اتهمت السلطات الأمريكية كاسترو بالتورط في جريمة قتل والتآمر لقتل أمريكيين، إضافة إلى تدمير الطائرتين اللتين كان يقودهما طيارون معارضون للحكومة الكوبية.
وكاسترو هو شقيق الزعيم الراحل فيدل كاسترو، وأحد أبرز وجوه الثورة الشيوعية التي وصلت إلى السلطة عام 1959، ولا يزال يحتفظ بنفوذ واسع داخل كوبا رغم خروجه من الحكم.
وقال وزير العدل الأمريكي تود بلانش ، في معرض إعلانه تفاصيل القضية خلال مؤتمر صحافي في ميامي: "نتوقع منه أن يمثل أمام المحكمة طوعاً أو بطريقة أخرى، وأن يقبع في السجن".
وقد شملت القضية توجيه اتهامات إلى خمسة كوبيين آخرين، بينهم طيارون في القوات الجوية الكوبية شاركوا في إسقاط الطائرتين.
في المقابل، رفضت كوبا الاتهامات الأمريكية بشكل قاطع، إذ وصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الخطوة بأنها "بلا أي أساس قانوني"، وكتب عبر منصة إكس أن الاتهامات تهدف إلى "إضافة المزيد إلى الملف الذي يختلقونه لتبرير حماقة العدوان العسكري على كوبا".
من جهتها، أكدت الحكومة الكوبية، في بيان رسمي، أن إسقاط الطائرتين عام 1996 كان عملاً من أعمال "الدفاع المشروع عن النفس" بعد انتهاك المجال الجوي الكوبي.
قد لا تكون لائحة الاتهام الأمريكية الموجهة إلى كاسترو مجرد خطوة، بل تطوراً قد يدفع العلاقات المتوترة أصلاً بين واشنطن وهافانا إلى حافة مواجهة مفتوحة، فبحسب محللين ودبلوماسيين أمريكيين سابقين، تكمن خطورة هذه الخطوة في أنها تستهدف الشخصية الأكثر رمزية داخل النظام الكوبي، بما قد يُغلق ما تبقى من قنوات التواصل السياسي بين الطرفين.
وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق ريكاردو زونيغا، الذي شارك سابقاً في المفاوضات السرية بين إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وكوبا، لشبكة CNN إن استخدام لائحة الاتهام كوسيلة ضغط على الحكومة الكوبية قد يأتي بنتائج عكسية.
وحذّر من أن "الإحباط لدى كلا الجانبين قد يؤدي في نهاية المطاف إلى صراع"، خصوصاً مع قيام واشنطن، وفق تعبيره، بقطع قنوات الاتصال مع هافانا عبر هذه الخطوة. وتزداد حساسية المسألة لأن كوبا لا تنظر إلى كاسترو باعتباره رئيساً سابقاً فحسب، بل بوصفه "التجسيد الحي للثورة"، على حد وصف زونيغا.
فرغم تقدمه في السن وتقاعده الرسمي، لا يزال الرجل يحتفظ بنفوذ واسع داخل المؤسسة العسكرية والحزب الشيوعي، فيما جرى اختيار كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين بعناية من قبله ومن قبل خليفته الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل.
لذلك، فإن أي تحرك أمريكي ضده قد يُنظر إليه داخل الجزيرة على أنه استهداف مباشر للنظام بأكمله، وليس لشخص واحد فقط، ما يرفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة.
تتزايد الضغوط الأمريكية على هافانا بوتيرة متسارعة وعلى أكثر من مستوى، فالعقوبات الاقتصادية والحصار النفطي اللذان فرضتهما إدارة ترامب ، دفعا كوبا إلى حافة أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة، وسط نقص حاد في المواد الأساسية والغذاء والدواء، وانقطاع متكرر للكهرباء أثار احتجاجات متفرقة داخل البلاد.
كما صعّدت واشنطن إجراءاتها عبر فرض جولات جديدة من العقوبات على مسؤولين كوبيين، في وقت حملت فيه الزيارة الاستثنائية لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى هافانا، وسط أجواء شديدة التوتر، رسائل تحذير مباشرة إلى القيادة الكوبية بأن هامش التنازلات يضيق سريعاً، وأن الولايات المتحدة قد تتجه إلى خيارات أكثر تشدداً في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، تنظر هافانا إلى هذا التصعيد باعتباره تهديداً وجودياً للنظام الذي صمد لأكثر من ستة عقود في مواجهة الحصار والعقوبات الأمريكية. ولهذا، يكرر مسؤولون كوبيون أن البلاد لن تتخلى عن السلطة "من دون إطلاق رصاصة واحدة"، فيما لا يزال شعار "الوطن أو الموت" حاضراً في الخطاب الرسمي باعتباره تعبيراً عن الاستعداد للمواجهة مهما بلغت كلفتها.
تتزايد المخاوف من أن تمهّد لائحة الاتهام بحق كاسترو لتحرك أمريكي أوسع يستهدف اعتقاله أو تسليمه، على غرار الضغوط التي مورست سابقاً على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو .
لكن السيناريو الكوبي يبدو، وفق مراقبين، أكثر تعقيداً وخطورة من الحالة الفنزويلية، نظراً إلى طبيعة المؤسسة العسكرية الكوبية وارتباطها التاريخي بعائلة كاسترو، فضلاً عن استعداد أنصار النظام لخوض مواجهة مفتوحة بدل تقديم تنازلات سياسية.
وتشير المعطيات إلى أن الجيش الكوبي بدأ بالفعل التحضير لاحتمال وقوع هجوم أمريكي، عبر تنظيم مناورات عسكرية واسعة وتحذير السكان من ضرورة الاستعداد لأي تصعيد.
كما لوّح الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل علناً بأن أي قوة غازية ستواجه "حمام دم"، في واحدة من أكثر التصريحات حدة منذ سنوات.
ومع تآكل قنوات التواصل الدبلوماسي وتصاعد الخطاب التصعيدي، تبدو العلاقة بين واشنطن وهافانا أقرب من أي وقت مضى إلى حافة انفجار قد تندلع شرارته في أي لحظة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة