خلف الستار البراق للريادة التكنولوجية والطبية، يعيش المجتمع الإسرائيلي وجيشه أزمة نفسية وجودية غير مسبوقة، تترجمها لغة الأرقام الصادمة الصادرة عن المؤسسات الرسمية والتقارير العالمية.
فلم يعد "القنب الطبي" في سياق الاحتلال مجرد بروتوكول علاجي محكوم بالضوابط العيادية، بل تحول بفعل الرعب الجماعي، والحروب المتلاحقة، واضطرابات ما بعد الصدمة، إلى أداة "تخدير جماعي" وإدمان مقنن برعاية حكومية.
ويسلط هذا التقرير الضوء على وثائق وزارة الصحة الإسرائيلية والتقارير الصحفية التي كشفت عن طفرة استهلاك تجاوزت الخطوط الحمراء، لتعلن في طياتها اعترافا رسميا بفشل المنظومة الرقابية، وتكشف كيف تحول "الهروب إلى الغياب" الوسيلة الوحيدة لتعايش مجتمع يرزح تحت وطأة الخوف الملازم.
ارتفع عدد الأشخاص الحاصلين على تراخيص رسمية في إسرائيل بأكثر من 4 أضعاف خلال سنوات قليلة، حيث قفزت الأرقام بشكل حاد من 33 ألفا في عام 2019 لتصل إلى نحو 140 ألف مستهلك في عام 2024. وهي طفرة غير طبيعية ارتبطت تصاعديا بفترات الحروب والأزمات الأمنية الملازمة، لا سيما منذ أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، والتي شكلت -إلى جانب الألم ومؤشرات أخرى- الدافع الأساسي لأكثر من 85% من هذا الاستهلاك.
وتظهر الأرقام أن ظاهرة الاستهلاك خرجت تماما عن الإطار العيادي الطبي وتحولت إلى نمط تعاط جماعي؛ إذ إن 87% من المستهلكين يعتمدون على "التدخين" كطريقة أساسية للاستهلاك، بل إن 98% من إجمالي المشتريات المرخصة تتم حصرا على شكل نورات مخصصة للتدخين (السجائر المحشوة)، مما يعني أن المجتمع بات يعتمد على التدخين كوسيلة أساسية للهروب.
وتثبت البيانات أيضا أن الهدف الأكبر للاستهلاك ليس علاجيا بحتا، بل يبحث عن التأثير النفسي العالي؛ حيث إن 88% من التراخيص الصادرة تتركز في منتجات تحتوي على مستويات عالية جدا من مادة "تي إتش سي" (THC)، وهي المركب النفساني الرئيس المسؤول عن التأثيرات الذهنية وفقدان الوعي والإدراك.
بالإضافة إلى أن 62% من المتعاطين يستهلكون كميات ضخمة تتجاوز 30 غراما شهريا، مع رصد حالات تستهلك ضعف هذه الكمية وتواجه خطرا جسيما ومباشرا للوقوع في فخ الإدمان، لا سيما بين فئات الرجال والشباب دون سن 45 عاما، وهو تحديدا الشكل والمعدل الذي يقلق وزارة الصحة بشكل بالغ.
الأرقام التي كشفت عنها اللجنة الطبية، ونشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تكشف أن وزارة الصحة الإسرائيلية قد فقدت السيطرة تماما على التعامل مع هذه المادة المخدرة، بعد أن تخلت عن دورها الرقابي وعاملت نبتة مخدرة كـ "منتج استهلاكي عشوائي" يوصف في الوصفات الطبية.
هذا الانفلات المحلي يتطابق مع الأرقام الصادمة الصادرة في التقرير العالمي لعام 2025 عن مؤسسة "نيو فرونتير ديتا" (New Frontier Data)؛ حيث أفاد بأن أكثر من ربع الإسرائيليين الذين تبلغ أعمارهم 15 عاما فما فوق (27%)، يستخدمون القنب (الحشيش) ذا التركيز العالي من مركب "تي إتش سي" (THC)، وهو ما يضع إسرائيل في صدارة معدل الاستهلاك في العالم، متفوقة رسميا على كندا، الولايات المتحدة وجامايكا.
خلف الستار البراق الذي تحاول إسرائيل تسويقه كمركز عالمي لأبحاث "القنب الطبي"، تكشف التوصيات الأخيرة الصادرة عن اللجنة المهنية بوزارة الصحة الإسرائيلية عن عمق الأزمة النفسية والمجتمعية التي يعيشها الاحتلال.
ففي وثيقة أصدرتها، اضطرت المنظومة الطبية إلى إعادة تقييم نموذجها بالكامل بعد أن تحول الدواء المفترض إلى أداة تخدير جماعي وإدمان مقنن برعاية حكومية.
تعترف الوثيقة الرسمية بأن الارتفاع الحاد والطفرة غير المسبوقة في استخدام القنب الطبي -والتي قفزت فيها التراخيص من 33 ألفا إلى ما يقرب من 140 ألف ترخيص- جاءت "منذ اندلاع الحرب".
هذا الاعتراف -وفقا لخبراء- يضع الإصبع على الجرح الدامي للمجتمع الإسرائيلي، فهو يعكس حالة الرعب الجماعي، والقلق، واضطرابات الصدمة النفسية المتفشية بين المستوطنين وجيش الاحتلال على حد سواء جراء تبعات حروبهم وعدوانهم المستمر، إذ أصبح الهروب إلى العقاقير المخدرة هو الوسيلة الوحيدة للتعايش مع واقع الخوف الملازم لهم.
وتتجلى ذروة الإدانة في الشق المتعلق بعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، حيث أقرت اللجنة الطبية علنا بأن "الأبحاث الحالية لا تثبت بشكل كاف الفوائد على المدى الطويل للقنب، بل وتثير مخاوف جدية بشأن احتمالية حدوث تدهور وظيفي وعقلي للمرضى".
ومع ذلك، تستمر المنظومة الصحية الإسرائيلية في صرفه بكثافة لجنودها العائدين محملين بأهوال ما ارتكبوه في الميدان؛ إنها لا تعالجهم، بل تقدم لهم "مسكنا مؤقتا" ومخدرا ذهنيا لعقولهم لمنع انهيارهم الفوري، حتى لو كان الثمن تدمير وظائفهم العقلية على المدى الطويل وتأصيل خطر الإدمان لديهم، بشرط ألا يخرج العلاج عن السيطرة إلا بفرض شروط قاسية كالعلاج النفسي المكثف والتقييم الحضوري الإلزامي كل 6 أشهر.
لم يتوقف الخوف الحكومي عند حدود الصحة العقلية، بل امتد ليعكس رعبا أمنيا داخليا؛ حيث طالبت التوصيات بفرض "متطلبات إبلاغ أكثر صرامة بشأن الأهلية للقيادة وحمل السلاح". هذا البند يمثل اعترافا مبطنا بخطورة انتشار السلاح الفردي بين أيدي عشرات الآلاف من مستخدمي القنب غير الواعين، مما ينذر بانفجار معدلات الجريمة والحوادث داخل مجتمع أصبح يعيش على حد السكين، بين بندقية مرخصة وعقل مغيب برخصة طبية.
إن محاولة وزارة الصحة الإسرائيلية اليوم سحب القنب من ثقافة التدخين تدريجيا خلال 3 سنوات واستبداله بالمستخلصات وأجهزة الاستنشاق، وتحويل الصلاحيات بالكامل إلى صناديق المرضى، ليست خطوة تطويرية بقدر ما هي "محاولة إنقاذ عاجلة" لكبح جماح وحش الإدمان الذي صنعته المنظومة بنفسها لتخدير مجتمعها المذعور.
والفجوة الكبرى ظهرت في عام 2016، عندما أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة لتنظيم القنب الطبي بهدف توفير مصدر آمن للمرضى وحماية الصحة العامة.
لكنْ بعد عقد من الزمن، انحرف المخطط وتحولت إسرائيل إلى مركز عالمي رئيس لاستهلاك وتدخين القنب. هذا الانفلات دفع بوزارة الصحة للتدخل الطارئ عبر تشكيل لجنة عليا لإصدار قرارات حاسمة لكبح هذه الفوضى وإعادة فرض الرقابة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة