لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تهدده الحرب، بل غدا عقدة الصراع نفسها: من يملك القدرة على إبقائه مغلقا، ومن يملك كلفة فتحه؟
في قراءتين نشرتهما صحيفتا تلغراف وغارديان، يبرز مساران محتملان لإعادة تشغيل الشريان النفطي الأهم في العالم. الأول يقوم على نزع الألغام وتأمين الملاحة ضمن تحالف بحري دولي. والثاني يلوّح بفرض فتح المضيق بالقوة الأمريكية، سواء عبر حشد بحري واسع أو عبر السيطرة على مواقع إيرانية تشرف على الممر.
تقول تلغراف إن بريطانيا تراهن على زوارق مسيرة متخصصة بصيد الألغام، من بينها الزورق "أريادني" (Ariadne)، للمشاركة في أي جهد لإعادة فتح المضيق. وهذه المنظومات، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مصممة لرصد الألغام في قاع البحر وتصنيفها ثم التعامل معها، انطلاقا من سفينة أُمّ يجري إعدادها لتكون قاعدة تشغيل عائمة في الخليج.
وفق هذا التصور، يبدأ فتح المضيق من قاعه: تطهير الممر من الألغام، ثم تأمين عبور السفن التجارية تحت حماية عسكرية. غير أن هذا المسار، على ما فيه من حذر، لا يفضي إلى أكثر من فتح هش، لأن إزالة الألغام لا تسقط، بحسب الصحيفة، قدرة إيران على تهديد الملاحة بالصواريخ والمسيرات والزوارق الهجومية.
لكنّ هذا الخيار لا يبدو وشيكا؛ إذ تشير تلغراف إلى أن السفينة الأم لا يُتوقع أن تتجه إلى الخليج في المدى القريب، وأن استخدامها يظل مرجحا في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران، وهو ما قد يستغرق أسابيع.
أما صحيفة غارديان، فتمضي إلى السيناريو الأشد تصعيدا. فالمسألة، في تقديرها، لا تتعلق فقط بحماية السفن، بل بإمكان لجوء واشنطن إلى كسر القبضة الإيرانية على المضيق بالقوة. ومن هنا يبرز خياران: فرض المرور عبر حضور بحري كثيف، أو انتزاع مواقع وجزر إيرانية تشرف على الممر المائي.
لكنّ هذا الخيار، كما توضح الصحيفة، ينطوي على مجازفة أوسع؛ فالجزر الإيرانية المنتشرة عند المضيق ليست مواقع معزولة، بل نقاط متقدمة تمنح طهران قدرة مباشرة على التحكم بالممر. والسيطرة عليها قد تكون ممكنة في الضربة الأولى، أما الاحتفاظ بها فمسألة أخرى، لا سيما إذا ردت إيران بالصواريخ والمسيرات، أو اعتبرت أي وجود بري أمريكي على أراضيها تجاوزا لخط أحمر يفرض ردا أشد.
وترى غارديان أن جزيرة خارك، التي تُعد المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، تبدو الهدف الأوضح في أي محاولة أمريكية لفرض فتح المضيق، لكنها تنقل عن خبراء أن السيطرة على جزيرة أو أكثر قد تكون أسهل من الاحتفاظ بها، إذ ستتعرض القوات الأمريكية هناك لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات.
كما تضيف الصحيفة أن فتح المضيق، في أي من السيناريوهين، لا يكتمل بمجرد إزالة الألغام أو كسر الطوق. فالملاحة لا تستعاد بقرار، بل بمنظومة حماية دائمة: مرافقة بحرية، وغطاء جوي، وردع متواصل، وقدرات على التطهير والاستجابة. وهكذا لا تبدو العملية فتحا عابرا لممر مائي، بقدر ما تبدو إدارة عسكرية مستمرة لمضيق يبقى تحت النار.
وإذا كان الطرح البريطاني يوحي بإمكان فتح تدريجي يبدأ من البحر، فإن النقاش الأمريكي، كما تنقله غارديان، يكشف أن المسألة في واشنطن لا تقف عند حدود الملاحة، بل تلامس احتمال فرض وقائع ميدانية داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها. وهنا يرتفع ثمن "فتح المضيق" من مهمة بحرية معقدة إلى مقامرة قد تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة