على مدى عقود، بقي الحديث عن سلام محتمل مع إسرائيل محاطاً بحساسيات سياسية وطائفية وشعبية في لبنان، لكن الحرب بين إسرائيل وحزب الله كسرت الـ”تابو”، ودفعت بشريحة من المجتمع إلى إعادة النظر في مسلمات بدت ثابتة لسنوات طويلة.
هذا التحول ظهر بوضوح في استطلاع أجرته “الدولية للمعلومات”، أظهر ارتفاع نسبة المؤيدين لاتفاق سلام مع إسرائيل من 25 في المئة في أغسطس 2025 إلى نحو 49 في المئة اليوم. كما ارتفعت نسبة المؤيدين للتطبيع من 13.2 في المئة إلى أكثر من 30 في المئة خلال أقل من عام.
الاستطلاع الذي أجري وجهاً لوجه بين 28 أبريل و5 مايو 2026، شمل ألفي شخص توزعوا بشكل تناسبي على مختلف المناطق والطوائف، بهامش خطأ بلغ 3.2 في المئة، فيما وصلت نسبة الرافضين للمشاركة إلى 26 في المئة.
وأظهرت النتائج تفاوتاً واضحاً بين الطوائف. فقد بدت الطائفة الدرزية الأكثر تأييداً للتفاوض المباشر والتطبيع وافتتاح سفارة إسرائيلية في بيروت، فيما سجلت الطوائف المسيحية، ولا سيما الموارنة والأرثوذكس، مستويات مرتفعة نسبياً من تأييد التفاوض المباشر.
كما أبدى نحو نصف المستطلعين السنّة تأييداً لهذا الخيار، وإن ظلّت نسبة تتجاوز النصف تعارض أيّ تواصل مباشر بين رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في المقابل، بلغت نسبة الشيعة الذين عارضوا التفاوض المباشر 92.9 في المئة، وارتفعت إلى 94.3 في المئة عند الحديث عن التطبيع، وإلى 96 في المئة عند طرح فكرة افتتاح سفارة إسرائيلية في بيروت.
رغم التفاوت الواضح بين الطوائف، يرى معدّو الاستطلاع أن اختزال النتائج في بعدها الطائفي وحده يبقى قراءة ناقصة.
يقول رئيس “الدولية للمعلومات” جواد عدره إن الدراسات التي تجريها المؤسسة تأتي في إطار ما يصفه بـ”الخدمة العامة” التي تؤديها منذ تأسيسها عام 1995، مؤكداً أنها لا تتلقى دعماً من أي جهة.
ويشرح عدره لموقع “الحرة” أن الاستطلاع هدف إلى “فهم اتجاهات الرأي العام اللبناني خلال الحرب الحالية، والهواجس التي تتنامى داخل المجتمع، ولا سيما الخوف من الشغب والقلاقل الداخلية، إضافة إلى فتح نقاش حول الحاجة إلى نظام سياسي جديد غير الذي أوصل البلاد إلى هذا الواقع”.
ويشير عدره إلى أن الانقسام في المواقف لا يرتبط فقط بالانتماء الطائفي، بل أيضاً بالقناعات السياسية، مشدداً على أن قراءة النتائج تحتاج إلى تفكيك أدق داخل الطوائف نفسها، قائلاً إنه “السنّة على سبيل المثال ليسوا كتلة واحدة. سنّة صيدا ليسوا كسنّة بيروت أو طرابلس”.
وفي مقابل هذا الانقسام، برزت أيضاً نقاط تقارب بين اللبنانيين، أبرزها وفق عدره “رفض إقامة سفارة إسرائيلية في بيروت، والاعتقاد بوجود أطماع إسرائيلية في لبنان، إضافة إلى اقتناع شريحة واسعة بأن إسرائيل كانت ستواصل استهداف لبنان حتى من دون الهجمات الصاروخية الأخيرة لحزب الله”.
ربما كانت النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام تلك المتعلقة بالعمر. فبعكس الصورة الشائعة، أظهرت الدراسة أن الأجيال الأصغر سناً بدت أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، فيما ارتفعت نسب تأييد السلام لدى الفئات الأكبر سناً.
ويوضح عدره أن “وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً أساسياً في هذا الأمر، بسبب التدفق اليومي لصور الحرب والدمار، وهو ما يدفع الشباب إلى التفاعل بصورة أكثر حدّة مع الصراع”. في المقابل، تبدو الأجيال الأكبر سناً (من 40 إلى 70 سنة) أكثر ميلاً إلى البحث عن أي مخرج يوقف دوامة الحروب المتكررة، ويقول عدره إنهم كانوا يختصرون موقفهم بعد انتهاء المقابلات بجملة واحدة “تعبنا… لم نعد قادرين على التحمّل”.
على المستوى الشعبي، تقول نسرين (35 سنة) من بيروت، إنها تؤيد السلام لأنه، برأيها، “السبيل الوحيد لوقف الحرب والقصف اليومي، وإعادة الناس إلى حياتهم الطبيعية، واستعادة شعورهم بالأمان والاستقرار” مؤكدة في الوقت نفسه أن ذلك “لا يعني بالضرورة إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل”.
أما هناء (44 سنة) من بشامون، فتذهب أبعد من ذلك، إذ تعلن تأييدها ليس فقط للسلام، بل أيضاً للتطبيع. وتقول إن “من غير المنطقي أن يبقى لبنان في حالة عداء دائمة مع دولة جارة”.
وتعتبر أن لبنان “دفع أثماناً هائلة نتيجة الحروب المتكررة”، مشيرة إلى أن إقامة علاقات طبيعية ستفتح الباب أمام استقرار على المستويين الاقتصادي والأمني.
على هذا النحو، ينظر جزء من اللبنانيين المؤيدين للسلام والتطبيع إلى الأمر، باعتباره مخرجاً من دوامة الحروب والانهيار والخوف المستمر. لكن في المقابل، لا يزال هناك من يرفض الفكرتين معاً، سواء السلام أو التطبيع، فيما يرى آخرون أن الحديث عن السلام في ظل استمرار الحرب يبدو أقرب إلى “استسلام مفروض بالقوة”، لا إلى خيار سياسي حر.
التحول السريع في المواقف يعود، كما يرى الكاتب والباحث السياسي جان الفغالي، إلى “الخسائر الضخمة التي تكبدها لبنان في حربين متتاليتين منذ أكتوبر 2023”.
يعتبر الفغالي، في حديث لموقع “الحرة”، أن شريحة واسعة من اللبنانيين باتت مقتنعة بأن “هذه الحروب خاسرة ولا بد من السلام”، مشيراً إلى أن المفاوضات الجارية مع إسرائيل ساهمت في كسر “التابو” المرتبط بفكرة السلام، ولافتاً إلى أن “نسبة لا بأس بها من اللبنانيين تؤيد التفاوض، بدليل أن ردات الفعل الشعبية بقيت خجولة جداً”.
وعن كيفية تعامل القوى الرافضة للتطبيع، وفي مقدمها حزب الله، مع هذا التحول، يقول الفغالي إن الرفض حتى الآن لا يتجاوز السقف السياسي والإعلامي، مستبعداً أن يتحوّل إلى ما هو أبعد من “الاعتراض الكلامي”، مضيفاً إن الحزب “يواجه اليوم خصومة من مختلف مكونات الشعب اللبناني”.
ولا تعني نتائج الاستطلاع انقلاباً كاملاً في المزاج الشعبي اللبناني، لكنها تعكس بوضوح حجم الإرهاق الذي وصل إليه اللبنانيون، إلى درجة جعلت ما كان يُعتبر قبل سنوات أمراً مستحيلاً للنقاش، مطروحاً اليوم على طاولة المفاوضات وفي النقاشات العامة وبين الناس.
المصدر:
الحرة