في تقرير مطوّل لكبير مراسليها للشؤون الخارجية أدريان بلومفيلد، رسمت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية صورة قاتمة للتحول العاصف في المزاج العام داخل روسيا، زاعمة أن الرئيس فلاديمير بوتين يقترب من "لحظة الحقيقة".
وقالت إن تلك اللحظة قد تضطره خلال عام واحد إما إلى تقليص حربه ضد أوكرانيا أو الدفع بروسيا نحو نموذج سلطوي شبيه بالحقبة التي سادت إبان حكم جوزيف ستالين للاتحاد السوفيتي السابق، وذلك من أجل ضمان الاستمرار في القتال.
وأضافت أن سكان موسكو يشعرون أن الحرب لم تعد حدثا نائيا يدور في جبهات بعيدة؛ بل باتت تطرق أبوابهم بعنف بعد الهجمات الجوية المكثفة التي تعرضت لها مدينتهم ومحيطها مؤخرا بمئات الطائرات المسيرة الأوكرانية، مما أسفر عن سقوط ضحايا، وتعطيل حركة الطيران في مطارات العاصمة الأربعة، وقصف مصفاة النفط الرئيسية والمباني السكنية.
ونقلت الصحيفة عن امرأة روسية تعمل في التصميم وتعيش في موسكو قولها: "للمرة الأولى منذ بداية الحرب شعرت بالخوف شخصيا"، في إشارة إلى التأثير النفسي للهجمات الأخيرة، التي جعلت سكان العاصمة يختبرون ولو جزئيا ما يعيشه الأوكرانيون منذ سنوات.
ويرى بلومفيلد في تقريره أن هذه التطورات العسكرية تتزامن مع أزمات متشابكة تواجه الكرملين من تباطؤ التقدم الروسي في جبهات القتال، وتصاعد وتيرة الضربات الأوكرانية التي تطال عمق البلاد، وتدهور المؤشرات الاقتصادية رغم ارتفاع أسعار النفط والعائدات الإضافية الناتجة عن الحرب الإيرانية.
ويؤكد الخبراء -بحسب الصحيفة- أن العوائد المالية الاستثنائية التي جنتها روسيا جراء تداعيات حرب الخليج الأخيرة وارتفاع أسعار النفط -والتي بلغت نحو 53.6 مليار دولار أمريكي تقريبا- قد تسهم في استقرار الموازنة العامة وتجنب أزمة مالية فورية، لكنها لن تكون قادرة على إنقاذ الاقتصاد الروسي المتداعي من حالة الركود المزمن على المدى الطويل.
وأشارت ديلي تلغراف إلى التحذير الذي أطلقته محافظ البنك المركزي الروسي، إلفيرا نابيولينا، من أن البلاد تواجه أسوأ نقص في الأيدي العاملة في تاريخها الحديث حيث تفيد التقديرات بأن أعدادهم تتجاوز 2.5 مليون، وذلك نتيجة لفرار مئات الآلاف من المواطنين إلى الخارج وسقوط نحو مليون آخر أو أكثر بين قتيل وجريح منذ بداية الغزو عام 2022.
هذا العجز الحاد في العمالة اضطر العديد من المصانع خارج قطاع الدفاع إلى تقليص أيام العمل، وخفضت وزارة الاقتصاد توقعات النمو لعام 2026 إلى 0.4% فقط بعد انكماش الاقتصاد في الربع الأول من العام الجاري.
وتستشهد الصحيفة بتقديرات نايجل غولد ديفيز كبير الباحثين في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن، الذي قال إن "الكرملين يواجه خيارا مصيريا، ربما خلال العام المقبل".
وأضاف الباحث البريطاني أن استمرار الحرب سيجبر الدولة الروسية على "استخراج الموارد التي يحتاجها لخوض القتال بشكل أكثر منهجية وقسرية"، بما يعني العودة إلى "إجراءات إدارية على غرار ما كان سائدا إبان الاتحاد السوفيتي".
علاوة على ذلك، يواجه الكرملين أزمة بشرية خانقة على جبهات القتال، إذ تشير التقديرات إلى أن معدل الخسائر البشرية الروسية، الذي يقترب من 35 ألف جندي شهريا، بات يتجاوز بكثير معدلات التطوع التي تتراوح بين 24 إلى 30 ألف متطوع شهريا.
هذا الاختلال -برأي ديلي تلغراف- يضع بوتين أمام خيار التعبئة الإلزامية الواسعة، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر سياسية واجتماعية هائلة قد تقتضي التراجع الكامل عن الحريات الفردية والاقتصادية وحق السفر إلى الخارج التي تمتع بها الروس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والتحول الكامل نحو نموذج اقتصادي ستاليني يُخضِع كل مقدرات الدولة والقطاع الخاص لخدمة المجهود الحربي.
كما نقل التقرير عن زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف تحذيره من أن "الاقتصاد سيفشل حتماً"، وتلويحه بإمكانية تكرار سيناريو ثورة عام 1917 التي أطاحت بالحكم القيصري.
وينقل التقرير عن الخبير الاقتصادي كريس ويفر قوله إن "الحرب في الخليج أنقذت الميزانية الروسية، لكنها لا تفعل شيئا للاقتصاد"، محذرا من أن البلاد تتجه نحو "ركود طويل الأمد" ما لم يبدأ الكرملين بالتحضير لمرحلة التعافي وإنهاء الحرب.
ووصف الخبير الإستراتيجي تيموثي آش الاقتصاد الروسي بأنه "اقتصاد ذو سرعيتن"، يعمل القطاع العسكري بكامل طاقته على مدار الساعة، مقابل قطاع مدني يعاني من نقص العمالة وتراجع الإنتاج، حتى إن بعض المصانع باتت تعمل 4 أيام أسبوعيا فقط.
وخلص تقرير تلغراف إلى أن بوتين حاول طوال 3 سنوات مضت من الحرب تجنيب المجتمع الروسي بأكمله مخاطر التحول إلى "مجتمع حرب"، عبر حماية غالبية المواطنين من تبعات القتال والاكتفاء بالحوافز المالية للمتطوعين. لكن هذا التوازن، بحسب الكاتب، بدأ يتآكل تدريجيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة