آخر الأخبار

هآرتس: شركات إسرائيلية تحوّل ستارلينك إلى خريطة تجسّس

شارك

في تحقيق نشرته صحيفة هآرتس ، كشف الصحفي الإسرائيلي عمر بن يعقوب عن تطور جديد في سوق المراقبة الإسرائيلية، يتمثل في قدرة شركات خاصة على تعقّب مستخدمي خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ستارلينك التابعة لإيلون ماسك، ومحاولة تحديد مواقعهم وكشف هوياتهم.

وتنبع أهمية التحقيق من خلفية كاتبه؛ فبن يعقوب من أبرز صحفيي هآرتس المتخصصين في الأمن السيبراني والتضليل الرقمي وصناعة التجسس الإسرائيلية، وسبق أن تابع ملفات مرتبطة ببرنامج التجسس الشهير "بيغاسوس" واستخدام بيانات الإعلانات التجارية في العمل الاستخباراتي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 توماس فريدمان مستغيثا بالناتو: هرمز مهدد وترمب بلا إستراتيجية
* list 2 of 2 "التغلغل الإسلامي" بفرنسا.. قانون يرفضه اليمين واليسار end of list

لذلك لا يتعامل التحقيق مع ستارلينك بوصفها خدمة إنترنت فضائي فقط، بل باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الاتصال الحر والمراقبة العابرة للحدود.

اتصال خارج السيطرة

ويشير تحقيق هآرتس إلى أن ستارلينك تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بنية اتصال حيوية في مناطق الحرب والاحتجاجات؛ فهي لا تعتمد على شبكات الاتصالات الوطنية، وتتيح الوصول إلى الإنترنت في المناطق المعزولة أو الخاضعة لقطع متكرر للخدمة، لذلك برز استخدامها في أوكرانيا، وبين متظاهرين في إيران، ولدى منظمات إغاثة تعمل في مناطق نائية، بما في ذلك غزة، وهو ما جعل من ستارلينك أداة للقوة الناعمة للولايات المتحدة في الصراعات الجيوسياسية.

مصدر الصورة

لكن هذه الميزة نفسها جعلتها هدفًا لأجهزة الاستخبارات وشركات الأمن الخاصة، فالخدمة التي تمنح المستخدم اتصالًا خارج رقابة الدولة تفتح، في المقابل، شهية الشركات الأمنية لإعادته إلى "الخريطة": أين يوجد؟ من يستخدم الجهاز؟ وكم هاتفًا أو حاسوبًا يتصل عبره؟

وتنقل هآرتس تحذير دونكا أ-كاربيل، مدير قسم التكنولوجيا في منظمة العفو الدولية، من أن هذه القدرات تهدد "قناة الاتصال الأخيرة التي يملكها المواطنون الذين يعيشون في ظل أنظمة ديكتاتورية أو مناطق حرب لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وطلب المساعدة، وإخبار العالم بما يحدث".

إعلان

وبهذا ينقل تحقيق هآرتس القضية من مستوى تقني إلى مستوى حقوقي، فمراقبة ستارلينك لا تستهدف بالضرورة مهربين أو جماعات مسلحة فقط -بحسب مزاعم الشركات الإسرائيلية التي تسوق لاختراق الخدمة وتتبعها- بل قد تطال صحفيين ونشطاء ومدنيين في لحظات الخطر.

شركات بواجهة أمنية

ويركز تحقيق هآرتس على شركتين إسرائيليتين، الأولى هي TargeTeam، وهي شركة إسرائيلية مسجلة في قبرص، طورت بحسب وثائق داخلية نظامًا باسم Stargetz. ويدّعي النظام أنه قادر على رسم خريطة لمحطات ستارلينك النشطة، ومراقبة عدد الأجهزة المتصلة بها، ومحاولة كشف هوية المستخدمين عبر أرقام الهواتف أو الحسابات الرقمية.

وتشير الصحيفة إلى أن رواد الأعمال خلف TargeTeam إسرائيليون عملوا سابقًا في شركات مثل Rayzone وCognyte وUTX، وهذه الخلفية ليست تفصيلًا هامشيًا؛ فهآرتس سبق أن كشفت أن UTX، التي تتخذ من قبرص مقرًا لها، باعت معدات مراقبة وتجسس جماعية متقدمة لحكومة بنغلاديش.

مصدر الصورة خريطة على موقع شركة TargeTeam الإسرائيلية حول محطات ستارلينك (صحيفة هآرتس)

وبهذا المعنى، لا تظهر TargeTeam كشركة ناشئة تدخل سوقًا جديدًا، ولكن كامتداد لبيئة أعمال إسرائيلية راكمت خبرة في المراقبة والتجسس وتحليل البيانات واعتراض الاتصالات.

أما الشركة الثانية فهي Rayzone، المعروفة في مجال ما يسمى استخبارات الإعلانات، أي استخدام بيانات تجارية وإعلانية لأغراض استخباراتية. وبحسب هآرتس، تسوّق Rayzone قدرة مشابهة لتتبع مستخدمي ستارلينك ضمن حزمة أدوات أوسع، بينها منتجات لتحليل البيانات الضخمة وكشف هوية المستخدمين.

وتخضع مبيعات Rayzone لإشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية، بينما لا تخضع مبيعات TargeTeam للرقابة نفسها وفق ما يورده التحقيق.

آلية التجسس

تقنيًا، لا تقول هآرتس إن هذه الأنظمة تخترق شبكة ستارلينك أو تعترض محتوى الاتصالات، لكن الخطر هنا أكثر هدوءًا وتعقيدًا، لأنه يقوم على دمج البيانات لا على الاختراق المباشر.

فتجمع هذه الأنظمة طبقات مختلفة من المعلومات من مواقع المحطات الطرفية، عدد الأجهزة المتصلة بها، بيانات الهواتف، معرّفات الإعلانات التي تستخدمها غوغل وآبل ، وربما الحسابات الرقمية أو أرقام الهواتف المرتبطة بالمستخدمين. وبعد ذلك تقوم الخوارزميات بربط هذه المعطيات لإنتاج صورة أمنية: أين توجد محطة ستارلينك؟ من يتصل بها؟ وهل يمكن ربط أحد الأجهزة بشخص محدد؟

ويلخص أحد مندوبي المبيعات هذا المنطق بقوله: "الأمر لا يتعلق بمصدر واحد، ولا بجهاز استشعار واحد، بل بربط طبقات متعددة من المعلومات". ومن هنا يفهم الجيل الجديد من المراقبة؛ فلم يعد التجسس يحتاج دائمًا إلى زرع برنامج داخل الهاتف، بل يمكن إنتاجه من آثار الاستخدام اليومي.

وفي عرض تسويقي آخر، قال مندوب مبيعات: "يمكن للسفينة أن تختبئ، لكن الطاقم لا يزال بحاجة إلى المتابعة الإخبارية وتطبيق تيك توك ". ويكشف تحقيق هآرتس المنطق التجاري والأمني للشركات، فحتى عندما يختفي الهدف ماديًا، يبقى سلوكه الرقمي قابلًا للتتبع.

مصدر الصورة محطة طرفية لستارلينك في أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا (رويترز)

أرقام صادمة

وبحسب العرض الذي اطّلعت عليه هآرتس، كان نظام Stargetz يراقب نحو مليون محطة طرفية لستارلينك، أي نحو 11% من إجمالي المحطات النشطة، وكانت هذه المحطات توفر الاتصال لنحو 5.5 ملايين جهاز.

إعلان

ومن بين هذه الأجهزة، جرى كشف هوية نحو 200 ألف جهاز، مع إشارة الصحيفة إلى أنها لم تتمكن من التحقق المستقل من هذه البيانات.

وقال أ-كاربيل، الباحث في انتهاكات حقوق الإنسان باستخدام التكنولوجيا في منظمة العفو الدولية: "من المقلق للغاية أن يتم تتبع الأجهزة باستخدام بيانات تجارية مخصصة لأغراض إعلانية"، وأضاف: "يستمر قطاع الإعلانات الرقمية في جمع وإنتاج وبيع كميات هائلة من بيانات الموقع وغيرها من المعلومات الحساسة، مما يعرضنا جميعًا -صحفيين ونشطاء ومستخدمين عاديين- للمراقبة من قبل جهات حكومية، ويجعلنا هدفًا للمجرمين الإلكترونيين".

ويكشف التحقيق أن ستارلينك، التي قُدمت كإنترنت حر يتجاوز رقابة الدول، تدخل اليوم سوقًا معاكسًا: سوق تحويل الاتصال الحر إلى خريطة أمنية، والخطر لا يكمن فقط في قدرة إسرائيلية جديدة، بل في نموذج عالمي تتقاطع فيه شركات الأمن مع اقتصاد الإعلانات والبيانات الضخمة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا