واشنطن- جاءت كلمات الرئيس دونالد ترمب خلال الساعات الأخيرة، والتي هدّد فيها باستهداف "كل جسر ومحطة طاقة إيرانية"، وما تبعها من تأكيد أن "هناك حضارة بأكملها ستنتهي الليلة، ولن تقوم لها قائمة أخرى" لتضع أفراد الجيش الأمريكي أمام معضلة أخلاقية وقانونية كبيرة، حيث تشير آراء خبراء قانونين ودستوريين إلى أن مثل هذا الإجراء الشامل ينتهك القانون الدولي، وربما القوانين الأمريكية ذاتها.
واعتبر خبراء أن تهديدات ترمب بتنفيذ قصف جماعي للبنية التحتية المدنية في إيران تجعل ضباط وجنود الجيش الأمريكي في مأزق، إما عصيان الأوامر العسكرية، أو المساعدة في ارتكاب جرائم حرب.
وحدّد ترمب مهلة تنتهي الساعة الثامنة من مساء اليوم الثلاثاء بتوقيت واشنطن، لتفتح الحكومة الإيرانية مضيق هرمز، أو مواجهة "يوم لن يكون هناك شيء مثله! افتحوا المضيق اللعين، أيها المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم" كما جاء في تغريدة له على موقع تروث سوشيال.
وكتب ضابطان سابقان في هيئة الادعاء العام العسكري، مارغريت دونوفان وراشيل فانلاندينغهام، على موقع "جاست سيكيوريتي" -أمس الاثنين- يقولان "بصفتنا محامين عسكريين سابقين، نعلم أن كلمات الرئيس تتعارض مع عقود من التدريب القانوني للأفراد العسكريين وتخاطر بوضع مقاتلينا على طريق لا رجعة منه".
وأشارا إلى أن تفاخر ترمب بأنه سيقصف إيران ويعيدها "إلى العصور الحجرية"، وأمر وزير دفاعه بيت هيغسيث بإظهار "عدم الرحمة" لم يكن فقط "غير قانوني بوضوح"، بل يُمثّل انقطاعا عن المبادئ الأخلاقية والقانونية التي "تم تدريب أفراد الجيش الأمريكي على اتباعها طوال حياتهم المهنية".
واستطلعت الجزيرة نت آراء خبراء عسكريين ودستوريين حول قانونية تعهدات ترمب حال تنفيذها. وذكرت أستاذة القانون الدولي بكلية الحقوق في جامعة نيويورك، والتي سبق لها العمل مع محكمة العدل الدولية، هايدي ماثيوز، أن "تهديدات ترمب بتدمير الحضارة الإيرانية غير قانونية بوضوح، ولها طابع إبادة جماعية ويهدد أيضا ب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك جريمتا الاعتداء المتعمد على السكان المدنيين والإبادة".
ومن المرجح أن تؤدي هذه التصريحات إلى دفع الدول لاتخاذ تدابير إيجابية لمنع الإبادة الجماعية عندما تدرك وجود خطر كبير من وقوعها، حسب ماثيوز، "كما تلتزم الدول باتخاذ تدابير لضمان احترام القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك المبادئ الأساسية للتمييز والتناسب في الهجوم. ويشمل ذلك، من بين أمور أخرى، إدانة هذه التصريحات، واتخاذ خطوات دبلوماسية لمنع تحقيق التهديدات وربما فرض عقوبات".
وعن الإطار القانوني الذي يحكم ما إذا كانت القوات العسكرية الأمريكية سيُطلب منها اتباع مثل هذه الأوامر من القائد الأعلى، قالت الخبيرة ماثيوز "بموجب القانونين الدولي والعسكري الأمريكي، يُلزم أفراد الجيش الأمريكي قانونيا برفض تنفيذ أوامر غير قانونية واضحة، بما في ذلك المشاركة في هجمات بهدف معلن هو تدمير حضارة بأكملها".
وفي الاتجاه ذاته، رأى بروس فاين، المساعد السابق لنائب وزير العدل الأميركي والخبير القانوني، أن "تهديد ترمب يُعد جريمة مخالفة للقانون الدولي بموجب حظر الحرب العدوانية التي قررتها محكمة نورمبرغ، وهو أيضا غير دستوري أمريكيا بشكل صارخ وجريمة تستحق العزل لأن الكونغرس لم يعلن الحرب على إيران قط".
وقال فاين للجزيرة نت "يُطلب من أفراد الجيش عصيان أوامر ترمب غير القانونية الواضحة بشأن إيران بموجب قانون العدالة العسكرية الموحد".
من جهته، قال المسؤول العسكري السابق ب البنتاغون والبيت الأبيض، ديفيد دي روش، إن ما يطالب به ترمب قانوني، موضحا أن "قانونية الإجراءات ستكون على أساس كل حالة على حدة". مضيفا أن القانون "يسمح بتدمير البنية التحتية المدنية إذا استُخدمت لغرض عسكري أو ساهمت في عمل عسكري".
ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أنه "تم تأسيس سابقة قانونية لهذا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، عندما حكمت المحكمة العليا الأمريكية بالسماح لجيش الاتحاد الفدرالي بتدمير محصول قطن مالك العبيد لأن بيعه كان سيذهب إلى خزائن جانب الكونفدرالية".
كما أنه وفي حالة الحرب التي أُطلقت لوقف الإبادة الجماعية الصربية للمسلمين في كوسوفو، دمّرت الولايات المتحدة جميع الجسور في بلغراد وكذلك شبكة الكهرباء لتعطيل العمليات العسكرية الصربية الهادفة لتطهير المسلمين عرقيا في كوسوفو. "ولم يتم الطعن في ذلك كجريمة حرب، إلا من قبل أولئك الذين سعوا لتمكين الإبادة الجماعية للمسلمين مثل روسيا" حسب قوله.
وتابع دي روش للجزيرة نت: يبدو "أن العبارة عن تدمير حضارة فيها مبالغة، واستهداف نصب تاريخي دون استخدام عسكري له غير مسموح به. على سبيل المثال، في الحرب العالمية الثانية دمّرت القوات الجوية الأمريكية أقدم دير مسيحي في العالم -مونتي كاسينو- لأنه كان يُعتقد أنه يُستخدم كموقع لرصد المدفعية. في غياب الاستخدام العسكري، يجب ترك الأنصاب التاريخية كما هي حيث لا توجد أي قيمة عسكرية في مهاجمتها".
وأكد أن كل ضابط عسكري هو من الناحية الفنية ممثل شخصي للرئيس ويتصرف نيابة عنه، ويُقسم على الالتزام بالدستور واتباع الأوامر القانونية لمن هم فوقه. وواصل "هناك مراجعة قانونية عند اختيار الأهداف لكنّ الأخطاء ممكنة. ومع ذلك، يبدو أن هناك مبررات قانونية للهجمات التي شهدناها حتى الآن".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة