بينما تواصل إيران إغلاق مضيق هرمز، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليلة أمس فجأة التوصل إلى "تسوية عظيمة" قد يفتح على إثرها المضيق ويرفع الحصار.
وأغلقت إيران مجددا مضيق هرمز بعد ضربات أمريكية تعرضت لها ليل الخميس، في حين نفت واشنطن إغلاق المضيق، الذي يقول محللون وأكاديميون للجزيرة نت إنه تحت النفوذ الإيراني على أقل تقدير إن لم يكن مغلقا بالفعل.
رغم إعلان ترمب أن إيران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية، وأن مضيق هرمز سيُفتح بعد توقيع الاتفاق، بدت طهران حذرة وقالت إن الاتفاق ما زال يراجع من قبل المراجع العليا وسيعلن الموقف منه في وقته.
وحالة اللاسلم واللاحرب، تدفعها رغبة كلا الطرفين في رفع سقف المفاوضات إلى الحد الأقصى في الملف النووي خاصة، فطهران تريد تحقيق شروط منها تخفيف العقوبات، ورفع التجميد عن بعض أصولها، ووقف إطلاق النار لمدة لا تقل عن 60 يومًا، في حين تضع واشنطن أولوية البرنامج النووي الإيراني حتى تتمكن من إعلان النصر.
وبنفََس من التفاؤل يرى المحلل السياسي الإيراني محمد غروي، مدير مركز الجيل الجديد للإعلام، في تصريحات للجزيرة نت، أن الأمور تتجه بسرعة نحو الإيجابية والتوافق لكن نتنياهو دائما يكمن في التفاصيل، فضلا عن أن ترمب قد يغير رأيه في اللحظة الأخيرة.
في المقابل، لا يبدو أستاذ السياسة الأمريكية والدولية في معهد كلينتون بكلية دبلن الجامعية سكوت لوكاس، في تصريحات للجزيرة نت، متأكدا إن كان ترمب يقول الحقيقة أم لا.
ويحلل تغير موقف ترمب، في هذه المرحلة، بأن الإدارة الأمريكية محاصرة بين ما كان يهدد بفعله صباح الأربعاء، وهو ما لم يكن يستطيع فعله، أي إرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج، وبين التوصل إلى تسوية بشأن الاتفاق مع إيران.
ويبدو أنه عاد إلى الجانب الآخر، أي التسوية بشأن الاتفاق مع إيران. ويستدرك لوكاس بأن لا أحد يعرف ما إذا كانت المرحلة الأولى من ذلك الاتفاق قد تم الاتفاق عليها، وما يتضمنه ذلك الإطار، فإذا كان قائمًا على أساس المقترح الإيراني، فهو نصر كبير لها، وأسس هذا المقترح أن:
ويصفه بأنه اتفاق أفضل بكثير مما كان مطروحًا على الطاولة قبل يومين من الحرب في 26 فبراير/شباط، لكن الإيرانيين لم يقولوا شيئًا بشأن ذلك، والوسطاء القطريون، رغم أنهم كانوا يعملون بجد شديد مع الإيرانيين ليل الأربعاء على هذا الأمر، لم يخرجوا ليقولوا شيئًا.
أغلقت إيران مجددا مضيق هرمز بعد ضربات أمريكية تعرضت لها ليل الخميس، في حين نفت واشنطن إغلاق المضيق، لكن المحللين يشيرون إلى أن المضيق على أقل الأحوال تحت النفوذ الإيراني إن لم يكن مغلقا بالفعل، في حين لم يعرف الأمريكيون كيف يتصدون للتهديدات الإيرانية وفشل مشروع الحرية لتأمين الملاحة في المضيق.
"الإغلاق الذكي" سواء كان إغلاقا ناريا أو عبر الزوارق أو المسيّرات، هو التسمية لواقع مضيق هرمز حاليا منذ مناوشات ليل الأربعاء بين الأمريكيين والإيرانيين، بمعنى أنه لا يمكن لأي سفينة أن تمر دون علم الحرس الثوري الإيراني، كما يقول غروي.
والواقع يشهد أن لإيران سيطرة ونفوذا على مضيق هرمز، وفي هذه المرحلة، فإن هذه السيطرة غير محددة الأمد، كما يقول لوكاس مشيرا إلى جملة من الأسباب:
وما يحدث حاليا في هرمز هو سلاح إستراتيجي وسيكولوجي، وهو ما تفعله إيران الآن، لذا فإن عبارة إغلاق ناري، إغلاق جزئي هي عبارة في محلها، فهذا الإغلاق هو بمثابة سلاح إستراتيجي ونفسي تعتمد عليه إيران من أجل مواصلة معركة لي الذراع بينها وبين ترمب، كما يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليون الفرنسية بيير لوي ريمون، في تصريحات للجزيرة نت.
كما أن هناك أدوات أخرى يمكن لها تفعيلها في أي وقت تشاء، غير أنه ليست هناك مصلحة لإيران في إغلاق تام ومطلق لمضيق هرمز لأن لديها مصالح إستراتيجية وأيضا اقتصادية تجارية، كما يؤكد ريمون.
ما زال سوق الطاقة العالمي يعاني بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولا شك أن عين الإدارة الأمريكية على هذا السوق والشحن وتأمين حركة الملاحة، رغم تصريحات ترمب بعدم اهتمامه طالما أنه قادر هو على بيع نفطه الأمريكي.
وما تفعله إيران يأتي في سياق الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وليس على سوق الطاقة العالمي، بل إيران تريد أن تضغط على واشنطن لكي ترفع الحصار عن الشعب الإيراني وترفع العقوبات وتتوقف الحرب، فإيران لم تغلق المضيق هكذا من دون أي سبب، بل لأن الولايات المتحدة بدأت هذه الحرب لذلك كان من الضروري أن نجيب على الولايات المتحدة بما يؤلمها وبما يخاف منه الأمريكي، كما يقول غروي.
فأي تصعيد في الضربات الجوية، حتى لو ظل وقف إطلاق النار صامدًا اسميا، ليشمل أهدافًا إيرانية إضافية، وبالتأكيد أي إدخال لقوات برية، سيرفع أسعار الطاقة العالمية بشدة، وسيكون التأثير على الشحن هو زيادة التوترات حول الشحن، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تفاقم القضايا المتعلقة بالسيطرة على مضيق هرمز، وقد يثير مسألة مضيق باب المندب إذا قرر الحوثيون التحرك وتهديد الشحن هناك، كما يرى أستاذ السياسة الأمريكية بمعهد كلينتون.
ويتفق معه ريمون بأن العالم سيواصل تلمس الآثار التي نعانيها منذ شهور، سواء في أسعار الوقود، أو حركة الملاحة وحركة التجارة، ويقول إن هذا يتوقف على ما إذا كانت إيران ستسمح بمرور بعض السفن وهو ما ستفعله بالفعل ولن يكون الإغلاق تاما.
جاء اللجوء إلى ممرات بديلة بعد إغلاق مضيق هرمز، سعيا لتعويض النقص في الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، لكن المحللين يجمعون على أنها لا تحل المشكلة بل بعضها ولا يمكن أن تكون بديلة حال استمرت الأزمة التي لا يمكن أن تحل إلا عبر المفاوضات الجدية لفتح مضيق هرمز، وعلى الأقل لا يمكن قياس فاعليتها إلا على الأمد الطويل.
والممرات البديلة تحل بعضا من المشكلة وهي ممرات مؤقتة إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلة بحيث تعوض النقص في حال استمرت الأزمة، فالممرات البديلة وخطوط الأنابيب البديلة كانت بالفعل تعويضًا جزئيًا عن إغلاق مضيق هرمز، لكنها لا تستطيع تغطية كامل النقص عبر المضيق، فـ20 مليون برميل من النفط يوميًا تمر عبره مثلًا، ويمثل ذلك مشكلة خطيرة، وفق ما يقوله لوكاس وغروي.
ولذلك دفعت السعودية، حسب لوكاس، نحو تسوية تفاوضية مع أنهم كانوا الأكثر حماية حتى الآن بسبب تلك الطرق البديلة، لكنهم يدركون أن ذلك الوضع ليس آمنًا بالضرورة.
في المقابل، يرى ريمون أن الممرات البديلة وخطوط الأنابيب البديلة عبر السعودية والإمارات هي خطوط أساسية، ولكن لا بد من التحضير جيداً من أجل أن تتحول حركة السير عبر هذه الممرات إلى حركة اعتيادية، لأنها ليست كذلك حتى الآن.
لكن ثمة تهديدات لهذه الممرات البديلة:
يجمع المحللون على أن إدارة ترمب تعاني ضغوطا وهي محاصرة بمشاكل الداخل الأمريكي والتضخم والتخبط السياسي إزاء حل الأزمة، فضلا عن الانتخابات النصفية، وهذا ما تراهن عليه طهران لإجبار واشنطن على التراجع عن استمرار الحرب، لكن توظيف هذا التصعيد سياسيا سيكون محدودا من قبل إدارة ترمب، الذي لن يحقق اختراقاً في هذا مع إيران.
والمسألة الأساسية التي تُطرح هي: هل هناك خيط ينظم السياسة الخارجية لترمب؟ فهذا سؤال يطرحه أكثر من خبير، ويبدو أن مجرد المنطق التجاري هو الذي يوظف سياسة ترمب، سواء أكانت داخلية أم خارجية، كما يذهب ريمون.
ويرى لوكاس أن إدارة ترمب متخبطة تمامًا لأنها كانت أمام خيارين لا تريد أيًا منهما:
وهذا هو السبب في تراجعهم عن قبول الاتفاق قبل أسبوعين، لكننا في انتظار الجديد في مضامين الاتفاق المتوقع.
وقريب منه يذهب ريمون الذي يعتقد أن توظيف هذا التصعيد سياسيا سيكون محدودا من قبل إدارة ترمب، الذي لن يحقق اختراقا في هذا مع إيران، وأن التصعيد الأمريكي يطرح رهانات أساسية، وهناك فعلاً تشابك في المسألة الداخلية، خاصة أن الانتخابات النصفية على الأبواب.
فهل يتوجه فعلا إلى الداخل الأمريكي عندما يهدد بل يترجم تهديداته إلى واقع؟ فالاقتصاد ليس ما تركته ولاية ترمب الأولى. وكذلك هناك ارتفاع للتضخم، والوضع المعيشي للمواطن ليس على ما يرام في ولايات عديدة. ولا يستبعد أن يدفع جيه دي فانس نائب الرئيس ترمب في اتجاه فرملة الموضوع، ولكن في نفس الوقت لا نستطيع أن نتوقع مزاج ترمب الذي يتذبذب كما تتذبذب قيمة الأسهم في الأسواق، كما يؤكد ريمون.
أما موقف دول الخليج فبكل تأكيد لم يأخذه ترمب بعين الاعتبار بما يكفي، فقد حذّرته السعودية بعدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران، كما يقول ريمون، في حين يذهب غروي إلى أن دول الخليج تستطيع أن تضغط على الولايات المتحدة لكيلا تذهب إلى مزيد من عسكرة المنطقة التي ستكون ضررا للجميع وليس لدول الخليج وإيران فقط.
وأما عن الموقف الروسي والصيني فيؤكد غروي أنه إلى جانب طهران في الدفاع عن نفسها وعن مصالحها، فروسيا والصين حليفتان تقليديتان لإيران، وفق ريمون.
يطرح تأثير حرب المعلومات والسردية الإعلامية المتضاربة بين أمريكا وإيران على العالم وأسواق الطاقة والمال رهانات جديدة من مجتمعاتنا لم تكن مطروحة قبل حتى خمس أو ست سنوات.
ولا يمكن أن تدار أسواق المال والطاقة بالسرديات المغلوطة التي يمارسها الطرفان وإن كانت الولايات المتحدة الأبرز في هذا المجال وتصريحات ترمب شبه اليومية التي تؤثر في أسواق الطاقة والأسهم حول العالم.
ويرى غروي أن حرب المعلومات والسردية الإعلامية المتضاربة بطبيعة الحال تؤثر سلبا على الأسواق، أسواق الطاقة والمال، وأن الولايات المتحدة ورئيسها تحديدا منذ بداية هذه الحرب يحاول التصريح بتصريحات كاذبة، فقط لكي يسيطر على أسعار النفط التي تأخذ بالارتفاع، ولا يمكن أن تدار الحرب بالسرديات المغلوطة والخاطئة لترمب، والحل إنما يكون بفك الحصار عن إيران لكي تعود الأمور إلى سابق عهدها، كما يطالب غروي.
وتأثير السرديات الإعلامية الجيوسياسية يتمثل، إلى حدّ ما، في أنه يخلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والأسواق المالية، لكن التقلبات في أسواق النفط، وفي أسواق الأسهم أيضًا، لم تعد كبيرة الآن لأنّها وضعت في حساباتها فكرة أنه قد لا يكون هناك اتفاق، فلن ينخفض النفط إلى ما دون الـ80 دولارا وأن واشنطن لا تريد العودة إلى حرب شاملة في إيران، كما يقول لوكاس.
أما ريمون فيرى أن مسألة حرب المعلومات والسردية الإعلامية في إيران، ليست جيدة كما أن "أمريكا ترمب" اليوم أصبحت فعلاً تسوّق سردية إعلامية، فبالتالي كلما كان تصريح ترمب إيجابيا ارتفعت الأسهم وبالعكس، وإذا كان التأثير الأساسي هو تأثير القصف، ولكن تضاف إلى ذلك حرب المعلومات والسردية التي ربما تؤثر أساسا على دنيا المال والأعمال ربما أكثر من المواطنين أنفسهم.
ويخلص المحللون والأكاديميون، في حديثهم للجزيرة نت، إلى أنه من غير الواضح إلى أين ستتجه الأمور خاصة بعد إعلان ترمب ليل أمس الخميس عن "تسوية عظيمة" وما إذا كانت ستسير إلى توقيع اتفاقٍ ما يفتح مضيق هرمز ويرفع الحصار الأمريكي أم ستظل التوقعات حبيسة مراجعات إيرانية وتقلبات ترمبية؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة