تواجه حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي اختبارا مبكرا في علاقتها مع دول الخليج، بعد إعلان السعودية والإمارات تعرضهما لهجمات بطائرات مسيّرة قالتا إنها انطلقت من الأراضي العراقية.
وبينما تحقق بغداد في مصدر الهجمات، تعيد الأزمة إلى الواجهة السؤال حول ما إذا كانت الحكومة العراقية الجديدة قادرة على ضبط الفصائل المسلحة الموالية لطهران ومنع استخدام أراضي البلاد في صراعات المنطقة.
وقال مصدر في مكتب رئيس الحكومة العراقية، في تصريح لـ”الحرة”، إن دول الخليج أصبحت تنظر بقلق متزايد إلى العراق بسبب وجود فصائل مسلحة موالية لإيران تمتلك طائرات مسيرة وصواريخ قادرة على الوصول إلى أراضيها.
وأضاف المصدر إن بعض الدول الخليجية لم تعد تتواصل مع الحكومة العراقية الحالية على مستوى كبار المسؤولين، بسبب عدم التوصل إلى نتائج واضحة في التحقيقات التي أعلنت بغداد فتحها حول الهجمات.
وقالت الإمارات، الاربعاء، إن طائرات مسيرة انطلقت من العراق واستهدفت محطة براكة النووية، داعية بغداد إلى منع انطلاق أي أعمال عدائية من أراضيه “بشكل عاجل دون قيد أو شرط”.
وكانت السعودية قد أعلنت في وقت سابق أنها اعترضت ثلاث طائرات مسيرة قادمة من المجال الجوي العراقي، وإنها ستتخذ أي إجراءات ضرورية ردا على محاولات انتهاك سيادتها وأمنها.
وكشف مسؤول عراقي بارز التقى به مراسل “الحرة” في بغداد أن رسائل خليجية وصلت إلى العراق عبر قنوات رسمية وغير رسمية، تضمنت تحذيرا من احتمال تعليق عمل البعثات الدبلوماسية الخليجية في بغداد إذا استمرت الهجمات أو إذا لم تتم محاسبة الجهات المسؤولة عنها.
وأضاف المسؤول، الذي شغل مناصب رفيعة خلال السنوات الماضية ويحتفظ بعلاقات مستمرة مع قادة خليجيين، أن انسحاب البعثات الخليجية قد يتحول إلى قطيعة مؤقتة أو حتى طويلة الأمد، وهو ما تخشاه حكومة الزيدي التي تحاول إقناع السعودية والإمارات بأنها جادة في التعامل مع هذا الملف.
و قال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ، الخميس، على منصة “إكس” إنه أصدر توجيهات بكشف ملابسات “الاعتداءات الإجرامية” على السعودية والإمارات، داعيا لأهمية أن “يكون التحقيق مشتركًا.. بهدف الاطلاع على جميع الأدلة وما يثبت استخدام الأراضي العراقية في الاعتداءين، من أجل اتخاذ الإجراءات الأمنية والقانونية كافة بحق المتورطين”.
وفي وقت تؤكد فيه الرياض وأبوظبي أن الهجمات انطلقت من العراق، تنفي أطراف عراقية وجود أدلة حاسمة تثبت ذلك حتى الآن.
يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، ياسر إسكندر وتوت، إن السعودية والإمارات لم ترسلا حتى الآن معلومات رسمية تثبت أن الطائرات المسيرة انطلقت من العراق.
وأضاف وتوت في حديثه لـ”الحرة” أن بغداد تنتظر نتائج التحقيقات الجارية، مع ضرورة وجود تعاون مباشر مع الدولتين المستهدفتين قبل اتخاذ أي قرارات نهائية. وأكد أيضا وجود قرار حكومي بالتعامل بحزم مع أي جهة تحاول خلط الأوراق أو زعزعة الأمن، سواء كانت ضمن مؤسسات الدولة أو خارجها.
وكان مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، قال في مقابلة سابقة مع “الحرة” إن دول الخليج تحدثت مرارا عن تعرضها لضربات من الأراضي العراقية خلال فترة الحرب الاخيرة بين واشنطن وطهران، لكنها لم تقدم دليلاً واضحاً يثبت ذلك.
هذا الجدل فتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل العلاقة مع الخليج، وحول قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ وعودها المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة ومنع الفصائل المسلحة من التحرك خارج إطار المؤسسات الرسمية.
رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري يرى أن هذه الهجمات تمثل تحديا مباشرا لرئيس الوزراء علي الزيدي. ويقول إن الرسالة من وراء الاستهداف واضحة، وهي إحراج الحكومة الجديدة ومنعها من بناء علاقات متميزة مع دول الخليج.
ويضيف الشمري لـ”الحرة” أن ما جرى يمثل أيضا ردا مباشرا على إعلان الزيدي عزمه العمل على حصر السلاح بيد الدولة. ويوضح أن بعض الفصائل المسلحة تحاول إثبات أنها لا تزال صاحبة القرار الحقيقي فيما يتعلق بالحرب والسلم داخل العراق.
ويرى الشمري أن الأزمة لا تتعلق بالعراق وحده، وإنما ترتبط أيضا بالصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ويقول إن استهداف السعودية والإمارات من الأراضي العراقية يحمل رسالة مفادها أن إيران لا تزال تستخدم حلفاءها وأذرعها المسلحة كأوراق ضغط ضد دول الخليج والولايات المتحدة.
وتوجد في العراق جماعات مسلحة قوية مدعومة من إيران تبنت هجمات ضد مصالح أميركية ودول مجاورة خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران.
وعلى الرغم من تراجع الأعمال القتالية في الصراع الإيراني إلى حد بعيد منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل الماضي، جرى تسجيل عدة هجمات بطائرات مسيرة بإتجاه دول الخليج، بما في ذلك السعودية الإمارات والكويت.
في المقابل، تتزايد في الخليج الأصوات المطالبة بموقف أكثر صرامة تجاه العراق إذا استمرت الهجمات.
الباحث السياسي والأكاديمي الكويتي، عايد المناع، يرى أن الحكومة العراقية تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي هجمات تنطلق من أراضيها.
ويضيف المناع لـ”الحرة” أن من حق الدول التي تعرضت للهجمات أن تدافع عن نفسها وأن تتعامل بحزم مع الجماعات التي تتحرك بأوامر من الحرس الثوري الإيراني. ويرى أن الحكومة العراقية إذا كانت غير قادرة على السيطرة على الوضع، فعليها أن تعلن ذلك بشكل واضح أمام الجميع.
ويقول المناع إن علي الزيدي يحظى بقبول داخلي وخارجي، لكن المطلوب منه الآن هو الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، عبر إنهاء ظاهرة الجماعات المسلحة وفرض سيطرة الدولة على الوضع الأمني ومنع أي تجاوزات تجاه دول الجوار.
ويحذر القبيبان من أن استمرار الهجمات، أو استمرار ما وصفه بحالة التراخي، قد يدفع العلاقة بين بغداد والعواصم الخليجية إلى مزيد من التوتر، رغم وجود قنوات تعاون مع حكومة الزيدي للحد من هذه العمليات.
لكن الأزمة، في جوهرها، تتجاوز التحقيق في مسار الطائرات المسيّرة. فهي تضع حكومة الزيدي أمام امتحان أصعب: إما أن تقنع دول الخليج بأن الدولة العراقية قادرة على ضبط أراضيها ومجالها الجوي، أو أن تجد بغداد نفسها مرة أخرى في موقع المتهم بالعجز عن منع الفصائل المسلحة من جر العراق إلى صراعات لا يملك قرارها.
المصدر:
الحرة