تتبلور في الولايات المتحدة ملامح معركة خلافة داخل الحركة السياسية التي أطلقها دونالد ترامب، رغم أن الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لعام 2028 لا تزال بعيدة.
وتتجه المنافسة إلى سباق ثنائي بين نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ، إذ يسعى كل منهما إلى ترسيخ موقعه بوصفه الوريث السياسي الطبيعي لترامب، رغم اختلاف رؤيتهما لما يمكن أن تصبح عليه حركة "ماغا" بعد ترامب (Make America Great Again).
ويتصدر جي دي فانس المشهد في الوقت الراهن، مستفيدًا من عوامل بنيوية تمنح نواب الرؤساء عادة أفضلية في السباقات التمهيدية الرئاسية، أبرزها قربه من مركز القرار، وحضوره الإعلامي المستمر، إلى جانب ما يُنظر إليه باعتباره امتدادًا مباشرًا لنهج الرئيس الحالي.
وحصد فانس 61% من الأصوات في استطلاع غير رسمي أُجري خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ في فبراير حول أبرز المرشحين الجمهوريين المحتملين لعام 2028.
ويعزو خبير استطلاعات الرأي جيم ماكلوغلين، الذي أجرى الاستطلاع، هذا التفوق إلى إدراك الناخبين بأنه الأقرب إلى دونالد ترامب، وهو عامل حاسم داخل قاعدة "ماغا".
ويعزز فانس موقعه كذلك عبر دوره في جمع التبرعات بصفته رئيس الشؤون المالية في اللجنة الوطنية الجمهورية (RNC)، ما يمنحه نفوذًا مباشرًا في إدارة تدفق الأموال داخل الحزب وتوجيهه.
ألمح دونالد ترامب في أكثر من مناسبة إلى أن جي دي فانس يُعدّ الأوفر حظًا لخلافة حركة " ماغا "، لكنه امتنع حتى الآن عن تقديم دعم رسمي له.
وفي هذا السياق، قال كايل كونديك، المتابع لسباق الجمهوريين في "مركز السياسة" بجامعة فيرجينيا: "أصبح فانس الوريث المفترض عندما اختاره ترامب شريكًا في سباق 2024، لكن ترامب يمكن أن يغيّر رأيه في لحظة".
وكما يذكّر عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين فقدوا دعم ترامب ، فإن تأييد الرئيس السابق لا يزال قادرًا على ترجيح كفة أي مرشح في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري أو إسقاطه.
وتُظهر استطلاعات الرأي المبكرة داخل الحزب، إلى جانب استطلاعات الناشطين المحافظين، أن فانس يتقدم على ماركو روبيو بهامش مريح.
ويعكس أسلوب نائب الرئيس الصدامي إلى حد كبير غرائز ترامب في إدارة المواجهات السياسية؛ ففي ظهوره الأخير في البيت الأبيض، لم يتردد فانس في الدخول في سجالات حادة مع الصحفيين والدفاع عن أكثر سياسات ترامب إثارة للجدل.
وبالنسبة لكثير من نشطاء القاعدة، يُعدّ هذا السلوك دليلًا على أنه الوريث "الأصيل": شخصية تتبنى الترامبية بالكامل، لا مجرد إعادة تكييفها.
غير أن نقطة ضعف فانس تكمن في انخفاض شعبيته العامة مقارنة حتى بترامب نفسه.
ومع ذلك، ووفقًا لاستطلاع أجراه "مركز بيو" في وقت سابق من هذا العام، يظل فانس أكثر حضورًا في وعي الناخبين الأمريكيين من معظم وجوه إدارة ترامب، إذ لا يتجاوزه في مستوى التعرف عليه سوى ترامب نفسه ووزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن.
في المقابل، أدى صعود ماركو روبيو خلال العام الماضي إلى تحويل ما كان يبدو تتويجًا مبكرًا لفانس إلى منافسة أكثر واقعية وتعقيدًا.
ومن موقعه كوزير للخارجية، برز ماركو روبيو كأحد أكثر وجوه الإدارة حضورًا، خصوصًا خلال أزمة إيران وفترات التوتر الجيوسياسي الأوسع.
ويشير استطلاع لشبكة "إيه بي سي نيوز" إلى أن جزءًا متزايدًا من المانحين والاستراتيجيين داخل الحزب الجمهوري، الذين كانوا يعتبرون جي دي فانس الوريث الحتمي لترامب، باتوا يتعاملون مع روبيو باعتباره بديلًا جديًا وقابلًا للتنافس.
وقد ساهم دونالد ترامب نفسه في تأجيج هذه التكهنات، بعدما أشاد بالرجلين في أكثر من مناسبة، وذهب إلى حد طرح فكرة "بطاقة أحلام" تجمع بين فانس وروبيو في مسار سياسي واحد.
لكن جوهر النقاش يتجاوز مسألة الفائز المحتمل، ليمتد إلى طبيعة الحزب الجمهوري الذي قد يتشكل بعد مرحلة ترامب.
فجي دي فانس يجسّد النسخة الأكثر أيديولوجية وصلابة من "ماغا"، إذ يتبنى خطاب المظالم الثقافية، والقومية الشعبوية، ونقد النخب، بصورة أكثر حدّة من معظم الساسة الجمهوريين.
في المقابل، يمثل ماركو روبيو محاولة لإعادة تموضع "ماغا" داخل إطار مؤسسي أقرب إلى التيار الرئيسي في السياسة الأمريكية، مع تقليل حدّة الخطاب دون التخلي عن جوهره.
قبل عقد من الزمن، كان يُنظر إلى روبيو بوصفه جمهوريًا تقليديًا يميل إلى الانفتاح الدولي، وكان من أبرز خصوم ترامب خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2016، حين سخر منه ترامب ولقّبه بـ"ماركو الصغير".
غير أن روبيو أعاد صياغة موقعه السياسي مع صعود ترامب، وتحوّل تدريجيًا إلى أحد أبرز المدافعين عن أجندته في السياسة الخارجية داخل الحزب الجمهوري.
وبات ماركو روبيو يقدم اليوم طرحًا مختلفًا نسبيًا عن جي دي فانس: قومية ذات طابع ترامبي، لكن بأسلوب أكثر هدوءًا ومرونة في الخطاب.
ويبدو أن هذا النهج يجعله جذابًا بشكل خاص لفئات من المانحين، وصقور السياسة الخارجية، والجمهوريين الذين يؤيدون أجندة ترامب، لكنهم في الوقت نفسه قلقون من كلفة الاستقطاب السياسي والإرهاق الانتخابي.
ويقول خبير استطلاعات الرأي الجمهوري ويت آيرز، الذي عمل في حملة روبيو لانتخابات مجلس الشيوخ عام 2010: "إنه سياسي قادر على استقطاب شريحة واسعة من الجمهوريين الذين ساروا مع ترامب دون أن يكونوا متحمسين له بالكامل".
غير أن التحدي الأساسي الذي يواجه روبيو يتمثل في محدودية شعبيته العامة، بل وحتى في كونه أقل حضورًا من ترامب نفسه، إلى جانب أن جزءًا كبيرًا من الناخبين الأمريكيين لا يزال غير ملمّ به بشكل كافٍ.
وفي المحصلة، قد يتوقف مسار هذه المنافسة على كيفية تطور النصف الثاني من الولاية الأخيرة لترامب في البيت الأبيض.
فإذا غادر ترامب منصبه وهو في موقع قوة سياسية، ومع اقتصاد مستقر وتضخم تحت السيطرة وقاعدة جمهورية لا تزال متحمسة لقضايا الهوية والثقافة، فإن جي دي فانس سيكون على الأرجح المستفيد الأكبر.
وفي هذا السيناريو، قد يميل الناخبون الجمهوريون في الانتخابات التمهيدية إلى تفضيل استمرار نهج أيديولوجي متشدد وصدامي ثقافيًا.
عندها، قد يجد روبيو نفسه في موقف صعب، إذ قد يُنظر إليه باعتباره أكثر اعتدالًا من اللازم، وأقرب في صورته السياسية إلى المؤسسة الجمهورية التقليدية التي ارتبطت بأسماء مثل جورج دبليو بوش وميت رومني.
أما في حال انتهت ولاية ترامب الثانية على وقع اقتصاد ضعيف، أو تورط مفرط في ملفات السياسة الخارجية، أو تراجع في حماسة الناخبين، فمن المرجح أن تتعزز حجة ماركو روبيو بشكل ملحوظ.
في هذا السيناريو، يمكنه أن يقدّم نفسه باعتباره من حافظ على جوهر الأولويات الشعبوية التي أرساها ترامب، مع إضافة عنصر الانضباط الإداري، والكفاءة المؤسسية، وتوسيع قاعدة الجاذبية الانتخابية داخل الحزب وخارجه.
ويرى بعض الاستراتيجيين الجمهوريين أن روبيو قد يكون، في هذا السياق، أكثر قدرة من جي دي فانس على خوض معركة الانتخابات العامة أمام مرشح ديمقراطي.
وتبرز أيضًا أبعاد جيلية وأسلوبية في هذه المنافسة. فجي دي فانس يرتبط بقوة باليمين الشعبوي الرقمي، من خلال البودكاست، ومنصات الإعلام البديل، وشبكات المؤثرين المحافظين، ما يمنحه حضورًا قويًا داخل الديناميكية الثقافية لجيل جديد من أنصار "ماغا".
أما روبيو، فيميل إلى العمل داخل الأطر السياسية والدبلوماسية التقليدية، مع أنه أصبح أكثر حضورًا وفاعلية أيضًا في وسائل الإعلام المحافظة خلال السنوات الأخيرة.
وفي أحيان كثيرة، بدت إطلالاتهما المتزامنة داخل قاعة الإيجاز الصحفي في البيت الأبيض وكأنها نوع من “اختبار الأداء” غير الرسمي لرؤيتين متنافستين لمستقبل الحزب الجمهوري.
ومع ذلك، يظل العامل الحاسم فوق كل هذه الاعتبارات هو دونالد ترامب نفسه.
فالحزب الجمهوري لا يزال متمحورًا إلى حد كبير حول شخصه، وبشكل غير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.
وعلى خلاف رؤساء سابقين، لم يُظهر ترامب حتى الآن اهتمامًا واضحًا بتسمية خليفة محدد، بل يبدو أنه يفضل الحفاظ على نفوذه من خلال إبقاء المحتملين لخلافته في حالة تنافس دائم، مرتبطين بمباركته السياسية.
وفي هذا السياق، يواصل ترامب تغذية التكهنات حول مستقبل القيادة، بينما يحرص كل من فانس وروبيو على التقليل علنًا من طموحاتهما المبكرة لعام 2028، على الأقل في الخطاب العلني.
وفي عشاء حديث في البيت الأبيض، طلب الرئيس من ضيوفه إبداء آرائهم بشأن المرشح الذي يفضلونه لخلافته المحتملة.
وسأل: "من يفضّل جي دي فانس؟"، ثم أضاف: "ومن يفضّل ماركو روبيو؟"
وقد قوبل السؤالان بتصفيق حاد، قبل أن يقترح ترامب أن الجمع بين الرجلين قد يشكل "بطاقة مثالية"، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الوقت لا يزال مبكرًا جدًا لاتخاذ قرار نهائي.
وتخدم هذه الضبابية مصلحة ترامب سياسيًا، إذ تساعده على الحفاظ على هيمنته على الحركة، حتى مع بدء تشكل معركة الخلافة.
فالرئيس معروف بحساسيته الشديدة تجاه أي شخصية، حليفة كانت أم منافسة، قد تستحوذ على الأضواء أو تهيمن على المشهد الإعلامي، وهو ما سيحدث حتمًا مع أي مرشح جمهوري بارز في المستقبل.
وفي المحصلة، قد تتحول الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لعام 2028 إلى استفتاء فعلي على معنى "ماغا" بعد ترامب: هل تبقى حركة شعبوية صدامية بقيادة جي دي فانس، أم تتجه نحو صيغة أكثر انضباطًا وانفتاحًا نسبيًا على العمل الدولي بقيادة ماركو روبيو؟
حتى الآن، يظل فانس في موقع الأوفر حظًا، لكن عدداً من الأسئلة الأساسية لا يزال مفتوحًا، كما يقول كايل كونديك من "مركز السياسة" في جامعة فيرجينيا: "هل يتمتع فانس بالقوة الكافية لدى ناخبي ترامب لردع الآخرين عن الترشح؟ متى سيعلن ترشحه؟ والأهم من ذلك، كيف سيتفاعل ترامب مع ذلك؟"
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة