غزة- ركض محمد أبو معلاّ (15 عاما) خلف كرة أفلتت من قدميه أمام منزله في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وسقطت في قطعة أرض مجاورة، مهجورة، هناك، لمح جسما صغيرا، غريب الشكل، لا يشبه ما اعتاد رؤيته، حمله، وعاد به إلى المنزل، وبدأ في اللعب به، وفي ثوان، تبدلت حياته بالكامل.
على الفور بُترت كف الطفل اليمنى، وتمزقت ساقه اليمنى من الفخذ حتى الركبة، واختفت صابونة (عظمة/رضفة) الركبة بالكامل، بينما اخترقت الشظايا جسده، وأُصيبت يده الأخرى أيضا، واضطر الأطباء لأخذ رقع جلدية من ساقه اليسرى لترميم اليمنى، ما ألحق ضررا إضافيا بجسده.
ويحيي العالم في 4 أبريل/نيسان من كل عام اليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في الإجراءات المتعلقة بها، وذلك منذ أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاحتفاء بهذه المناسبة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2005، لكنْ في غزة لا يذهب الناس إلى حقول الألغام إنما أصبحت بيوتهم وملاعبهم وأحياؤهم حقولا أغلبها من مخلفات حرب الإبادة التي بدأها الاحتلال في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت على مدى عامين.
وتترك الانفجارات التي تُحدثها الذخائر التي خلّفها الاحتلال الإسرائيلي جروحا غائرة، وندوبا نفسية عميقة على ضحاياها، وخاصة حينما يكونون من الأطفال.
فرغم مرور أكثر من 5 شهور على الحادث، (منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025) لا يستطيع الطفل أبو معلّا ثني ساقه، ويضطر لتناول مسكنات قوية للآلام يوميا.
كما أن أثر الإصابة لم يقتصر على الإصابة الجسدية، فالطفل كان متفوقا دراسيا ويهوى الرياضة والسباحة، لكنه أصبح اليوم أكثر ميلا للعزلة، وكثير البكاء، ويشكو من شعور دائم بالاختناق.
يقول والده عاطف أبو معلا للجزيرة نت "حالته النفسية صعبة جدا… هو طفل، وفجأة وجد نفسه في وضعية إعاقة في بداية عمره"، مضيفا أنه "ينطوي على نفسه، ويفكر كثيرا في مستقبله".
ويتلقى محمد جلسات دعم نفسي من منظمة أطباء بلا حدود-فرنسا، وجمعية العودة المحلية، في محاولة للتعامل مع تبعات الحادثة، فيما لا يزال الألم الجسدي حاضرا.
وما يزيد من ثقل هذه المعاناة، أن أبو معلا يواجهها دون أمه التي استشهدت في 6 مارس/آذار 2024، في قصف إسرائيلي، أثناء جلوسها أمام المنزل مع شقيقتها وابنة أخي زوجها.
وحول هذا يقول والده "لو كانت (أمه) موجودة، لخففت عنه كثيرا.. أنا وشقيقته الوحيدة، لا نستطيع".
واليوم، يحتاج أبو معلا للسفر لإجراء عملية لتركيب "مفصل وصابونة" للركبة، قبل أن تتفاقم حالته ويصاب بتيبس دائم وضعف في العضلات، كما يحتاج بشكل عاجل إلى كرسي خاص لأنه غير قادر على ثني ساقه.
أُصيب نور بشظايا في يديه وصدره ورجله ووجهه، فيما أُصيب 3 أطفال من أقاربه كانوا برفقته: شقيقه جود (9 أعوام) في صدره، خليل (12 عاما) في وجهه، وكريم (4 أعوام) في فخذه وعينه.
نُقل الأطفال إلى المستشفى لتلقي العلاج، حيث مكث نور 36 يوما متواصلة، خضع خلالها لسلسلة من التدخلات الطبية بسبب تعدد الإصابات.
وخلال فترة العلاج، تدهورت حالة الفتى الجيار النفسية بشكل حاد، إذ كان يعبر عن رغبته في الموت، وفق ما أفاد به والده، ما استدعى متابعة يومية من مختصين نفسيين داخل المستشفى، خشية تفاقم حالته.
وفقد الجيار الذي يقيم حاليا، في حي الدرج وسط مدينة غزة، عقلتي إصبعين من يده اليسرى (الإبهام والسبابة)، كما أنه يخضع لجلسات علاج طبيعي منتظمة ليديه، مرتين في الأسبوع.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العالم في الرابع من أبريل/نيسان، "اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام"، لا يبدو الأمر في قطاع غزة، مناسبة عابرة، بل واقعا يوميا.
وتشير تقديرات مكتب الإعلام الحكومي بقطاع غزة، إلى وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة، وهو رقم مرتفع للغاية مقارنة بصغر مساحة القطاع (365 كيلومترا)، وقياسا بمناطق نزاع أخرى.
بينما تفيد إحصائيات وزارة الصحة بغزة باستشهاد 7 أشخاص بينهم 5 أطفال، وإصابة 49 آخرين، جراء انفجار الذخائر غير المنفجرة، خلال الحرب.
وتفيد معطيات للأمم المتحدة، نشرها الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، بأن 400 شخص في غزة "تأثروا، بأحداث مثل حوادث الذخائر غير المنفجرة"، مشيرة إلى أن النسبة تقارب دولة مثل سوريا، قياسا بعدد السكان.
وبحسب مصدر في وزارة الصحة بغزة -فضل عدم الإشارة لاسمه- فإن تضارب الأرقام قد يعود إلى عدم تسجيل الكثير من الجرحى لـ"سبب الإصابة" بشكل دقيق، بالإضافة إلى تلقيهم العلاج في مستشفيات ميدانية وخاصة.
بدوره، يقول محمد عماد المتحدث باسم جهاز الاستجابة السريعة (متخصص بمعالجة الذخائر) في قطاع غزة، إن حجم المخلفات الحربية "هائل، وخطير"، لكنّ الإمكانيات المتوفرة للتعامل معها "محدودة للغاية".
ويشير في حديث خاص للجزيرة نت إلى أن هذه المخلفات "تُشكل خطورة يومية على السكان، خاصة أن معظم مناطق القطاع تعرضت للقصف".
ويكمل "لا توجد بقعة إلا تعرضت لاستهداف أو دخول آليات، وبالتالي قد تكون هناك ذخائر تحت المنازل أو بين الركام دون علم السكان".
وفي بعض الحالات، يعيش الناس مع هذا الخطر بشكل مباشر، بحسب عماد، الذي يضيف "هناك أشخاص يسكنون في منازل تحتوي على ذخائر غير منفجرة وهم يعلمون، لكنهم مضطرون لذلك، ولا توجد إمكانيات للتعامل معها".
ويشير إلى أن الفِرق الحكومية المختصة بالتعامل مع الذخائر، تعمل بإمكانيات محدودة للغاية.
ويتابع "بسبب الاستهداف الإسرائيلي، حاليا لا توجد معدات مخصصة للتعامل مع هذه الذخائر أو نقلها أو تخزينها، وحتى المستودعات التي كانت مخصصة لذلك تم استهدافها من قبل الاحتلال، كما أن قدرات الفِرق تراجعت بشكل كبير، حيث يُقدر أن ما تبقى من المُقدرات الحكومية لا يتجاوز 10% مما كان عليه قبل الحرب".
وفق المسؤول الفلسطيني فقد تم تدمير 90% من إمكانيات الجهاز واستشهد 17 فنيا متخصصا من أصل 65، وحاليا تعمل الطواقم دون معدات حماية كافية، ما يجعل أي تدخل يُعتبر محفوفا بالخطر.
ويمتد تهديد الذخائر غير المنفجرة ليشمل المسعفين ورجال الإنقاذ، بحسب محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، حيث يؤكد أن المخلفات والذخائر غير المنفجرة "موجودة بشكل كبير جدا"، وتشمل صواريخ وألغاما وقطع أسلحة منتشرة في مختلف المناطق.
ويضيف في مقابلة مع الجزيرة نت "قطاع غزة حاليا يشبه حقل الألغام، وأخطر ما يواجه طواقم الدفاع المدني ميدانيا هو التعامل مع هذه الذخائر داخل المباني المستهدفة، خاصة أثناء عمليات انتشال الضحايا".
ويشير إلى أن الطواقم في الميدان تعمل دون معرفة مسبقة بطبيعة الذخائر الموجودة داخل المباني، ما يضاعف من مستوى الخطر.
ويكمل "قد يكون المنزل تعرض لأكثر من صاروخ، ويبقى صاروخ لم ينفجر، وخلال العمل قد يحدث اصطدام بين الآليات (الجرافات) وهذا الصاروخ، ما قد يؤدي إلى كارثة وقتل طواقم الإنقاذ".
وفي بعض الحالات، عثرت الطواقم بالفعل على صواريخ غير منفجرة أثناء استخدام المعدات الثقيلة، "لكنْ لحسن الحظ لم يحدث اصطدام، وإلا لوقعت كارثة"، وفق بصل.
ولا يتوقف الخطر عند فرق الإنقاذ -بحسب بصل- الذي يضيف أن هناك مزارعين، يكتشفون مخلفات وألغاما، خلال حرثهم لأراضيهم، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث "كوارث".
أما الأطفال، فهم الأكثر عرضة للوقوع ضحايا للذخائر غير المنفجرة، كما يقول الناطق باسم الدفاع المدني، مضيفا "بعض المخلفات تكون مغرية، مثل علب مشروبات غازية، أو معلبات طعام، يراها الطفل ويعبث بها، وما إن يبدأ بذلك حتى تنفجر في وجهه".
كما يتحدث بصل عن عبوات أسقطتها طائرات استطلاع، عبث بها أطفال، ما أدى إلى قتلهم أو بتر أطرافهم.
بعض المخلفات الحربية تكون مغرية مثل علب مشروبات غازية أو معلبات طعام (الجزيرة)بدورها تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على مواجهة خطر الذخائر غير المنفجرة، في قطاع غزة، عبر وسيلتين:
وتقول أماني الناعوق المتحدثة الإعلامية للجنة بغزة في حديثها للجزيرة نت "إحدى الطرق التي تساهم في حماية السكان من المخلفات الحربية هي توعيتهم بمخاطر الأجسام غير المنفجرة".
وسبق للجنة الدولية أن نظّمت بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، برامج تُسلط الضوء على مخاطر الأجسام غير المنفجرة، وتشجع على "سلوكيات أكثر أمانا، وتنشر الوعي بالخطر الذي تشكله".
اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الفلسطيني يعولان على التوعية لتجنب مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة (الصليب الأحمر)وفي هذا الصدد يقول رائد النمس، الناطق باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، إن برامج التوعية التي نفذها الهلال الأحمر، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب، استهدفت مراكز الإيواء وتجمعات النزوح وحتى النقاط التعليمية.
ويضيف النمس للجزيرة نت "نعمل على توعية الأهالي والأطفال بضرورة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، واتخاذ التدابير اللازمة، وإبلاغ الجهات المختصة فور العثور عليها".
ويتابع أن هذه الجهود تهدف إلى "إنقاذ أكبر قدر ممكن من المواطنين وخاصة الأطفال الذين يكونون على مقربة من هذه الأجسام".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة