غزة- من جيبه الداخلي، أخرج المؤرخ الفلسطيني مجدي العايدي محفظة بنّية صغيرة، وأخذ يفتش داخلها بحذر، كمن يبحث عن شيء أثمن من المال والوثائق، وبعد لحظات، رفع بين أصابعه ذاكرة إلكترونية قديمة تجاوز عمرها 12 عاماً.
في الذاكرة يحتفظ العايدي (58 عاماً) بأكثر من 5 آلاف صورة من تاريخ فلسطين قبل النكبة وخلالها وبعدها: قرى ووجوه وطرق هجرة وخيام وحكايات ظل يجمعها صورة صورة.
ويقول -للجزيرة نت- إن الذاكرة رافقته طوال عامين ونصف من حرب الإبادة؛ في النزوح والخوف والتنقل، بينما احترقت مكتبته التي ضمت آلاف الكتب خلال الحرب، ويؤكد عزمه مواصلة مشواره في البحث والتوثيق لأدق تفاصيل حياة الفلسطيني.
كان يمسكها بحرص الأب على ابنه، ثم قال بابتسامة خفيفة: "هذه مثل واحد من أبنائي، عمرها أكبر من عمر ابني، حتى وأنا في مدينة رفح، في أشد فترات الحرب ضراوة، كنت أتحقق من صلاحيتها". وأضاف الجملة التي تختصر علاقته كلها بهذا الأرشيف: "عندي 4 أبناء؛ 3 من سلالة البشر، وواحد من سلالة العلم".
ذلك "الابن" لم يولد من فراغ، خرج من مكتبة ضمت نحو 6 آلاف كتاب، قضى بينها العايدي سنواته قارئاً ومحققاً وجامعاً للصور والشهادات، قبل أن يطالها القصف الإسرائيلي في حرب الإبادة التي بدأت عام 2023 واستمرت عامين، وتصير رفوفها المحترقة فصلاً آخر من الحكاية التي يحاول صاحبها إنقاذها من النسيان.
في تلك المكتبة، كان العايدي -اللاجئ بمخيم المغازي وسط قطاع غزة- يجالس كبار السن وكذلك الشهود الأوائل، يطلب منهم أن يعيدوا الطريق من بدايته: من أين خرجوا؟ إلى أين ساروا؟ أي بيت تركوا خلفهم؟ ولماذا اختارت العائلة هذه البلدة دون سواها بعد الهجرة؟ روايات متعبة، ومحمولة على ذاكرة شاخت مع أصحابها، يلتقطها، يدونها، ويبحث لها عن صورة أو وثيقة أو أثر يسندها.
ومن هناك أيضاً، مد خيوطه إلى الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948 ( فلسطينيو 48)، فكان يسأل عن صورة قديمة، أو تعليق على ظهر لقطة، أو وجه مجهول، أو مشهد من قرية بقي محفوظاً في ألبوم عائلة.
وبدأ العايدي من تتبع الأسماء، ثم قاده الاسم إلى البيت ومنه إلى القرية ومن ثم إلى السؤال الأوسع عن الأرض والاقتلاع والحياة التي سبقت النكبة. وكان لعمه، المولود عام 1895 وعاش 115 عاماً، أثر عميق في فتح هذا الباب أمامه؛ فقد وجد في ذاكرته الطويلة خيطاً يصل العائلة بالقرية وبالتاريخ الفلسطيني الأوسع.
في الأربعين من عمره، دخل علم الأنساب بجدية لدى الباحث، ومن هذه الرحلة خط كتابه الثاني "جذور العزة في بلاد غزة"، ثم اتسعت الدائرة من تثبيت النسب إلى توثيق الصورة التي صارت عنده دليلاً حياً على أن الفلسطينيين كانوا هنا، بأسمائهم وبيوتهم وأسواقهم ومشافيهم وطرقاتهم وحياتهم اليومية.
دعم والده مشروعه بكل ما استطاع، وسانده عمه في الأردن بما يملكه من معرفة واسعة بالقبائل والعشائر، فاشتد تعلقه بهذا العلم حتى ترك التجارة، ومضى خلف الأرشيف كمن يمضي خلف نداء شخصي.
ومنذ تلك اللحظة، صارت الموسوعة محاولة لاستعادة فلسطين من داخل التفاصيل، ويستعيد العايدي لحظة فارقة في بداياته قائلاً: "تعرفت على شخص في بلدة الطيبة بمنطقة المثلث الفلسطيني داخل الخط الأخضر، ومنحني ألف صورة من التغريبة الفلسطينية".
كانت تلك الصور دفعة كبيرة نحو مشروع سيأخذ من عمر العايدي سنوات طويلة، حيث يتعامل مع التوثيق كأمانة ثقيلة تبدأ من الكلمة؛ فهو يكتب المعلومة، ويعيد صياغتها، ويراجعها، ثم يفتح حولها دائرة من البحث والمقارنة.
وكل رواية شفوية تحتاج إلى سند، والصورة إلى سياق، وكل اسم يحتاج إلى ما يثبته في التاريخ. وحين يجد توافقاً يتجاوز 60% بين السرد الشفوي والمعطيات التاريخية والقرائن المتاحة، يقرب المعلومة من التوثيق، مع إبقائها مفتوحة للمراجعة متى ظهرت رواية أدق أو دليل أوضح.
وهو يقلب ملفاته، يقول: "الحكاية تُسمع بالقلب، وتُكتب بعين المحقق"، لذلك خاض دورات متخصصة في التحقيق، ويقول إنها أهلته لاجتياز مراحل متقدمة في هذا المجال، وصولاً إلى حصوله على المرتبة السادسة عبر المركز العلمي العالمي، وهي لجنة يقول إنها معتمدة من جامعة الدول العربية.
ويستعيد قاعدة أخذها عن المؤرخ المصري محمد سليمان الطيب: "التحقيق باليقين"، ويشرحها بقوله: "أكتب ما وصلت إليه اليوم، وأترك الباب مفتوحاً لما هو أدق غداً".
وتحتاج الصورة الواحدة في موسوعة العايدي إلى رحلة طويلة قبل أن تستقر في مكانها. ومن بين الصور التي يعتز بها، يتوقف عند اثنتين وصلتا إليه من عائلة غزية لقرية الجورة.
ويقول: "أعطتني عائلة صورتين نادرتين جداً لقرية الجورة، وفيهما تظهر شبكة صيد جدتهم. مثل هذه الصور تكشف حياة الناس، ومهنهم، وعلاقتهم بالبحر، وتفاصيل يومهم العادي قبل الاقتلاع".
وبعد الوصول إلى الصورة، تبدأ مرحلة الفحص؛ يدقق العايدي في مصدرها، وسياقها، وتفاصيلها البصرية، ويفحص احتمال التعديل عليها، ثم يقارنها بما يتوفر من روايات ومواد موثقة، وما يحصل عليه من مواقع أرشيفية معروفة يمر بالمسار نفسه، لأن الصورة عنده تحتاج إلى سند يحفظ معناها، ومكان واضح داخل الذاكرة الفلسطينية.
من بين آلاف الصور، يتوقف العايدي طويلاً عند صورة طه بيك، الضابط المصري الذي ارتبط اسمه بجبهة الفالوجة وقرية عراق المنشية (قرى فلسطينية مهجرة عام 1948).
وفي سرد العايدي، تتحول القريتان إلى آخر عتبة في حكاية السقوط، حيث بقي طه بيك في عراق المنشية، خط الدفاع الشرقي للفالوجة، محاصراً مع رجاله ومعه المختار خالد الطيطي، وسط مفاوضات وضغوط انتهت بإخراجهم في 24 فبراير/شباط 1949.
عند هذا التاريخ يتوقف العايدي طويلاً، ويعده "تاريخ النكبة الحقيقي"؛ ففيه خرج آخر المدافعين من عراق المنشية، ثم تبعهم آخر من بقي من أهلها، لتكتمل صورة الاقتلاع عسكرياً ومدنياً في آن واحد.
ثم ينتقل إلى الصورة الأشد وجعاً في الحكاية: بعد اقتحام العصابات الصهيونية عراق المنشية، أفرغت القرية من أهلها، ولم يبق فيها سوى رجل في السبعين من عمره وزوجته، غادرا القرية سيراً على الأقدام نحو مخيم العروب شمال الخليل.
في جيب مجدي العايدي، تسافر الموسوعة كما يسافر الناجون بأوراقهم الأخيرة. وفيما تبقى من مكتبته التي خرجت من الحريق، تعود الصور إلى الرفوف كأنها "عائدون صغار إلى قرى بعيدة".
وبين كتاب محترق و"فلاشة" (ذاكرة إلكترونية) يسميها، يحاول المؤرخ الفلسطيني أن يحرس ما تبقى من ذاكرة البلاد، منها الوجوه، والطرق، والقرى، والخيام الأولى، والأسماء التي تبحث عن مكانها في التاريخ.
هكذا تبدو موسوعته؛ أرشيفاً صغير الحجم واسع المعنى، نجا في جيب رجل آمن أن الصورة حين تُحفظ جيداً، تستطيع أن تمنح الغائبين فرصة أخرى للحضور.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة