بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، بدأت ترتيبات توازن القوى التي جرى الاتفاق عليها في نهاية الحرب العالمية الثانية في الانهيار بسرعة. وفضلا عن التبعات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتوقعة، أدى ذلك الانهيار أيضا إلى خلق مستوى غير مسبوق من الغطرسة في مواقف وتعاملات القوة العظمى الوحيدة.
واضطر العالم إلى أن يتعايش تحت وطأة التعنت والاستقواء لأكثر من عقدين، لكن هذه الفترة كانت كافية لتقويض النظم السياسية والاقتصادية الدولية، التي كانت تعاني أصلا من انحيازات ضد الدول الأضعف.
ولم يكن أمام الدول سوى خيارات محدودة لمواجهة أو مقاومة رغبات هيمنة الولايات المتحدة، حتى بدأ الحلفاء أنفسهم يشعرون بوطأة المطالب غير المنطقية أو الإملاءات التي تعارضت مع مصالحهم الوطنية.
وكما يقول المبدأ: "الميزة الدائمة الوحيدة في السياسة الدولية هي التغيير المستمر"، وهكذا بدأ هذا الاحتكار شبه المطلق للسياسة والاقتصاد العالميين في التلاشي، وبدأت أقطاب متعددة بالظهور والتجمع، مقاومة بذلك الأحادية القطبية، ووُصفت روسيا بأنها قوة صاعدة، والصين بأنها قوة مراجعة (يمكنها إعادة تشكيل النظام الدولي وتعديل القواعد).
ورغم أن الصين، وروسيا، وتلتهما الهند، والبرازيل، وأوروبا، وجنوب أفريقيا وغيرها، قد بدأت في تطوير اقتصاداتها وتقنياتها وأنظمتها السياسية بوتيرة متسارعة، فإن عائقا كبيرا ظل يحول دون تحقيق الحرية الاقتصادية والخيارات السياسية التي طمحت إليها هذه الأقطاب الناشئة؛ وتمثل ذلك أساسا في هيمنة البترودولار جنبا إلى جنب مع نظام التحويلات المالية الذي احتكرته الولايات المتحدة.
كما ساهم النفوذ القوي لوسائل الإعلام التقليدية، ومنصات التواصل الاجتماعي في تعزيز السردية الأمريكية القائمة على شعارات: "الديمقراطية، والرأسمالية، ونمط حياتنا".
ومع ذلك، أصبحت الفلسفة الصينية القائمة على "الازدهار المشترك والحضارة العالمية رغم التنوع"، نموذجا جذابا للأمم والدول التي عانت طويلا من التهميش، مما أذن ببدء فصل جديد في الشؤون الدولية؛ فقد شرعت بكين، من خلال الممرات التجارية والسلع والتقنيات الميسورة، في توسيع نفوذها ببطء ولكن بثبات. ومن ثم أصبح تجمع "بريكس" منافسا قويا، وبدأت دول مثل السعودية، وغيرها تبحث عن بدائل.
وفي هذا السياق، حالف الحظ باكستان بفضل موقعها الجغرافي، ومؤسستها العسكرية القوية، وتاريخها الحافل بالعلاقات المتعددة، مما جعلها طرفا مرغوبا فيه، يجد أحيانا مرونة كبيرة في التوسع، أو لعب دور الجسر بين قوتين متنافستين أو أكثر، كما هو الحال في الوساطة بين الصين وأمريكا، وبين السعودية وإيران.
غير أن الصين أدلت بتصريح لم يكن ضروريا، مفاده أنها غير مهتمة بالحروب العسكرية حتى فترة زمنية معينة، وهو ما اعتبره "رعاة البقر" فرصة سانحة. كما رأت إسرائيل في ذلك فرصة مواتية للمضي قدما في حلم "إسرائيل الكبرى".
ومن ثم، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما في التحرك سياسيا واقتصاديا وعسكريا ضد جميع البلدان والأمم التي تمتلك مقومات تعزيز مسيرة الصين نحو ثقل النفوذ ومكانة القوة العظمى؛ فتم استدراج روسيا وإيران إلى مواجهات ميدانية، كما جرى تشجيع الهند على كبح النفوذ الصيني وتلقين باكستان درسا. ولا يحتاج تسلسل أحداث الربيع العربي، وما جرى في سوريا، واليمن، ولبنان، وغيرها إلى مزيد من الشرح أو الاستفاضة.
بالمقابل؛ لم تسر العديد من الإجراءات وفقا للخطط؛ فقد أدت المناوشات الهندية مع الصين، والاشتباكات العسكرية القصيرة ولكن المكثفة مع باكستان إلى تحطيم صورة الهند المبالغ فيها. وطال أمد حرب أوكرانيا لفترة بما فاق التوقعات، ولم تنجح محاولات القضاء على حماس، كما أن محاولتين لهزيمة إيران باءتا بالفشل التام.
وعلى الرغم من الصعوبات الداخلية التي تواجهها باكستان، فقد تمكنت الحكومة الحالية من فرض نفسها بشكل جيد للغاية على الساحة الدولية؛ فقد حولتها جغرافيتها، وكتلتها السكانية المسلمة الكبيرة، وقواتها المسلحة التي لا تضاهى، إلى دولة ينشد ودها جميع الأطراف الكبرى.
كما أن النجاح العسكري المذهل ضد الهند، والدبلوماسية السياسية المتميزة، مع الحفاظ على علاقة متوازنة مع كافة الأطراف، منحت كلها باكستان موقعا إستراتيجيا متفوقا قد يحسدها عليه الكثيرون.
وتأتي حرب الخليج الحالية استمرارا للسياسة الأمريكية الرامية إلى إضعاف حلفاء الصين، ودعم الأجندة التوسعية الإسرائيلية، وهي في نظر البعض تجسيد لنظرية "صدام الحضارات" التي تحدث عنها هنتنغتون.
غير أن خطط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأولية جاءت بنتائج عكسية؛ بسبب الرد الإيراني غير المتوقع، واستعداد إيران المدروس وقدرتها على الصمود العسكري.
ولم يتمكن المعتدون من تحقيق أي من أهدافهم السياسية، باستثناء تصفية القيادات السياسية والعسكرية العليا في إيران، وإلحاق دمار هائل بالبنية التحتية الإيرانية واللبنانية.
ومع ذلك، واصلت الولايات المتحدة تغيير أهدافها، كما كانت هناك رغبة إسرائيلية وأمريكية لجر الدول العربية إلى حرب ضد إيران لإيجاد مخرج لهما.
وقد دق ذلك ناقوس الخطر بالنسبة لباكستان، إذ كان من شأن أي تراخٍ أن يوقعها في مأزق صعب؛ حيث إن اتفاقية الدفاع والأمن المشترك بين السعودية، وباكستان، وعلاقة الجوار مع إيران، وضعتا باكستان في موقف حرج؛ فلم يكن أمامها خيار سوى التحرك السريع، وهو ما فعلته بالضبط بوعي وكفاءة، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع الصين.
كما أن الاجتماع الأخير لوزراء خارجية تركيا، والسعودية، ومصر في إسلام آباد يمنح مصداقية كبيرة لجهود السلام.
وتأتي الزيارة الحالية لنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إلى الصين، وما تلاها من تصريحات، لتعطي وزنا كبيرا لجهود باكستان في صنع السلام.
ولا يمكن المبالغة في التأكيد على أهمية زيارة نائب رئيس الوزراء الباكستاني ووزير الخارجية إسحاق دار إلى الصين، حيث التقى بنظيره الصيني، في ظل الظروف الحالية.
ويوفر البيان المكون من خمس نقاط فرصة فورية للولايات المتحدة للحفاظ على ماء وجهها، حيث يمكنها إسناد مسؤولية فتح مضيق هرمز مباشرة إلى الصين، وباكستان. وسيكون هذا تحولا جذريا في السياسة والاقتصاد في هذه المنطقة.
لقد برزت باكستان، بفضل علاقاتها السياسية المرموقة وقربها الجغرافي من منطقة الصراع، كدولة محورية قادرة على لعب دور فعال، يبدأ كميسر في المرحلة الأولى، وقد يتطور ليصبح ضامنا للأمن والاستقرار لاحقا.
وإذا استمرت القيادة الباكستانية في إدارة أوراقها بحذر وحكمة، فقد تبرز البلاد كبطل قادر على التوسط لإحلال السلام في هذه المنطقة التي مزقتها الحروب، وهو ما سيكون إنجازا استثنائيا.
وفي حال تحقق ذلك، قد تتحرر باكستان من أزماتها الاقتصادية وعدم استقرارها السياسي الداخلي، بل وقد تكون على أعتاب حل قضاياها مع أفغانستان.
وبالتالي، هناك إمكانية قوية لتدشين مستقبل مشرق للشرق الأوسط وجنوب وغرب آسيا، ويبقى العائق الوحيد هو التعنت الهندي، والذي من المرجح أن يتلاشى أيضا لتنضم الهند لاحقا إلى هذا الركب.
نتمنى ذلك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة