آخر الأخبار

بعد ختام الحوار المُهيكل.. ليبيا أمام اختبار التنفيذ

شارك
شوارع طرابلس

بعد أشهر من الاجتماعات والنقاشات التي شارك فيها أكثر من 120 شخصية ليبية من مختلف المناطق والتيارات السياسية والاجتماعية، اختتم الحوار المهيكل الليبي أعماله لينتقل الجدل من مضمون التوصيات إلى مصيرها العملي وسط تساؤلات بشأن قدرة هذا المسار على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة الليبية أو انضمامه إلى قائمة المبادرات التي توقفت عند حدود التوافقات النظرية.

الحوار الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا منذ ديسمبر 2025 انتهى الأحد بإقرار حزمة واسعة من التوصيات السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية، ركزت على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية شاملة، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتعزيز الحوكمة، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، إلى جانب إطلاق مسار للمصالحة الوطنية قائم على العدالة الانتقالية وجبر الضرر وإنشاء هيئة مستقلة للمصالحة.

كما تضمنت المخرجات تشكيل حكومة انتقالية لمدة لا تتجاوز عامين غير قابلة للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقيات سيادية طويلة الأمد خلال فترة ولايتها، والإبقاء على المجلس الرئاسي بصيغته الحالية المكونة من رئيس ونائبين مع إسناد القيادة العامة للقوات المسلحة إليه واقترحت وضع شروط للترشح إلى المناصب التنفيذية، من بينها الجنسية الليبية والمؤهل الجامعي وحد أدنى للعمر، مع إلزام شاغلي المناصب التنفيذية بالتعهد بعدم الترشح في الانتخابات اللاحقة.

ورغم اعتبار المشاركين أن هذه المخرجات تمثل رؤية ليبية لمعالجة جذور الأزمة، فإن التقرير الختامي فتح نقاشا جديدا حول آليات التنفيذ ومدى توافر الإرادة السياسية المحلية والدولية لتحويل التوصيات إلى خطوات ملموسة على الأرض.

وتعكس المواقف المتباينة حجم التحديات التي تواجه المرحلة المقبلة. فبينما يرى مؤيدو الحوار أنه نجح في بلورة أرضية مشتركة لمعالجة أزمات الدولة وتهيئة الطريق نحو الانتخابات والمصالحة، يعتبر منتقدوه أن ما صدر عنه لا يتجاوز إطار التوصيات العامة التي تفتقر إلى أدوات تنفيذ وضمانات ملزمة.

من التوصيات إلى التنفيذ

وفي تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" أكد عضو الحوار المهيكل عبدالله الحاسي أن الحوار أنجز المهام الموكلة إليه بنجاح مشيراً إلى أن أبرز عوامل نجاحه تمثلت في كونه مسارا ليبيا خالصاً ضم ممثلين عن مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية، إلى جانب المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.

وهو ما انعكس على طبيعة التوصيات التي خرجت بها المسارات المختلفة، معتبراً أنها "توصيات قابلة للتطبيق وليست مجرد أفكار نظرية".

ويرى الحاسي أن هذه المخرجات يمكن أن تترك أثراً ملموساً على المشهد الليبي بفضل ملكيتها الليبية والدعم المجتمعي والدولي الذي حظيت به لكنه شدد على أن "التوصيات ستظل مجرد توصيات ما لم تتحرك بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتحويلها إلى خطة تنفيذية متكاملة تحظى بدعم محلي ودولي وتُعرض على مجلس الأمن".

وأضاف أن أعضاء الحوار أنجزوا ما طُلب منهم وأن الكرة أصبحت الآن في ملعب البعثة الأممية لاستكمال الخطوات اللاحقة.

اختبار المخرجات

من جانبها، قالت عضو الحوار المُهيكل حواء زايد إن القيمة الحقيقية للمخرجات لن تُقاس بما ورد في التقرير النهائي بل بمدى القدرة على تنفيذها وتحويلها إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن الليبي.

وأكدت في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" أن التحدي الأكبر لم يكن في صياغة التوصيات بقدر ما كان في إيجاد آليات حقيقية لتطبيقها.

وأضافت: "الشفاء الحقيقي لليبيا ليس في التوصيات بحد ذاتها وإنما في التنفيذ والتفعيل. الحكم على نجاح المخرجات سيظل مرتبطاً بما إذا كانت ستتحول إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن الليبي".

كما أشارت إلى توافق غالبية المشاركين على ضرورة الوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة تقود المرحلة المقبلة وتمهد الطريق أمام الانتخابات الوطنية معتبرة أن هذا التوجه يمثل أحد أبرز المخرجات السياسية للحوار.

بين المرجعية والإلزام

في المقابل، يرى عضو الحوار السياسي الليبي صبري المبروك أن التوصيات الصادرة عن الحوار المُهيكل لا تمتلك صفة الإلزام السياسي أو القانوني لعدم صدورها ضمن إطار توافقي كامل مرتبط بمسار برلين.

وأوضح في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" أن هذه المخرجات يمكن أن تُستخدم كوثائق مرجعية أو استشارية خلال المراحل المقبلة، كما حدث مع مبادرات أممية سابقة.

ويرى المبروك أن بعض التوصيات قد تفتح الباب أمام إنتاج مسار حواري جديد أو تشكيل جسم سياسي جديد وهو ما يعتبره تكراراً لتجارب سابقة لم تنجح في إنهاء الانقسام أو تحقيق الاستقرار.

وأضاف أن ليبيا لا تواجه اليوم صراعا داخليا فحسب، بل أيضا تنافسا بين أطراف دولية تستخدم القوى المحلية لخدمة مصالحها.
وأكد أن الحل الحقيقي يكمن في إعادة تأسيس الدولة عبر توافق وطني شامل ينتج عقدا اجتماعيا جديدا يحدد شكل نظام الحكم والنظام الاقتصادي والإداري ويقود إلى دستور دائم، معتبراً أن هذا الخيار يواجه عقبات دولية أكثر مما يواجه رفضاً داخليا.

إدارة للأزمة أم تمهيد للحل؟

بدوره اعتبر المحلل السياسي الليبي محمد الشيباني أن ما نتج عن الحوار المهيكل "أقرب إلى خطوط سياسية عريضة وتوصيات عامة" مشيرا إلى أن أبرز ما تضمنته المخرجات هو الدعوة إلى تشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات الوطنية، وهو طرح سبق تداوله في مبادرات أممية سابقة.

وقال في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص المقترحات بل في غياب إرادة دولية حقيقية تدفع نحو توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.

وأضاف أن قطاعا واسعا من الليبيين بات ينظر إلى هذه المبادرات باعتبارها أدوات لإدارة الأزمة أكثر من كونها مشروعا متكاملا للحل.

وفي ما يتعلق بالحراك الدولي الأخير أشار إلى أن الولايات المتحدة تحاول إعادة تموضعها في الملف الليبي بالتوازي مع تصاعد الدعم الأوروبي للمسار الأممي.

ويرى الشيباني أن الخلاف ما يزال قائما بين رؤية أوروبية أممية تعتبر الانتخابات مدخلا للشرعية ورؤية أميركية تميل إلى تثبيت تفاهمات القوى الفاعلة على الأرض قبل البناء عليها سياسيا.

أعمق من الانتخابات

أما أستاذ العلوم السياسية الليبي عبدالوهاب الحار، فيرى أن الحوار المهيكل جاء استجابة لغياب مؤسسات سياسية ليبية قادرة على تمثيل المجتمع الليبي بصورة حقيقية، ولذلك أُنيطت به مهمة استشارية أكثر منها تنفيذية.

وأوضح أن تقييم الحوار يجب أن يتم في هذا السياق، لكنه أشار إلى أن المخرجات لم تعالج بصورة كافية بعض الإشكاليات الجوهرية المرتبطة بالعملية السياسية المقبلة.

وأضاف أن التحدي لا يكمن في إجراء الانتخابات فقط، بل في قدرة الليبيين على قبول نتائجها واحترام مخرجاتها.

كما اعتبر أن الحديث عن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية بقي في إطار المبادئ العامة دون تقديم آليات تنفيذية واضحة.

وأكد الحار أن الأزمة الليبية في جوهرها أزمة اجتماعية وسياسية عميقة تتطلب بناء عقد اجتماعي جديد يعزز التعايش والسلم المجتمعي قبل الانتقال إلى المراحل الدستورية والانتخابية.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان القدس

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا