بغداد- أثار تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بشأن وجود قاعدة إسرائيلية سرية في صحراء العراق موجة جدل واسعة في الشارع العراقي، وسط حالة من القلق والتساؤلات بشأن حقيقة ما يجري في المناطق الصحراوية الممتدة بين الأنبار و كربلاء و النجف، في ظل استمرار التوترات الإقليمية التي انعكست على العراق خلال الأشهر الماضية.
وفي مقاهي بغداد وشوارعها، انشغل كثير من العراقيين بتداول تفاصيل التقرير الذي تحدث عن قاعدة عسكرية إسرائيلية أُنشئت في منطقة صحراوية غربي البلاد، واستخدمت -بحسب الصحيفة- خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران لأغراض لوجستية وعسكرية.
ويقول حسن كريم (30 عاما) للجزيرة نت، إن العراقيين باتوا يشعرون بأن البلاد مكشوفة أمنيا أمام الصراعات الإقليمية، مضيفا أن الحديث عن وجود تحركات عسكرية أجنبية داخل الأراضي العراقية لم يعد مستبعدا بالنسبة للكثيرين، موضحا أن العراقيين يطالبون السلطات الحكومية بمعرفة الحقيقة، لأن الحديث يتعلق بالسيادة العراقية وبأمن البلد.
وكانت صحيفة وول ستريت جورنال كشفت في تقريرها، أن موقع القاعدة السرية يقع في منطقة صحراوية بين النخيب والنجف، وكاد يُكشف في مارس/آذار الماضي بعد تحرك قوة عراقية نحو المنطقة إثر معلومات عن نشاط مريب وطائرات مروحية، قبل أن تتعرض تلك القوة لاشتباك مدعوم بغطاء جوي، ما أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
قال الصحفي أحمد مؤيد للجزيرة نت إن الحديث عن وجود قاعدة إسرائيلية في الصحراء لا يثير الاستغراب، في ظل ما وصفه بـ"اهتزاز السيادة العراقية" عقب الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وأضاف أن الحرب كشفت حجم الخروقات التي تطال الأجواء والحدود العراقية، معتبرا أن حكومة تصريف الأعمال مطالبة بإصدار توضيح رسمي للرأي العام بشأن صحة هذه المعلومات، سواء بالتأكيد أو النفي.
وأشار في السياق ذاته إلى أن ملف السيادة العراقية سيكون من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة، في ظل استمرار تأثير الصراعات الإقليمية على الوضع الأمني داخل العراق.
من جهته، قال المحلل السياسي نجم القصاب إن المعلومات المتداولة تشير إلى حدوث إنزال عسكري في منطقة تقع بين النخيب وكربلاء، على بعد نحو 250 كيلومترا من النخيب، و50 كيلومترا من كربلاء، معتبرا أن ذلك يمثل خرقا واضحا للسيادة العراقية وللمنظومة الأمنية.
وأضاف القصاب أن غياب أي بيان حكومي تفصيلي منذ انتشار التقرير فتح الباب أمام التكهنات، مشيرا إلى أن مثل هذه الحوادث تعكس "ضعف هيبة الدولة العراقية"، بحسب وصفه.
وفي أول رد رسمي موسع، نفى رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن لوسائل الإعلام، وجود أي قاعدة عسكرية في منطقة النخيب، مؤكدا أن القوات العراقية تواصل تنفيذ عمليات تفتيش وتمشيط مستمرة في جميع قواطع العمليات، من دون وجود أي فراغ أمني داخل الأراضي العراقية.
وقال معن، إن تحديد هوية القوة التي وجدت في منطقة النخيب "غير ممكن ما لم تُجرَ تحقيقات دقيقة"، موضحا أن تلك القوة لم تكن نظامية وغير مرخصة. وأضاف أن الحادثة التي أُعيد تداولها تعود إلى الخامس من مارس/آذار 2026، إذ اشتبكت قوة عراقية حينها مع مجموعة مسلحة مجهولة كانت مدعومة بغطاء جوي.
وكان الاشتباك قد أسفر عن مقتل عنصر أمني وإصابة اثنين آخرين، حسب المتحدث ذاته، وأن القوات الأمنية نفذت لاحقا عمليات تفتيش وتمشيط واسعة في المناطق الصحراوية، من دون العثور على أي قوات أجنبية أو معدات أو جماعات غير مرخصة.
فيما تنفي القوات العراقية وجود قاعدة إسرائيلية على أراضي البلاد، تعتزم لجنة الأمن والدفاع البرلمانية استضافة القادة الأمنيين للبحث بشأن التحقيق في هذه المزاعم.
وأكد عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي كريم عليوي للجزيرة نت، أن المعلومات المتوفرة تفيد بأن تلك القوة التي كانت موجودة على الأراضي العراقية استُخدمت في تنفيذ هجمات ضد إيران خلال الحرب الأخيرة.
واستدرك أن توجيه اتهام إلى أي طرف يحتاج إلى أدلة واضحة، لذلك ننتظر اللجنة نتائج التحقيقات لمعرفة حقيقة ما جرى. ودعا الحكومة الجديدة التي يعتزم مجلس النواب التصويت عليها قريبا إلى القيام بدورها في حماية السيادة الوطنية.
ورغم التوضيح الرسمي، ما تزال القضية تثير نقاشا واسعا في الأوساط الشعبية والسياسية، خاصة مع حساسية المناطق الصحراوية الغربية التي ظلت لسنوات إحدى أبرز الثغرات الأمنية في العراق، بسبب اتساعها الجغرافي وقربها من الحدود الإقليمية.
وخلال السنوات الماضية، نفذت القوات العراقية عشرات عمليات التمشيط في صحراء الأنبار والمناطق المحيطة بالنخيب، لملاحقة عناصر تنظيم الدولة ومنع أي تحركات مسلحة عبر الحدود، إلا أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران أعادت المخاوف من تحول العراق مجددا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة