طهران- "نسأل الله أن يبتلي الطغاة في دنياهم بما يريح قلوبنا.. حسبنا الله في المعتدي، ونعم الوكيل على ما فعله بأهلي وجيراني"، بهذه الكلمات الممزوجة بالحسرة، وقف الحاج محمد (72 عاما) بين أنقاض حي "نيروي هوائي" شرقي العاصمة الإيرانية طهران، يندب جيرانه وأصدقاء عمره.
بعد أن عاد في اليوم الثاني من الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة و إيران برعاية باكستانية ليتفقد الحي الذي نشأ فيه، لم يجد سوى ركام وحجارة متناثرة في المكان الذي كان قبل أيام يعج بالحياة.
وأمام ما تبقى من المنازل المدمرة، قال للجزيرة نت بصوت يخنقه البكاء: "فقدت في هذه الغارة عددا لا أعرفه حتى الآن من جيراني ورفاق عمري.. أرواح انتهت في ثوان".
ثم أشار إلى زاوية من بناية تهدمت بالكامل مضيفا: "كنا نجلس معا هناك على الأرصفة، نتبادل الأحاديث كل مساء.. أين هم الآن؟ تحت هذه الحجارة؟ أم في ثلاجات المستشفيات؟ لا فرق بين صغير وكبير، ولا بين امرأة ورجل، الجميع كانوا نياما في بيوتهم".
ويمسح الرجل دموعه، ثم يرفع رأسه إلى السماء قائلا بحرقة: "اللهم انظر ماذا فعل بنا طغاة العالم. أيظنون أن صواريخهم ستمحو وجودنا؟ سيبقى هذا الشارع شاهدا على جرائمهم إلى الأبد، ودم أطفالنا سيلعنهم في كل زاوية". ثم يغادر المكان مثقلا بالحزن، تاركا خلفه -كما تقول زوجته الحاجة مريم- "أنقاضا وأصداء لن تنسى".
في اليوم الثاني من الهدنة المؤقتة الممتدة لأسبوعين بين طهران وواشنطن، جالت الجزيرة نت في عدد من أحياء العاصمة الإيرانية، حيث بدت المدينة وكأنها تحاول التقاط أنفاسها وسط هدوء حذر يلف الشوارع التي كانت، حتى قبل 48 ساعة فقط، تهتز على وقع انفجارات عنيفة.
وفي شارع جاجرودي، قرب جامع "رسالت" الكبير، لم يبق من مقر قوات التعبئة الشعبية (الباسيج) سوى أجزاء من جدار خارجي والبوابة الأمامية. وهناك التقت الجزيرة نت علي رضا -اسم مستعار- (36 عاما)، وهو أحد سكان مبنى مجاور انهار جزء منه بفعل الغارة ذاتها.
ويروي الرجل لحظة القصف قائلا بصوت مرتجف: "كانت الضربة مفاجئة للغاية.. دوى انفجار هائل، واستمرت ارتداداته قرابة دقيقة كاملة، وكانت كافية لإحداث تصدعات وانهيارات في المباني المجاورة وعلى الجهة المقابلة من الشارع، حتى أصبحت غير صالحة للسكن".
وأضاف أنه يقيم حاليا في أحد الفنادق القريبة، مثله مثل عشرات العائلات التي أصبحت بلا مأوى، وقال إن "الحرب لا تفرق بين مدني وعسكري، وما يهم العدو فقط هو وجود هدف يشتبه بانتمائه إلى مؤسسة عسكرية، حتى لو كان وسط حي سكني أو قرب مستشفى، فإنه يدمر كل ما حوله".
وفي جنوب طهران، بدا المشهد مختلفا، إذ أصاب القصف جانبا من برج سكني شاهق، ما أدى إلى تدمير 3 طوابق منه وإخلائه بالكامل خشية انهياره، في وقت انقطعت فيه الكهرباء والغاز والمياه عن المنطقة، وفق ما أكده شهود عيان.
أما وسط العاصمة، وتحديدا في بازار طهران القديم، فقد خرج المجمع القضائي رقم 2 التابع للسلطة القضائية عن الخدمة بعد تعرضه للقصف، بينما فرضت السلطات طوقا أمنيا مشددا حول الموقع، ومنعت الاقتراب منه.
ولم تقتصر الأضرار على المساكن والمنشآت الحكومية، بل امتدت إلى القطاع الصناعي، حيث تعرضت شركة "إيران دلكو" المتخصصة في صناعة قطع غيار السيارات لأضرار جسيمة، بعدما أصابت الغارات أحد مبانيها الرئيسية.
وفي شارع آزادي غربي العاصمة، حيث تقع جامعة شريف الصناعية، وقفت بريسا (48 عاما)، وهي مهندسة كهرباء وأحد خريجي الجامعة، تتأمل أنقاض كلية الهندسة التي درست فيها قبل عقدين.
وقالت للجزيرة نت بصوت مختنق: "هذه ليست مجرد جدران متصدعة.. هذه الكلية كانت منارة للعلم في الشرق الأوسط. هنا كان يصنع المستقبل، وكان الطلبة يأتون من مختلف أنحاء البلاد لتحقيق أحلامهم. الآن لم يبق سوى الركام والأسلاك المتفحمة. لماذا يستهدفون العلم؟ لماذا يحرقون عقول أبنائنا قبل أجسادهم؟".
وأشارت إلى مبنى مركز الحوسبة وقاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي الذي تعرض للتدمير الكامل، مضيفة: "ضربوا كلية الهندسة، ومركز أبحاث النانو، ومعاهد أخرى، وحتى محطة توزيع الغاز في المنطقة انفجرت بسبب القصف. هذا ليس استهدافا للجيش الإيراني أو الحرس الثوري، بل إنها حرب على العقل الإيراني، وعلى الحضارة الإيرانية بأكملها".
وخلال وجود الجزيرة نت في الموقع، وصل جان أرنو، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالنزاع في الشرق الأوسط وتداعياته، برفقة وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف، ورئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني بير حسين كوليوند، لتفقد الأضرار.
وبينما كان الوفد يتأمل حجم الدمار، التفت الوزير الإيراني إلى المبعوث الأممي قائلا: "ها أنت تشاهد هدايا ترمب للشعب الإيراني"، في عبارة لخصت حجم الكارثة التي حلت بهذا الصرح العلمي.
من جهته، لم يخف أرنو صدمته، وقال: "أنا شخصيا شاركت في مهام حفظ السلام على مدى 40 عاما، وهذه الظروف البالغة السوء التي يعاني منها المدنيون هي من أشنع ما شهدته في مثل هذه النزاعات". وأضاف أن "ما سيوثق حتما في تاريخ العالم من هذه الحرب هو المذبحة التي حدثت في مدرسة ميناب".
واختتمت الجولة بزيارة إلى مشفى "غاندي"، أحد أكبر المراكز الطبية الخاصة قرب ساحة "ونك" شمالي طهران، الذي تعرض بدوره لأضرار بالغة خلال الأسبوع الأول من الحرب.
فقد تحطمت الواجهة الزجاجية للمبنى بالكامل، وتشققت جدران عدد من الأجنحة، في حين ظلت آثار الانفجارات بادية على مداخل غرف العمليات، في مشهد يعكس حجم الضربات التي طالت حتى المرافق الطبية.
وبعد أكثر من 40 يوما من القصف، تبدو طهران مثقلة بجراح عميقة. ففي كل شارع حكاية فقْد، وفي كل بناية مدمرة مأساة جديدة، في حين لا تزال المدينة تداوي آثار حرب تركت ندوبا غائرة في عمرانها وذاكرتها.
مكاتب إعلامية لم تنج من القصف الأمريكي الإسرائيلي على طهران (الجزيرة)مقر تابع للباسيج يدمر جراء القصف الأمريكي الإسرائيلي (الجزيرة)
مشهد من الدمار في مبنى مؤسسة مهيار رسانه الثقافية جراء القصف (الجزيرة)
إيرانيون يضعون ورودا أمام المباني المدمرة جراء القصف (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة