يتراجع رصيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب داخل بعض الفئات التي صنعت عودته إلى البيت الأبيض، على نحو لم يعد يُقرأ بوصفه مجرد هبوط في الشعبية، بل يكشف أزمة أعمق من مجرد اهتزاز انتخابي، كما أظهرت قراءات بعض الصحف الأمريكية.
وقد أظهر استطلاع حديث أعدّته أسوشيتد برس ومركز أبحاث الشؤون العامة (نورك)، تراجع تأييد ترمب بين الأمريكيين دون الخامسة والأربعين من 39% إلى 28%، وبين الرجال من 47% إلى 38%، كما هبطت شعبيته بين ذوي الأصول اللاتينية 16 نقطة مئوية خلال عام واحد.
وحين يمتد هذا التراجع من الناخبين إلى دوائر اعتادت الدفاع عن الرئيس أو الاستناد إلى زخمه، في أوروبا وداخل "حركة لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" ( ماغا) معا، فإنه يكشف أزمة أعمق من مجرد اهتزاز انتخابي، ومن هذه الأرضية انطلقت ثلاث قراءات أمريكية لرصد تفكك التحالفات التي طالما أحاطت بترمب في الداخل والخارج.
في صحيفة نيويورك تايمز، كتبت كاترين بنهولد أن اليمين القومي الأوروبي استقبل صعود ترمب أول مرة، ثم عودته إلى البيت الأبيض، بوصفه تثبيتا لخطابه المعادي للهجرة وللنخب الليبرالية ولما يُعرف بسياسات " الووك".
لكن هذا الرصيد -كما نقلت الكاتبة عن تقرير لرئيس مكتب الصحيفة في مدريد جيسون هورويتز- بدأ يتآكل خلال العام الأخير تحت وطأة رسوم ترمب الجمركية، وتهديداته لغرينلاند، وحربه على إيران وما جرّته من أزمة طاقة، فضلا عن هجومه على البابا.
وبهذا، بات اسم ترمب -في نظر الصحيفة- عامل نفور لا عامل تعبئة، حتى في أوساط كانت ترى فيه، حتى وقت قريب، حليفا طبيعيا.
واستعرضت الكاتبة تقريرا لرئيس مكتب الصحيفة في مدريد جيسون هورويتز، قالت إنه يجسد هذا التحول من خلال حالتي رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في إسبانيا، ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في إيطاليا، إذ وجد الأول، الذي يقف على النقيض الأيديولوجي من ترمب، في تحديه للرئيس الأمريكي وسيلة لإنعاش موقعه الداخلي في وقت يواجه فيه أزمات وفضائح تضغط على حكومته.
نيويورك تايمز: اسم ترمب بات عبئا انتخابيا في أوروبا، حتى على بعض زعماء اليمين الذين رأوا فيه يوما حليفا طبيعيا.
أما الثانية، التي طالما وُصفت بأنها جسر لليمين الأوروبي إلى ترمب، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى الابتعاد عنه، مدفوعة بانخفاض شعبيته في إيطاليا بعد الحرب على إيران، وتهديداته التجارية وهجومه على البابا.
ومن هنا، خلصت الصحيفة إلى مفارقة لافتة، مفادها أن ترمب لم يعد مكسبا انتخابيا مضمونا، حتى لليمين القومي الذي استمد منه سابقا شرعية ودفعا.
ولا يقف هذا التراجع عند إسبانيا وإيطاليا، إذ يشير التقرير إلى أن زعيم حزب الإصلاح، نايجل فاراج في بريطانيا صار أكثر انتقادا لترمب، وكذلك شخصية بارزة في حزب البديل من أجل ألمانيا وصفته بأنه "حجر رحى"، كما دعت قيادات في التجمع الوطني الفرنسي إلى وضع مسافة بينها وبين ترمب.
وحتى المجر، التي بدت الأكثر التصاقا بالمحور الترمبي، لم تعد بمنأى عن هذا التبدل، وبذلك، لم تعد أوروبا مسرحا لتأثير ترمب، بل أصبحت مرآة لانحسار جاذبيته حتى داخل البيئات التي كانت تتغذى من زخمه.
أما في الداخل الأمريكي، فيكشف مقالان آخران أن التصدع بلغ معسكر "ماغا" نفسه، وفي مجلة تايم (Time)، كتب الكاتب تياغو فينتورا عن تفكك العلاقة بين ترمب و تاكر كارلسون، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في صوغ المزاج الشعبوي اليميني الذي حمل الرئيس إلى السلطة.
وذكّر التقرير بأن كارلسون لم يكن مجرد معلق محافظ قريب من ترمب، بل كان شخصية رافقته انتخابيا، وروجت لكثير من سياساته، من التشدد في الهجرة إلى تفكيك برامج التنوع، لكن هذه الألفة -كما يرصد التقرير- انتهت إلى قطيعة علنية بعدما عبّر كارلسون عن ندمه على دعمه لترمب، قائلا إنه ضلل جمهوره من دون قصد.
وتربط تايم هذا الانفجار أولا بالخلاف حول إيران، لأن كارلسون كان من أبرز الأصوات اليمينية المعارضة للتدخل العسكري الأمريكي ضد طهران، ورأى في الحرب خروجا على وعد "أمريكا أولا".
علاقة ترمب بكارلسون انتقلت من التحالف الوثيق إلى ندم علني على دعمه، بعد اتساع الخلاف من إيران إلى ملفات أخرى.
غير أن المجلة توضح أن الشرخ لم يعد محصورا في هذا الملف، بل اتسع إلى مسائل تتصل بأسلوب الحكم نفسه، وبعلاقة ترمب بالدين وبالرموز المحافظة التي يُفترض أنه يمثلها.
ونقلت تايم عن الأكاديمي البريطاني مارك شاناهان قوله إن رئاسة ترمب قائمة في جوهرها على الخصومات العلنية: لكي يفوز هو، لا بد أن يخسر أحد آخر، ومن ثم تبدو قطيعته مع كارلسون لا حادثة طارئة، بل امتدادا لطريقة حكم تستهلك الحلفاء كما تهاجم الخصوم.
ويستعرض تقرير تايم كيف خرج الخلاف من حدود الحرب على إيران إلى السجال حول اللغة التي استخدمها ترمب في تهديد البنية التحتية الإيرانية، وهي اللغة التي وصفها كارلسون بأنها منحطة أخلاقيا، بل ذهب إلى اعتبارها حديثا عن "جريمة حرب".
كما انتقد كارلسون صورا مولدة بالذكاء الاصطناعي نشرها ترمب، قدّمته في هيئة شبيهة بالمسيح، ورأى فيها سخرية من الدين، وبهذا، لا تعود القطيعة مجرد خلاف على خيار عسكري، بل تتحول إلى افتراق أوسع بين ترمب وبعض أهم الوجوه التي منحته سابقا شرعية داخل اليمين الثقافي والديني.
وفي مقال رأي في صحيفة هيل كتب ماكس بيرنز، وهو مساهم رأي وإستراتيجي ديمقراطي، أن "ماغا" بدأت أخيرا تكتشف "من هو دونالد ترمب حقا"، منطلقا من انتقال شخصيات مثل مارجوري تايلور غرين وتاكر كارلسون إلى تغذية أسئلة وشكوك تتعلق بمحاولة اغتيال ترمب في باتلر، ومعتقدا أن في ذلك دلالة على أن ماكينة الارتياب التي غذاها الرئيس وحلفاؤه ضد المؤسسات والنخب، أخذت تنقلب عليهم هم أيضا.
وفي قراءة الكاتب، لا يتعلق الأمر هنا بنزوة مؤامراتية عابرة، بل بشعور متنامٍ بالخديعة داخل جزء من القاعدة التي صدقت وعود "العصر الذهبي" الاقتصادي، فإذا بها تجد نفسها أمام أسعار مرتفعة وسوق عمل متعثرة وحرب على إيران باهظة الكلفة.
وعزز بيرنز حجته بالإشارة إلى استطلاع لمؤسسة نافيغيتور للأبحاث، أظهر أن أكثر من ربع الجمهوريين، ونحو خمس ناخبي "ماغا"، لا يرضون عن طريقة تعامل ترمب مع ملفات الملياردير جيفري إبستين المحكوم عليه في جرائم جنسية، وأن ما يقرب من نصف جمهوريي "ماغا" يعتقدون بوجود تستر من البيت الأبيض على مخالفات مرتبطة بالقضية.
وبغض النظر عن الموقع السياسي الواضح للكاتب، فإن ما يهم في مقاله هو الإشارة إلى أن التصدع داخل "ماغا" لم يعد يُقرأ فقط بوصفه خلافا على إيران، بل بوصفه اهتزازا أوسع في الثقة ذاتها، ثقة القاعدة بالرجل الذي بُنيت الحركة من حوله.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجهه ترمب اليوم ليس فقط اتساع معارضيه، بل تآكل أدوات صعوده نفسها، فالشعبوية التي جعلت منه مرجعا لليمين العالمي باتت تدفع بعض هذا اليمين إلى الابتعاد عنه، والسياسة القائمة على الخصومات العلنية أنتجت انشقاقات في معسكره، وثقافة الشك التي غذت "ماغا" صارت توجه إليه هو أيضا.
وبين أوروبا التي تسحب منه جاذبية الإلهام، و"ماغا" التي تفقد شيئا من يقينها القديم به، يواجه ترمب ما قد يكون أخطر من المعارضة التقليدية: تفكك التحالفات التي صنعها بنفسه، والتي طالما بدت مصدر قوته الأولى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة