أعدّ التقرير التالي مركز بن واشنطن Penn Washington التابع لجامعة بنسلفانيا الأمريكية، استنادًا إلى طاولة نقاش سياسات عُقدت في 24 مارس/آذار 2026، وشاركت فيها مجموعة من الخبراء والمتخصصين من خلفيات متنوعة، ضمت باحثين في شؤون الشرق الأوسط، وخبراء في أسواق الطاقة والتأمين، ومتخصصين في التخطيط والعمليات العسكرية، إلى جانب مهتمين بقضايا الأمن الدولي والاستقرار الاقتصادي.
وناقش المشاركون تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ومسارات التصعيد والتهدئة المحتملة، وانعكاساتها على الأمن العالمي وأسواق الطاقة والمنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين.
تُفرز الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى عالماً يتسم بعدم يقين عميق، وتراجع القدرة على إدارة التصعيد، وتصاعد التنافس الاستراتيجي العالمي بين الولايات المتحدة والصين.
وقد شدّد المشاركون في الطاولة المستديرة على الحاجة إلى عمل مفاهيمي طويل المدى لفهم النظام الإقليمي الناشئ، مشيرين إلى أن الصين تستعد لصياغة العالم الذي سينبثق من تداعيات الحرب.
وكان من أبرز استنتاجات النقاش الحاجة إلى إعادة تقييم فورية وجوهرية للاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، مع تحديد واضح للأوضاع النهائية المرجوّة.
ومع أن وقف إطلاق النار وإجراءات بناء الثقة تُهيّئ الظروف للمحادثات، إلا أن التوصل إلى اتفاق سلام دائم يعالج التوترات الكامنة بين الأطراف المتحاربة في المدى القصير سيكون أمراً عسيراً، خصوصاً في ظل هشاشة وقف إطلاق النار في ساحات إقليمية لا تزال تشتعل. وسيتطلب ذلك تنازلات كبيرة من جميع أطراف النزاع.
تشير هذه الرؤى إلى ضرورة إعادة ضبط السياسة الأمريكية إزاء إيران، فضلاً عن استراتيجيتها الإقليمية الأوسع في الشرق الأوسط. وسيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها التعامل مع عالم تمتلك فيه الدول الساعية إلى البقاء تجربة واضحة قد تُحفّزها على امتلاك الأسلحة النووية بوصفها الرادع الأقصى ضد الغزو.
ولا بد من تجديد التركيز الواضح على أهداف منع الانتشار النووي بالأدوات القائمة المناسبة لتحقيقها.
كما سيتعين على الولايات المتحدة حشد كل الموارد والاستراتيجيات اللازمة لتحقيق أهدافها في سياق التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا، مع العمل في عالم أقل ارتباطاً بكثير بالقواعد والتحالفات والمعايير التي حكمت العلاقات الدولية منذ عام 1945.
منذ الثامن والعشرين من فبراير من هذا العام، يشهد العالم تحوّل الحرب التي طالما رجا الكثيرون تجنّبها إلى واقع، إذ أطلقت الطائرات والسفن الحربية الإسرائيلية والأمريكية هجوماً جوياً وصاروخياً لم يشهد العالم مثيلاً له منذ بدء عملية "حرية العراق" في فبراير 2003.
وقد جاءت هذه الحرب في أعقاب سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية والإسرائيلية في يونيو 2025 التي دمّرت أجزاء من البرنامج النووي الإيراني.
وكان الردّ الإيراني الفوري على الضربات هو شنّ هجمات على تسع من دول الجوار الإقليمي، وتلغيم مضيق هرمز، وإطلاق حرب استنزاف لا متماثلة منهكة ضد خصومها.
وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي أوقعتها الولايات المتحدة وإسرائيل بالجيش الإيراني، فإن قدرة إيران على توظيف جغرافيتها وقدراتها المتبقية لتهديد الملاحة تُتيح لها الادعاء بأنها منتصرة في الميدان غير المتماثل.
ولا تُظهر الحرب أي بوادر للتراجع، حتى مع تذبذب وتيرة الضربات صعوداً وهبوطاً. ولم تُسفر المحادثات الأوّلية بين الولايات المتحدة وإيران عن أي تقدم جوهري نحو حل دبلوماسي؛ كما أن وقف إطلاق النار الناشئ بين إسرائيل ولبنان لا يشمل حزب الله، مما يُضعف فرصته الضئيلة في خفض تصعيد تلك الحرب.
واتفق المشاركون على أن استجابة إيران حتى الآن كانت متوقعة من حيث تمحورها حول بقاء النظام وتدويل الصراع على امتداد المنطقة.
وقد نقل هذا التوسع في جبهات الحرب كلفة النزاع إلى عتبة دول الخليج وعَوْلَم تأثيره.
ففي الأسابيع الأولى للنزاع، هاجمت إيران دولاً متعددة أفقياً ورأسياً، وضربت بنى تحتية حيوية، من بينها محطات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، ومنشآت إنتاج وشحن النفط والغاز الطبيعي المسال. وفي أعقاب وفاة آية الله علي خامنئي، عيّن مجلس الخبراء نجله مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً.
ويرى كثيرون أنه أكثر تشدداً من والده، وأعمق ارتباطاً بالحرس الثوري، مما يمنح الحرس صوتاً أكبر في تقرير مستقبل البلاد.
إن الكيفية التي تُخاض بها هذه الحرب، وتداعيات القوى الجيوسياسية التي أطلقتها، تستحق اهتماماً من خبراء عبر الطيف الأيديولوجي.
وقد جمع مركز Penn Washington في 24 مارس فريقاً من هؤلاء الخبراء يمثلون معرفة إقليمية عميقة، وفهماً متطوراً لأسواق الطاقة والتأمين، ومعرفة متقدمة بتخطيط العمليات العسكرية وإدارتها ، لمناقشة الحرب وتداعياتها.
وبحث المشاركون مسارات التصعيد والتهدئة، ونقاط القرار الأمريكية الوشيكة، والتداعيات الاستراتيجية الأوسع على الأمن العالمي والاستقرار الاقتصادي. ويرصد هذا التقرير أبرز الرؤى والنقاشات والتوصيات السياسية التي انبثقت عن الحوار.
لقد أوجدت الحرب دورة من التصعيد والتهدئة، وتفسيرات متضاربة من المسؤولين الأمريكيين حول دوافع النزاع وأهدافه، وارتدادات إقليمية، وردود فعل متباينة من الحلفاء والخصوم الدوليين، وهجمات على البنية التحتية للطاقة أثّرت على الأسواق العالمية، ونشراً للقوات البرية في المنطقة.
ولم تُثمر جهود إيجاد أرضية مشتركة بين طهران والقدس وواشنطن سوى القليل، مع استمرار اتساع الفجوات وبروز خلافات حقيقية في الاصطفاف وأهداف الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة كلما طال أمد القتال.
وفي ضوء تاريخ النزاع وحالته الراهنة، حدّد الخبراء عدة مجالات رئيسية لتركيز السياسة الأمريكية خلال الأشهر الستة إلى الثمانية عشر المقبلة، تمتد عبر المجالات الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية.
أشار المشاركون إلى إدراك واضح للأضرار الجسيمة التي يُلحقها هذا النزاع بالمعايير والبنية المؤسسية للتحالفات الموروثة عن الحرب العالمية الثانية.
كما أن إخفاق الولايات المتحدة في التشاور مع حلفائها وشركائها التقليديين أو في استطلاع آراء دول الخليج التي ستتأثر مباشرة بقرار الذهاب إلى الحرب، ستكون له آثار طويلة الأمد على نوعية وطابع بعض أقوى علاقات وتحالفات أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية.
واتفق المشاركون على أن الطلب الأمريكي العلني والصريح لتشكيل تحالف من حلفاء الناتو لتوفير أصول بحرية بهدف إعادة فتح مضيق هرمز – وهو طلب لم يُلبَّ حتى الآن – يُعد خطيراً لأنه أجهد شروخاً قائمة فعلاً داخل الحلف.
وبالمثل، أعرب المشاركون عن قلقهم من العواقب غير المقصودة لانتشار البحرية الصينية في المنطقة لإجراء تدريبات حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق.
ومنذ بداية الحرب، أدّى غياب وضوح أمريكي داخلي بشأن الأهداف المنشودة إلى عدم يقين عالمي، وأسهم في طرح الحلفاء والخصوم تساؤلات حول مكانة أمريكا وقيادتها للنظام الدولي.
وعبر أوروبا وآسيا، أفضت الرؤى المتباينة بشأن النزاع ومساراته إلى حالة من الشلل.
كما أن الصدمات في الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة تجرّ الحلفاء إلى نزاع يخالف تفضيلاتهم، مُرغمةً إيّاهم على تغيير أنماط استهلاك الطاقة، وإعادة توجيه حركة الشحن ومسارات التجارة، وإجهاد اقتصادات هشة كثيرة تعمل بهامش مالي ضيق.
والطابع المتعرّج والمفاجئ لهذه التغيرات يُضاعف الضغط على مصداقية الولايات المتحدة وقيادتها. واتفق المشاركون على أن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يُعيد فتح مضيق هرمز هو الأولوية القصوى الفورية، على أن يكون الحد الأقصى الممكن تحقيقه قريباً من "الوضع السابق" لحركة الملاحة عبر المضيق.
سلّط المشاركون الضوء على الانتشار النووي بوصفه خطراً حاسماً وطويل الأمد لا يُقدَّر حق قدره. فاستعداد الولايات المتحدة لإطلاق هذا النزاع رسّخ القيمة المُتصوَّرة للأسلحة النووية بوصفها رادعاً ضد المعتدين.
وقد يُفضي هذا التحوّل إلى سباق إيراني نحو القنبلة النووية، ويُحفّز آخرين على التفكير في امتلاك قدراتهم النووية.
وتأتي تصريحات كيم جونغ أون الأخيرة بشأن رغبة كوريا الشمالية في تعزيز قدراتها النووية لتؤكد هذه النقطة.
ومن المرجح أن يلقى هذا التوجه صدى في سيول وطهران والرياض وأبوظبي.
كما تمتد المخاوف لتشمل إمكانية الوصول إلى المواد النووية في مناطق مثل القوقاز التي ظلت تاريخياً بؤراً لانتشار أسلحة الدمار الشامل عقب تفكك الاتحاد السوفيتي.
لقد أوجدت الحرب حافزاً عكسياً يدفع الدول إلى السعي لامتلاك برامجها الخاصة وتطوير أسلحتها النووية الذاتية بوصفها الرادع الأقصى.
واتفق المشاركون على أن الولايات المتحدة يجب أن تُعيد بفاعلية تأكيد نظم منع الانتشار بوصفها ركيزة محورية في استراتيجيتها للأمن القومي، وأن تُطبّق نماذج جديدة وقائمة معاً لمنع انتشار تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل والمعارف المرتبطة بها.
وسيكون ذلك صعباً في بيئة باتت فيها اتفاقيات الحد من التسلح والقدرة على إبرام معاهدات معقدة مع الخصوم والحلفاء في حكم المنهار.
شكّلت تحركات القوات الأمريكية الأخيرة، التي يُحتمل أن تُشارك في عمليات داخل إيران، إطاراً لنقاش حول العتبات الاستراتيجية ومخاطر التصعيد في ثلاثة سيناريوهات محتملة.
أولها الاستيلاء على جزيرة خارك، وهي منفذ التصدير الرئيسي لـ 90% من النفط الخام الإيراني.
وثانيها غزو محتمل للساحل الجنوبي لإيران لفتح المضيق.
وثالثها عملية معقدة بريّة وجوية للنشر داخل إيران والاستيلاء على مطار لتنفيذ سلسلة غارات لتأمين مخزون اليورانيوم العالي التخصيب الإيراني وإخراجه.
وفيما تضمّنت العمليات العسكرية الأخيرة لهذه الإدارة مستويات منخفضة نسبياً من الخسائر الأمريكية، شدّد المشاركون على أن أي زيادة في خسائر الأفراد الأمريكيين ستُفرز قيوداً سياسية داخلية كبيرة، وتُعقّد عملية صنع القرار، فضلاً عن كونها محفوفة بالمخاطر.
غير أن عدداً من المشاركين أشار أيضاً إلى أن الجداول الزمنية للتخطيط العسكري لهذه السيناريوهات تظل أطول من نظيراتها الدبلوماسية.
كما حدّد المشاركون البيئتين السياسيتين الداخليتين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما متغيرين رئيسيين يُشكّلان مسارات السياسة.
ففي الولايات المتحدة، يتمحور عدم اليقين حول مدة وتأثير تعطيل إيران لمضيق هرمز، اللذين قد يمتدان بالآثار الاقتصادية والسياسية حتى الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر وما بعدها.
وتزداد هذه الديناميكيات تعقيداً مع توقيت الانتخابات الإسرائيلية، إذ يُمثّل بقاء رئيس الوزراء نتنياهو السياسي اعتباراً داخلياً حاسماً يُؤثّر في صنع القرار الإسرائيلي.
تركّز النقاش حول مدى وقوع النزاع في دائرة من التصعيد والتصعيد المضاد، مع وضوح محدود بشأن مخارج دبلوماسية موثوقة.
واتفق المشاركون على أن قوى السوق هي التي حرّكت ديناميكيات التصعيد والتهدئة في الفترة السابقة للطاولة المستديرة.
ووصف المشاركون النزاع بأنه صراع لا متماثل؛ مشيرين إلى أن النظام الإيراني يرى نفسه ناجحاً بمجرد البقاء وإلحاق الضرر المالي والسياسي بخصومه، حتى مع احتفاظ الولايات المتحدة وإسرائيل بتفوّق عسكري تقليدي شبه مطلق.
وقد أوجدت هذه الديناميكية بيئة يشعر فيها كلا الطرفين بأنه منتصر، وبالتالي يميل إلى الضغط للحصول على تنازلات إضافية في مفاوضات محتملة، مما يُعقّد جهود التهدئة.
وكان السؤال المتكرر للمشاركين: مَن يتمتع بثقة كافية داخل النظام الدولي لتولّي الوساطة؟ كما رأى المشاركون أن القدرة التفاوضية للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج قد استُنزفت.
واقترح المشاركون أن اليابان وأستراليا – وهما دولتان لهما مصالح عميقة في أمن الطاقة ومنع الانتشار النووي – في وضع أفضل لتيسير الحوار، مع تجنّب إعطاء الصين دوراً محورياً. ويُجسّد بروز باكستان لاحقاً كوسيط، وإعلان الأطراف وقف إطلاق النار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الطابعَ غير التقليدي والمضطرب لديناميكيات التهدئة.
أبرز هذا النزاع الفجوة القائمة بين أولويات المسارح المعلنة في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025.
فعلى الرغم من التركيز الجوهري على أمريكا اللاتينية والمحيطين الهندي والهادئ، اتفق المشاركون على أن الولايات المتحدة، بإطلاقها هذه الحرب، باتت أكثر انغماساً في مستقبل المنطقة.
لا يعني ذلك أن استراتيجية الأمن القومي خلت من الإشارة إلى الشرق الأوسط ، فقد عالجت البرنامج النووي الإيراني ومخاوف أخرى في المنطقة – لكن الوثيقة عكست بوضوح رغبة في الابتعاد عن التركيز المستدام على الشرق الأوسط. ويُمثّل تصاعد هذا النزاع اضطراباً لذلك التوازن، رغم وصف الإدارة الحالية لخططها لتنفيذه بألفاظ حازمة.
ويُثير هذا الاضطراب غير المخطط له مخاوف بشأن القدرة والاهتمام وتكاليف الفرصة البديلة للنفوذ والاهتمام الأمريكيين في أماكن أخرى من العالم.
وحاجج عدد من المشاركين بأن لغة "التحوّل بعيداً عن الشرق الأوسط" يجب أن تُتخلى عنها تماماً.
فرفض الاعتراف بضرورة بقاء أمريكا في وضعية تتيح التصدي للتهديدات التي تطال مصالحها الحيوية والمنبثقة من المنطقة – وما يترتب على ذلك من غياب الجهد لبناء استراتيجيات تدعمها هياكل قوى وانتشار عالمي يتناسب مع هذا الواقع – سيُعجز الولايات المتحدة عن تلبية المتطلبات الاستراتيجية في الشرق الأوسط وعالمياً.
فالأصول المصممة لتلبية احتياجات في مسارح أخرى تُسحب إلى المنطقة، فيما تتسارع قدرة الصين على إبراز القوة والنفوذ.
كما أعرب المشاركون عن قلقهم من المؤشرات على أن النزاع يُسرّع التموضع الاستراتيجي للصين مع إيران، فضلاً عن تعزيز مكانة الصين الدولية الأوسع مقابل الولايات المتحدة.
ويُؤثّر النزاع آنياً على التجارة والتحالفات الإقليمية، إذ يعمل بوصفه عاملاً مُسرّعاً لدى الدول التي تسعى أصلاً إلى التحوّط ضد الولايات المتحدة في ظل بيئة دولية مضطربة.
ومن الأمثلة الملموسة التي أشار إليها المشاركون إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأستراليا، التي ظلت متعثرة طويلاً، والتي ستُعمّق فرص الاستثمار والتجارة عبر الاقتصادات، وفي الوقت ذاته تُسرّع نموّ تحالفات عالمية لا تتمحور حول الولايات المتحدة أو حول الآليات التي تحكمها وتُنظّمها.
ووصف المشاركون ذلك بأنه مثال واضح على إدراك الشركاء لضرورة تطوير هذه الروابط بوصفها بدائل محتملة لما تلقّوه تقليدياً في إطار علاقتهم مع الولايات المتحدة.
وفي خلفية الحرب، أرجأت الإدارة قمة أمريكية- صينية، وبذلك قلّصت قدرة الولايات المتحدة على التحكم في توقيت القمة وتأطيرها وتحديد جدول أعمالها.
ويتزامن ذلك مع سعي شركاء الولايات المتحدة إلى إنشاء أُطر متعددة الأطراف جديدة لمعالجة عدم الاستقرار في علاقتهم مع واشنطن.
وأشار المشاركون إلى أن أي قمة أمريكية– صينية مستقبلية ستُؤطّرها الولايات المتحدة على الأرجح بوصفها فرصة لإعادة تأكيد سيطرتها على الأجندات الاستراتيجية، وكبح آثار الارتداد من الشرق الأوسط إلى تايوان ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع، مع التطرق إلى قضايا تكتيكية مثل واردات الصين من النفط الإيراني.
وستستند صياغة الصين المتطوّرة إلى نفورها من عدم الاستقرار العالمي وأثر الهشاشة على أهدافها وغاياتها.
وستعتبر الصين أن قرار الولايات المتحدة الذهاب إلى الحرب سيمنحها وقتاً لتحقيق مجموعة أوسع من أولوياتها العالمية، وبالتالي تعزيز موقفها في أي نتائج للقمة.
وبالنسبة للصين، سيتمحور التركيز في القمة حول إيجاد قدر كافٍ من الاستقرار يُمكّنها من مواصلة السعي لأهدافها في الخلفية، دون الموافقة على أي تغييرات جوهرية كبرى لأي جانب من جوانب العلاقة الثنائية في المدى القريب.
كما شدّد المشاركون على أن الصين ستحصل على "دفعة استقرار" كبيرة لسمعتها العالمية بوصفها قوة موازنة لتحوّل الولايات المتحدة نحو سلوك متقلب، مما يُضاعف جهودها المتعمدة لتحسين مكانتها في علاقاتها الثنائية وفي المنتديات متعددة الأطراف.
كان الأثر العالمي الأبرز للحرب من خلال الاضطرابات في مضيق هرمز.
وأكد المشاركون أن وقف إطلاق نار فوري لن يُفضي إلى عودة فورية إلى الوضع السابق.
وتمتد تقديرات الجداول الزمنية للتعافي إلى أربعة أشهر على الأقل، نظراً لحجم الأضرار التي طالت أنظمة الاستخراج والنقل والتكرير.
وتحدّث المشاركون عن "تدمير الطلب" الاقتصادي، مشيرين إلى ظهور تقنين خطير للوقود في بنغلاديش وسريلانكا.
وأصبح التقنين في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الغاز واقعاً عالمياً، ويُمثّل واحدة من صدمات فورية كثيرة ستستمر لفترة طويلة.
وستتمدد التأثيرات المتتالية لتشمل الصناعة والزراعة، إلى جانب الشحن والسفر والسياحة، مع مرور الوقت.
وتبرز الصين مجدداً بوصفها مستفيدة بفضل هيمنتها على الطاقة المتجددة والمعادن الحيوية والتصنيع، بينما تستفيد روسيا من الإعفاءات من العقوبات بترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة لبيع النفط، ومن تزايد الطلب على إمدادات نفط غير متضررة.
وكانت مركزية مضيق هرمز في تدفق الطاقة العالمية، ومن ثَمّ في أداء تلك الأسواق والاقتصاد العالمي، محوراً أساسياً للنقاش.
ويتوقع عدد من المشاركين نزاعاً منخفض الحدة وطويل الأمد يدفع العلاقات الأمريكية– الخليجية إلى توضيح المواقف حول السيطرة على مضيق هرمز والوصول الآمن عبره، وإنفاذ ذلك الوصول الآمن بتيسير من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي؛ ودون دور أمريكي محوري، يظل غامضاً مَن سيتقدم لسد الفراغ تشغيلياً أو بوصفه محوراً مركزياً لتنسيق الجهات الحكومية والتجارية المتأثرة.
وفي وقت انعقاد الطاولة المستديرة، كانت الولايات المتحدة قد أشارت إلى عدم استعدادها لتقديم دعم الحراسة البحرية أو الاضطلاع بعمليات إزالة الألغام.
ودون أن تؤدّي الولايات المتحدة دوراً محورياً في جهود إعادة فتح المضيق، أبدى المشاركون تشكّكاً في إعادة فتحه والعودة إلى الوضع السابق، الذي يُمثّل أفضل سيناريو لاستقرار الاقتصاد العالمي وعمليات أسواق الطاقة.
ناقش المشاركون إعادة تشكيل جوهرية للبنية الأمنية والتحالفات في المنطقة ستنجم عن الحرب.
وتركّز النقاش بشكل رئيسي على دول الخليج وإيران ولبنان وإسرائيل؛ وهذا لا يعني عدم وجود تداعيات وتأثيرات كبرى على سوريا والعراق والأردن والضفة الغربية وغزة، بل أنها لم تستأثر بالحيز الأكبر. ويرى المشاركون أن ساحات المنطقة قد توسعت نطاقاً وارتفعت كثافةً، مع تكاليف باهظة شاملة على مواطني المنطقة جرّاء الحرب، ومسار طويل الأمد أكثر اضطراباً.
في غياب أي نهاية وشيكة للحرب، تتحرّك دول الخليج في موقع غير مريح.
فبعد أن سعت في البداية إلى تجنّب النزاع، باتت تخشى الآن نهاية مبكرة تترك نظاماً إيرانياً متضرراً لكنه ما زال قادراً وعدوانياً.
ومع إشارة الولايات المتحدة إلى رغبتها في إنهاء العمليات، تتنامى مخاوف الخليج من أن يُترك مكشوفاً – لا سيما فيما يتعلق بالبنية التحتية للطاقة والاستقرار طويل الأمد. والطابع الوجودي لهذه الحرب بالنسبة لدول الخليج حادّ بشكل خاص؛ وأكد المشاركون أنه على الرغم من الإشارات العلنية شبه الجماعية برفض الانخراط العسكري المباشر، فإنها دفعت الولايات المتحدة سراً في بعض الأحيان لاتخاذ إجراءات تضمن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وألا تترك إيران الجريحة والممتعضة على عتبتها.
وثمة شعور بين دول الخليج بظلم عميق إزاء شكل السردية العامة حول الحرب في الولايات المتحدة.
فهؤلاء الشركاء يرون أن فرض الحرب على المنطقة دون خطة لحلّها بمسؤولية، مع تأطير تداعيات إغلاق المضيق وكأنها لا تهم إلا بقدر أثرها على أسعار الغاز في الولايات المتحدة، أمر مُسيء بعمق.
كما أبدى المشاركون مخاوف حقيقية من احتمال أن تتحول إيران إلى دولة فاشلة، وأن يُترك الخليج للتعامل مع تدفقات لاجئين هائلة وبيئة أمنية شديدة الاضطراب لا يملك الأدوات الكافية للتعامل معها.
وأشار المشاركون إلى مخاوف حقيقية لدى دول الخليج من أن تصبح المنطقة أشبه بلبنان أو سوريا، حيث يصبح العمل العسكري بأسلوب "جزّ العشب" من قِبَل الولايات المتحدة أو إسرائيل مألوفاً، ويُدمّر مناخ الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الذي حاولت الدول الخليجية بعناية تهيئة ظروف مواتية له.
رأى المشاركون أن إسرائيل تمتلك تحمّلاً أعلى لإطالة أمد النزاع. وأشاروا إلى أن إيران الضعيفة والممزقة قد تكون مفضّلة استراتيجياً لإسرائيل مقارنة بحكومة مستقرة يهيمن عليها الحرس الثوري والطبقتان الدينية والتجارية وأوليغاركيون مرتبطون بهما.
وقد تباعدت أهداف الحرب الإسرائيلية والأمريكية منذ بدايتها تقريباً؛ ومن الأمثلة الهجوم الإسرائيلي على حقل غاز "بارس الجنوبي" والرد الإيراني الذي طال إنتاج الغاز المسال الخليجي وقدرات شحنه والبنية التحتية الحيوية، وكيف عقّد ذلك المحاولات الأولية لتأسيس وقف إطلاق نار أو مسار دبلوماسي لإنهاء الحرب.
كما أوضح المشاركون أنهم يعتقدون أن إسرائيل تحاول إلحاق أقصى قدر من الأضرار بعناصر رئيسية من قدرات إيران العسكرية ومشاريع القوة قبل أن تضغط الولايات المتحدة في النهاية لإيقاف ضرباتها.
كما أشار المشاركون إلى أن الحكومة الإسرائيلية تبدو وكأنها تعتقد أنها لن تعاني من نفس تدفقات اللاجئين كالدول الأخرى في المنطقة، وأنها تُقلّل من خطر دولة إيرانية فاشلة وما يعنيه ذلك لمصالحها وعلاقاتها مع الخليج (التي ازدهرت منذ توقيع اتفاقيات أبراهام).
واتفق المشاركون على أن من النواتج الجوهرية للحرب التعاون العسكري الأمريكي – الإسرائيلي غير المسبوق ، وهو مكسب استراتيجي محتمل بصرف النظر عن مدة النزاع.
وأبدى المشاركون أيضاً تشكّكاً في قدرة إسرائيل على تنفيذ عملية برية طويلة الأمد داخل لبنان مع الحفاظ على وتيرة العمليات الجوية الراهنة في إيران (أو في أي سيناريو "جزّ عشب" مستقبلي)، وأشاروا إلى المخاطر التي تطال قدرة قوات إسرائيل المسلحة على إعادة التجهيز والتسلح مع احتمال عودة بؤر التوتر في غزة أو تسارعها في الضفة الغربية.
أشار المشاركون إلى لبنان بوصفه ساحة أخرى تعكس النهج الإسرائيلي الأوسع.
فالعمليات الإسرائيلية هناك تشير إلى نية طويلة الأمد، لا سيما مع استمرار تدفق وكلاء مدعومين من إيران.
وقد جاءت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن إنشاء حدود جديدة تضم فعلياً جنوب لبنان حتى نهر الليطاني – والتي أُعلنت أثناء انعقاد الطاولة المستديرة – -دليلاً إضافياً على نوايا إحداث تغييرات دائمة على الأرض وتغيير الديناميكية الأمنية الأساسية في المنطقة.
ويبدو الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد للبنان شبه مؤكد الآن، مما يُنشئ ساحة قتال أخرى يُرجَّح أن تستمر فيها مستويات مرتفعة بشكل معقول من العنف، مع اضطرار أعداد كبيرة من اللبنانيين والسوريين الذين فروا سابقاً من الحرب الأهلية إلى الفرار مرة ثانية.
وستدفع هذه العوامل بلداً غير مستقر أصلاً نحو حافة الانهيار، إذ تتعرّض الخدمات الاجتماعية وما يُعدّ هياكل حوكمة أساسية في عموم البلاد وفي العاصمة بيروت لضغوط تبلغ حدّ الكسر.
وناقش المشاركون أيضاً الحملة البرية الإسرائيلية منذ عام 2023 وأضرارها على البنية القيادية والعسكرية لحزب الله، التي أفرغت الحزب من مقوماته، وأوجدت "حزب الله 2.0" الذي بات وكيلاً مباشراً حقيقياً للحرس الثوري.
وسيكون لتطوّر الجماعة تأثير كبير على مستقبل لبنان، وانتقالها من الاستقلال الشكلي إلى التوجيه التشغيلي والسيطرة الكاملة من قِبَل الحرس الثوري سيجعل لبنان ساحة معركة أكثر نشاطاً تشغيلياً بين إسرائيل وإيران في المدى القريب.
ولاحظ المشاركون أن قرار الحكومة اللبنانية إعلان السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه يُعد نقطة إيجابية في انتقال لبنان، لكنهم أعربوا عن أن الهجوم البري سيكون مُزعزعاً للاستقرار بعمق لجهود الحكومة الجديدة الناشئة لنزع أنياب نفوذ حزب الله السياسي وما تبقى من قوته العسكرية.
آثار الهجمات الإسرائيلية على مدينة صور اللبنانية (غيتي)قيّم المشاركون أن الحوثيين قد يرون حالياً أن الدخول في النزاع مكلف للغاية، خصوصاً في ضوء علاقتهم وحدودهم البرية مع المملكة العربية السعودية.
وفي الوقت ذاته، كان هناك اتفاق على أن الحوثيين يضعون أنفسهم في موقع لاستخدام القوة لتحقيق أقصى نفوذ متصوَّر لمصالحهم.
وأشار المشاركون إلى أن الحوثيين يدركون أنهم الأداة التي لم تُستخدم بعد، وأنهم أكثر سلامة تشغيلية من باقي شبكة وكلاء إيران، وأن لهم دوراً مهماً في أي مرحلة تالية من النزاع، خاصة إذا حوّلت المملكة العربية السعودية معظم صادراتها النفطية عبر الأنابيب البرية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وقدرتهم المثبتة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر – وعلى إغلاق نقطتي اختناق هشّتين للغاية في باب المندب وقناة السويس – تجعل منهم رافعة تصعيد طبيعية سيلجأ إليها الإيرانيون في مرحلة ما إذا استمرت الحرب.
ولاحظ المشاركون أيضاً استقلالهم التقليدي عن القيادة والسيطرة المباشرة من إيران، لكنهم أقرّوا بأنهم قد يرون في النهاية فرصة لتعزيز أهدافهم الخاصة بالدخول في الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة