لقد استكملت جميع الإجراءات التمهيدية لوضع اللمسات الأخيرة على مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على الرغم من وجود العديد من القضايا المتبقية التي لا تزال تلاحق العملية الدبلوماسية. غير أن الأجواء مهيأة لتحقيق انفراجة.
لقد كانت الزيارة الأخيرة لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، إلى طهران مثمرة بكل المقاييس. وينبغي أن تكون الخطوط العريضة الأخيرة لاتفاق إطاري اقترحه المفاوضون الإيرانيون مقبولة لدى الرئيس دونالد ترمب، على الرغم من أنه يواجه مهمة صعبة لإقناع الجمهوريين المتشددين، وقاعدته المؤيدة لحركة "جعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا)، والأهم من ذلك، إسرائيل.
وقد استشار الرئيس بالفعل مجلس مستشاريه المقربين (حكومة المطبخ)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامن نتنياهو، وقادة سبع دول إقليمية- قطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، ومصر، وتركيا، وباكستان- وكلها مشاركة في دبلوماسية القنوات الموازية، وإن كانت إسلام آباد هي الوسيط الرئيسي. والأخبار السارة هي أن ترمب، بعد هذه المشاورات، يبدو متفائلا، بما في ذلك بشأن موافقة إسرائيل على الرغم مما يرشح عن استياء نتنياهو.
تقترح مذكرة التفاهم متعددة الطبقات إنهاء فوريا للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وفتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، يليه فترة تتراوح بين 30 إلى 60 يوما لإجراء محادثات جوهرية بشأن برنامج إيران النووي، وخارطة طريق للأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد تمثلت الأهداف الأساسية للولايات المتحدة في احتواء إيران، وعدم امتلاكها قدرات نووية من خلال تخصيب اليورانيوم بتركيز عسكري، وإضعاف ترسانات الصواريخ الإيرانية، وتفكيك حلفائها في العراق، ولبنان، واليمن. بينما سعت إيران إلى حماية سيادتها وأمنها ومقاومتها الإستراتيجية. ومن خلال إغلاق مضيق هرمز والسيطرة عليه، فقد أظهرت مدى تأثر الاقتصاد العالمي بالاضطرابات في منطقة الخليج، وما حولها.
بالإضافة إلى الدمار الهائل والقتلى في إيران، فإن واحدة من أكثر العواقب كارثية للحرب تمثلت في أن دول الخليج- وهي المراكز الأكثر ازدهارا وأمنا واستقرارا في الشرق الأوسط- أصبحت ساحة معركة للحرب. ولم تكن هذه الحرب خيارا طوعيا بالنسبة لها.
وعلى الرغم من استمرارهما في تبادل التهديدات، فإن الولايات المتحدة وإيران لا تريدان استئناف الأعمال العدائية، بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي المعارض. ولتسويق مذكرة التفاهم لشعبيهما، تحتاج الولايات المتحدة وإيران إلى الإرادة السياسية والبراعة لإظهارها كإنجاز وانتصار.
وفي الأيام والأسابيع المقبلة، وما لم يحدث تشتيت كبير للانتباه، ينبغي لنا أن نرى تحركا سريعا نحو إطار عمل للإقليمي لخفض التصعيد، يتوخى استعادة الأمن البحري في الخليج، وتعزيز التواصل بين إيران ودول المنطقة، وتراجع دور حلفاء طهران الإقليميين تدريجيا، وضمانات دولية. غير أن مزاعم إيران بالسيادة القائمة على فرض رسوم عبور في المضيق قد تستمر كعقبة شائكة.
وفيما يتعلق بالقضية النووية، فإن ترمب سيرغب في نسخة ثانية من خطة العمل الشاملة المشتركة "الاتفاق النووي الإيراني" (JCPOA 2.0) تتضمن إضافة قابلة للتسويق. ولتجاوز المأزق، يمكن لإيران أن توافق إما على خفض نسبة تخفيف يورانيومها عالي التخصيب بنفسها، أو تسليمه إلى روسيا، كما فعلت بعد الاتفاق النووي لعام 2015.
وقد يتفق الجانبان أيضا على التخصيب بنسبة 3.6% للأغراض المدنية، وإيجاد نقطة وسيطة بشأن فترة تعليق الأنشطة تكون أقل من فترة العشرين عاما التي اقترحتها الولايات المتحدة، على أن يكون ذلك كله مدعوما بآليات مراقبة.
ويتطلب هذا النوع من الاتفاقيات مقايضة فورية لتخفيف تدريجي للعقوبات المالية والاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والإفراج عن أصولها المجمدة المقدرة بنحو 100 مليار دولار والمحتجزة لدى الولايات المتحدة ودول أخرى. ومن غير المرجح أن تتم تلبية مطلب إيران من الولايات المتحدة بدفع تعويضات عن أضرار الحرب.
في الوقت الحالي، يبدو المنظور الجيوسياسي والجيواقتصادي لمنطقة الخليج بأكمله مهددا. وتتطلب إعادة إعماره بناء دقيقا للثقة يشمل دبلوماسية ما بعد الحرب، وفض الاشتباك البحري، وتطوير البنية التحتية، والمساعدات الإنسانية.
كما سيتطلب خليج ما بعد الحرب أيضا "سلاما طاقيا" (Pax Energetica) على غرار "السلام السيليكوني" (Pax Silica)؛ لضمان استقرار سلاسل إمداد النفط والغاز. ولإرساء الأمن في المنطقة، يتوقع المرء تفاهما واسعا بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجما المنطقة مجددا.
علاوة على ذلك، فإن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيتطلب ضمانات وتصديقا أوسع نطاقا، لا سيما فيما يتعلق بالاتفاق النووي؛ إذ لا ينبغي للولايات المتحدة أن تمضي فيه بمفردها. ويتعين على الرئيس ترمب أن يظهر عزما لحشد دعم الصين، وروسيا، ودول أوروبية رئيسية، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ لترسيخ الاتفاق في المؤسسات متعددة الأطراف والنظام القانوني الدولي. فمن دون بنية تحتية لبناء الثقة، قد تظل الاتفاقيات الفنية هشة.
لقد سطرت باكستان، عبر سعيها الحازم في طريق الوساطة لتجنب كارثة عالمية، فصلا جديدا في تاريخ الدبلوماسية؛ ويعود الفضل في ذلك إلى قيادتها المدنية والعسكرية العليا. ففور اندلاع الحرب، انتهجت هذه القيادة دبلوماسية مكوكية ودبلوماسية اتصالات لبناء توافق إقليمي حول الوساطة، وتأمين دعم الصين والقوى الكبرى الأخرى، والتوسط لوقف إطلاق النار، واستضافة الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. كما حازت ثقة واشنطن وطهران وحافظت عليها، وهو ما مثل عملية موازنة صعبة في خضم الأعمال العدائية المستعرة.
وبينما استمر المشككون في إثارة الشكوك حول نجاح هذه العملية، ظلت باكستان صامدة. غير أن الأمر لم يكن تحليقا منفردا؛ إذ تلقت إسلام آباد مساعدة هائلة من قطر، وعمان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، تركيا، والصين، والأمم المتحدة؛ وتشجيعا من جميع الدول الكبرى بما في ذلك روسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وإندونيسيا، وماليزيا، على سبيل المثال لا الحصر.
إن هذا ليس الوقت المناسب للاكتفاء بما حققناه من نجاح كبير، بل لتوجيه دفعة حاسمة وموفقة للمقترح الأخير المطروح على الطاولة لإنهاء الحرب، وذلك عبر المضي قدما في دبلوماسية مرحلية بدلا من المواقف القصوى، وإظهار ضبط النفس الإستراتيجي، وتطوير معالم بنية أمنية لما بعد الحرب.
ومع ذلك، وتحدثا بواقعية، فبينما قد يعمد الفاعلون الرئيسيون إلى خفض تصعيد دوامة التوتر، فإن السلام الشامل يظل بعيد المنال نظرا للمخاوف الأمنية الجديدة والتنافسات الإستراتيجية التي ولدتها هذه الحرب. وبناء على ذلك، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن نحمي ونحافظ على قنوات الاتصال الدبلوماسية الحالية للتعامل مع الأزمات المستقبلية في الشرق الأوسط ومحيطه الممتد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة