تتقاطع في واشنطن أزمتان لم تعودا منفصلتين في حسابات الرئيس دونالد ترمب: حرب مع إيران لا يجد البيت الأبيض طريقا واضحا للخروج منها دون كلفة سياسية، وانتخابات تجديد نصفي تقترب في عام فترت فيه حماسة شريحة وازنة من الجمهوريين لا تنتمي كليا إلى معسكر "ماغا" ولا إلى خصوم ترمب داخل الحزب.
وتقرأ صحف ومواقع أمريكية هذا التقاطع بوصفه اختبارا مزدوجا لرئاسة ترمب، لأن الحرب تضغط على الاقتصاد وأسعار الوقود، وتربك صورة الرئيس الذي وعد بالحسم، في حين تقترب انتخابات قد تتحول إلى حكم شعبي على إدارته للحرب والاقتصاد والسلطة معا.
وفي مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز، كتبت كريستن سولتيز أندرسون -وهي مستطلعة آراء جمهورية- أن الخطر الانتخابي الأكثر إلحاحا على الحزب الجمهوري لا يكمن في قاعدة "ماغا" الأكثر ولاء لترمب، ولا في الجمهوريين المناهضين له الذين غادروا المعسكر عمليا، بل في شريحة أوسع تسميها "الجمهوريين العاديين".
وهؤلاء -كما تصفهم الكاتبة- محافظون وجمهوريون بوضوح، يحملون نفورا عميقا من الحزب الديمقراطي، لكنهم لا يعرّفون أنفسهم أولا بوصفهم أنصارا لترمب.
وتقول أندرسون إن هذه الشريحة، التي تمثل نحو نصف الجمهوريين، ما زالت تؤيد ترمب إجمالا، لكنها لا تمنحه الحماسة التي يحتاجها الحزب في انتخابات التجديد النصفي.
ووفق استطلاعات الكاتبة، تراجعت نسبة الجمهوريين الذين يحملون رأيا "إيجابيا جدا" تجاه ترمب بنحو 10 نقاط خلال عام، ولا يوافق بقوة على إدارته للاقتصاد سوى 44% من الجمهوريين.
والأشد دلالة هو أن فجوة الحماسة تتسع: 62% من الجمهوريين الذين يعرّفون أنفسهم أولا بأنهم أنصار لترمب يقولون إنهم متحمسون جدا للتصويت، مقابل 49% فقط بين من يعرّفون أنفسهم أولا بأنهم جمهوريون حزبيون.
وضعت أندرسون هذه الأرقام في سياق إنذاري للجمهوريين، لأن الديمقراطيين، كما تنقل عن استطلاعات عدة، يبدون أكثر استعدادا للتوجه إلى صناديق الاقتراع لوقف أجندة ترمب.
وفي استطلاع أندرسون، يقول 82% من الديمقراطيين إن الفوز في انتخابات التجديد النصفي مهم للغاية، مقابل 57% فقط من الجمهوريين، وهي نسبة تهبط إلى 47% بين الجمهوريين "الحزبيين" لا "الترمبيين".
وتربط الكاتبة هذا الفتور بعدة ملفات، في مقدمتها الاقتصاد، فبين الجمهوريين الذين يعرّفون أنفسهم بالحزب أكثر من الرئيس، لا يوافق بقوة على أداء ترمب الاقتصادي سوى 29%، وأقل من نصفهم يعتقدون أن الاقتصاد يتحسن، كما يبدو هؤلاء أقل ارتياحا لأداء الحزب في الرعاية الصحية، والشؤون الخارجية، وحالة الديمقراطية.
ومن هذه النافذة يدخل ملف إيران إلى الحساب الانتخابي، إذ تشير أندرسون إلى أن نحو ثلث هذه الشريحة فقط يؤيدون بقوة العمليات العسكرية الأمريكية في إيران، وهذا يعني أن الحرب التي يقدمها ترمب بوصفها دليل قوة أمام خصومه، لا تتحول تلقائيا إلى رصيد انتخابي داخل حزبه، لا سيما إذا بقيت بلا نصر واضح، أو واصلت أسعار الطاقة الضغط على الناخبين.
وتلتقي هذه القراءة مع ما تنقله صحيفة ديلي بيست عن الكاتب مايكل وولف، الذي يقول إن العاملين في البيت الأبيض والفريق السياسي لترمب يتابعون أسعار النفط لحظة بلحظة، لقياس الارتدادات السياسية للحرب.
وبحسب وولف، فإن المحيطين بترمب "لا يعرفون" كيف يخرجون من الحرب، ولا كيف يديرونها سياسيا، في حين يصر الرئيس علنا على أن الأمور تسير على ما يرام.
وأوردت ديلي بيست أن متوسط سعر غالون الوقود في الولايات المتحدة بلغ 4.48 دولارا، بزيادة تقارب 1.5 دولار منذ أطلق ترمب حربه على إيران في 28 فبراير/شباط.
كما استندت الصحيفة إلى استطلاع لصحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع إيه بي سي نيوز وإبسوس، أظهر أن 61% من الأمريكيين يرون أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران كان خطأ، مقابل 36% فقط اعتبروه قرارا صائبا، وأن نسبة عدم الرضا عن أداء ترمب وصلت إلى 62%، وهي الأعلى في أي من ولايتيه، وفق ما تنقل الصحيفة.
وتضيف ديلي بيست أن الحرب لم تمنح ترمب حتى الآن أثر "الالتفاف حول العلم" الذي رافق حروبا أمريكية سابقة في بداياتها، بل واجهت رفضا واسعا منذ وقت مبكر.
ومن هنا تصبح إيران، في حسابات عام 2026، عبئا مزدوجا: حرب غير شعبية من جهة، وكلفة معيشة محسوسة عند محطات الوقود من جهة أخرى.
أما موقع إنترسبت فركز على زاوية قانونية وسياسية أكثر حدة: إدارة ترمب تتمسك بوقف إطلاق نار تقول إنه لم ينته، رغم استمرار الاشتباكات بين القوات الأمريكية والإيرانية.
ونقل الموقع عن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، قوله إن إيران منذ إعلان وقف إطلاق النار، أطلقت النار على سفن تجارية 9 مرات، واحتجزت سفينتي حاويات، وهاجمت القوات الأمريكية أكثر من 10 مرات، ومع ذلك قال إن هذه الهجمات لا تزال "دون عتبة" استئناف العمليات القتالية الكبرى.
وعندما سُئل وزير الدفاع بيت هيغسيث عمّا إذا كانت الهدنة انتهت بعد تبادل النار بين الطرفين، أجاب: "لا. وقف إطلاق النار لم ينته"، وفقا لما ذكره الموقع.
ويرى إنترسبت أن هذا الإصرار ليس توصيفا ميدانيا فحسب، بل يرتبط بضغوط قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يضع سقفا زمنيا لاستمرار العمليات العسكرية من دون تفويض من الكونغرس.
ويورد الموقع أن هيغسيث قال أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن وقف إطلاق النار وفق فهم الإدارة، يوقف أو يعلّق مهلة الستين يوما، وهو طرح رد عليه السيناتور الديمقراطي تيم كين بالقول إنه لا يعتقد أن القانون يدعمه، محذرا من "مخاوف دستورية خطيرة".
بهذا المعنى، تبدو الهدنة في قراءة إنترسبت أقرب إلى صيغة لإبقاء الحرب دون عتبة الاعتراف الرسمي، فالإدارة تعلن النصر، وتتمسك بوقف إطلاق نار، وتواجه في الوقت نفسه هجمات واشتباكات تجعل الحرب قائمة في الواقع وإن ظلت معلقة في اللغة السياسية.
لكن أخطر ما في مأزق عام 2026 -وفق الكاتب توماس إدسال في نيويورك تايمز- لا يتصل فقط بما إذا كانت الحرب ستكلف الجمهوريين مقاعد في الكونغرس، بل بما قد يفعله ترمب إذا شعر بأن الهزيمة تقترب.
ويضع إدسال انتخابات التجديد النصفي في سياق تاريخ طويل من رفض ترمب الخسارة، مستعيدا تصريحا قال فيه إن رئاسته ناجحة إلى درجة أن البلاد "لا ينبغي حتى أن تجري انتخابات".
ويستعرض إدسال سلسلة من التصريحات والإجراءات التي يراها مؤشرا على نزعة لتوسيع السلطة الرئاسية، من حديث ترمب المتكرر عن حقوق واسعة لا يعرفها الناس، إلى قوله إن ما يوقفه هو "أخلاقه" و"عقله"، وصولا إلى مزاعمه المتكررة عن "انتخابات مزورة" ودعوته إلى تدخل الحكومة الفدرالية في إدارة الانتخابات داخل الولايات.
وينقل الكاتب عن خبراء ومراكز مثل برينان سنتر وكيب أور ريببليك مخاوف من استخدام أدوات الطوارئ والسلطة التنفيذية في سياق انتخابي متوتر.
ويركز إدسال على مذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 7، التي يقول إنها تمنح وزارة العدل ووزارة الخزانة ومصلحة الضرائب وغيرها من الوكالات رخصة لملاحقة مجموعات يسارية بوصفها مرتبطة بالعنف السياسي أو "الإرهاب الداخلي"، مع غياب إطار قانوني واضح لفئة "منظمة إرهابية داخلية" في القانون الفدرالي، كما ينقل عن جويل ماكليري.
ويذهب إدسال، عبر آراء خبراء مثل إليزابيث غويتين وماكليري، إلى أن الخطر لا يكمن في أداة واحدة، بل في تراكم طبقات من السلطة: مذكرات رئاسية أقل شفافية من الأوامر التنفيذية، وإعلانات طوارئ محتملة، ووثائق طوارئ رئاسية سرية قد تُستخدم في أزمات كبرى.
ولا يجزم التقرير بأن ترمب سيفعل ذلك حتما، لكنه يعرض سيناريوهات يراها خبراء مقلقة إذا قرر الرئيس تحدي نتائج عام 2026 أو تعطيل مسارها.
من خلال هذه القراءات، لا تظهر حرب إيران وانتخابات عام 2026 كأزمتين متوازيتين، بل كدائرتين تتغذى إحداهما من الأخرى، فالحرب ترفع أسعار النفط والوقود، وتضغط على صورة ترمب الاقتصادية، وتضعف حماسة بعض الجمهوريين الذين لا يرون أنفسهم جزءا من حركة " ماغا".
والانتخابات في المقابل، تجعل كل قرار في الحرب محكوما بسؤال داخلي: هل سيبدو ترمب قويا أم متهورا؟ منتصرا أم عالقا؟ قادرا على إنهاء الحرب أم مضطرا إلى إنكار استمرارها؟
وحذرت أندرسون في نيويورك تايمز من أن بقاء الجمهوريين "العاديين" في بيوتهم قد يعني كارثة انتخابية للحزب الجمهوري، في حين يذهب إدسال في الصحيفة نفسها، إلى أن خوف ترمب من الخسارة قد يفتح مسارات أكثر خطورة على المؤسسات والعملية الانتخابية.
أما إنترسبت وديلي بيست فيضعان الحرب نفسها في قلب الأزمة: هدنة اسمية، وأسعار وقود مرتفعة، وإدارة لا تعرف طريق الخروج، ورئيس يصر على أن كل شيء تحت السيطرة.
لذلك، لا يواجه ترمب مأزقا خارجيا في إيران ومأزقًا داخليًا في عام 2026، بل مأزقا واحدا بوجهين، فإذا صعّد الحرب، عمّق كلفتها السياسية والاقتصادية، وإذا تراجع، خاطر بصورة القوة التي بنى عليها خطابه.
وبين هذين الخيارين، يصبح السؤال الذي يطارد البيت الأبيض أقل عسكرية مما يبدو: كيف يذهب ترمب إلى انتخابات عام 2026 من دون أن تتحول حرب إيران إلى استفتاء على رئاسته كلها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة