنة على علاقتهما، حتى في ظل التوقيع المرتقب على إعلان مبادئ لإنهاء المواجهة.
ويشدد أبو رشيد على أن ما يجري لا يعني نهاية كاملة للحرب، بل إعلان مبادئ يعقبه مسار تفاوضي يمتد ستين يوما قابلة للتمديد، مما يعني أن احتمالات العودة إلى التصعيد تبقى قائمة إذا تعثرت المفاوضات. ومن هنا، فإن الحياد السويسري لا يكون مجرد رمزية، بل إطارا سياسيا أقل استفزازا للطرفين.
أما العامل الثاني -وفق أبو رشيد- فهو الثقل الرمزي والتاريخي لسويسرا وجنيف، حيث ارتبط اسم المدينة بعدد كبير من الاتفاقيات والمعاهدات والإعلانات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية تشكل القواعد الأساسية التي تحدّ من وحشية الحرب، وتحمي المدنيين والجرحى والأسرى ومن لا يشاركون في القتال.
ويتعلق العامل الثالث بسهولة الوصول، خاصة للجانب الأمريكي الموجود في أوروبا بسبب قمة مجموعة السبع في فرنسا. بينما يرتبط العامل الرابع بالبعد الأمني، إذ تبدو سويسرا بلدا مستقرا وآمنا، بخلاف باكستان التي تواجه -بين حين وآخر- تحديات أمنية قد تدخل في حسابات صانع القرار الأمريكي.
ويؤكد أبو رشيد أن نقل التوقيع إلى سويسرا لا ينتقص من الدور الباكستاني، مرجحا أن يحمل الإعلان اسم "إعلان إسلام آباد" اعترافا بالدور المركزي الذي اضطلعت به باكستان في إنضاج التفاهمات، حتى وإن جرت مراسم التوقيع النهائية في جنيف.
بذلك، لا تحمل جنيف رسالة واحدة، بل مجموعة رسائل متداخلة. بالنسبة إلى طهران، يمكن للمدينة أن تمنح المذكرة ثقلا دوليا أكبر، وتحوّلها من تفاهم سياسي هش إلى وثيقة يصعب على واشنطن التراجع عنها بلا كلفة. كما أن حضور قوى دولية ومؤسسات أممية في محيط جنيف يوفر لطهران نوعا من "الشهود السياسيين" على المسار، حتى وإن لم تكن المذكرة معاهدة دولية بالمعنى القانوني.
وبالنسبة إلى واشنطن، يوفر الخيار السويسري خروجا من حساسية اختيار دولة إقليمية قد تُعتبر أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك. وفي هذا السياق، لا تمنح جنيف إيران أفضلية الجغرافيا كما في إسلام آباد، ولا تضع الولايات المتحدة في موقع المتجاهل للوسطاء، بل تتيح نقل لحظة التوقيع إلى فضاء محايد ذي قبول دولي واسع.
أما بالنسبة إلى الوسطاء، فإن جنيف تسمح بإعادة توزيع الأدوار: باكستان تبقى وسيط البداية، وربما صاحبة الاسم السياسي للتفاهم، قطر وعُمان حاضرتان في الخلفية بوصفهما قنوات اتصال إقليمية، وسويسرا تمنح المشهد ختم الحياد والذاكرة الدبلوماسية.
وفي المحصلة، يبدو أن اختيار جنيف لم يكن قرارا تقنيا فقط، بل جزءا من هندسة سياسية أوسع. وبذلك، قد تكون إسلام آباد المدينة التي ساعدت على فتح الطريق ووقف التصعيد، أما جنيف فهي المدينة التي يُراد لها أن تضفي على التفاهم شرعية دولية ورمزية تاريخية. وبين المدينتين، ينتقل الملف الإيراني الأمريكي من منطق الوساطة الأمنية إلى محاولة بناء مسار دبلوماسي طويل، ستحدد مفاوضات الأيام الستين المقبلة ما إن كان سيصمد أم يعود مجددا إلى حافة الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة