كشف تقرير نشره موقع "إنسايد أوفر" الإيطالي عن فشل خطة استخباراتية معقدة لإسقاط النظام الإيراني من الداخل، مشيرا إلى أن ما بدا كرهان سريع على "انفجار داخلي" تحول إلى خطأ إستراتيجي مكلف، رغم الدعم السياسي والاستخباراتي الأمريكي الإسرائيلي.
وقال الكاتب روبرتو فيفالديلي -في مقاله بالموقع- إن دعم الموساد للاحتجاجات ضد الحكومة الإيرانية لم يكن سرا بالكامل، لأن الحسابات الرسمية لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي باللغة الفارسية، كانت تحرّض السكان علنا منذ أشهر على النزول إلى الشوارع، كما كشفت تصريحات علنية لمسؤولين أمريكيين سابقين، مثل المدير الأسبق لـسي آي إيه مايك بومبيو، عن وجود تنسيق بين تل أبيب وواشنطن لدعم المعارضة الداخلية.
غير أن التحقيق الذي نشرته نيويورك تايمز، والمبني على مقابلات مع أكثر من 12 مسؤولا حاليا وسابقا من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى، كشف عن صورة أوسع وذات طابع عملي أوضح، حيث لم يقتصر دور الموساد على الدعم الإعلامي أو الخطابي، بل قام بالتخطيط التفصيلي لعملية متكاملة تهدف إلى تغيير النظام ضمن إطار الإستراتيجية الحربية.
وأوضح الكاتب أن القصة بدأت في منتصف يناير/كانون الثاني، عندما توجه مدير الموساد ديفيد برنيع إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بخطة طموحة، بموجبها ستتمكن الاستخبارات الإسرائيلية، خلال الأيام الأولى من اندلاع الأعمال القتالية، من "تحفيز المعارضة الإيرانية"، وإشعال اضطرابات وأعمال تمرد قد تؤدي إلى انهيار النظام الثيوقراطي.
وقد عرض برنيع المقترح ذاته أيضا على مسؤولين رفيعي المستوى في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال زيارة إلى واشنطن، وقد وافق نتنياهو على الخطة، كما تبنّاها ترمب، رغم وجود شكوك داخل الأوساط القيادية في الولايات المتحدة، وكذلك داخل بعض دوائر المؤسسة الإسرائيلية نفسها، وخاصة جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان).
وكانت الخطة التي تبين فشلها لاحقا، تقوم على اغتيال القادة الإيرانيين في الساعات الأولى من النزاع، بالتوازي مع تنفيذ ضربات جوية وعمليات استخباراتية تهدف إلى تشجيع انتفاضة شعبية واسعة.
غير أن تقديرات المخابرات الأمريكية كانت واضحة منذ البداية، وهي ترى أن انهيارا كاملا للحكومة الإيرانية "أمر غير مرجح نسبيا"، ومع ذلك قال ترمب للإيرانيين في أول خطاب له خلال الحرب "استعيدوا حكومتكم. ستكون لكم"، هكذا بعد أن دعاهم إلى الاحتماء من القصف.
ولكن بعد 3 أسابيع، لم تتحقق الانتفاضة الموعودة، وأظهرت التقييمات المشتركة للاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أن النظام رغم ضعفه، لا يزال متماسكا، مع تقييد السكان بفعل الخوف من أجهزة الشرطة والقوات المسلحة، كما يقول الكاتب.
وبحسب نيويورك تايمز، فإن "العيب الجوهري" في هذه الحرب يتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قادرتين على إسقاط إيران من الداخل، إلا أن طهران ردّت بهجوم مضاد على عدة جبهات، استهدف قواعد عسكرية ومدنا وسفنا، ومنشآت نفطية في منطقة الخليج.
وأشار الكاتب إلى أن نتنياهو كان غاضبا بشدة، وعبّر عن إحباطه في اجتماع أمني عُقد بعد أيام قليلة من اندلاع النزاع، خاصة أن ترمب قد يقرر إنهاء المواجهة في أي لحظة، قبل أن تحقق عمليات الموساد نتائج تذكر، ومع ذلك، استخدم نتنياهو التفاؤل الذي أبداه الموساد في الأسابيع التي سبقت الحرب لإقناع ترمب بأن انهيار النظام الإيراني هدف واقعي.
وخصص تحقيق الصحيفة قسما منفصلا لما يعرف "بالخيار الكردي"، حيث كانت الخطة تقضي بتسليح ودعم مليشيات كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق، بهدف تنفيذ هجوم عبر الحدود، علما أن الموساد لديه علاقات تاريخية مع الأكراد، وقد سبق له وللمخابرات الأمريكية، أن قدما لهم السلاح والتدريب.
وبالفعل شنّت الطائرات الإسرائيلية في الأيام الأولى من الحرب، ضربات مكثفة على أهداف عسكرية وأمنية في شمال غرب إيران، لتمهيد الطريق أمام هذه المجموعات -حسب الكاتب- لكن ترمب أوقف العملية، قائلا بشكل صريح "لا أريد دخول الأكراد"، كما أرسلت تركيا تحذيرا واضحا إلى واشنطن برفض أي دعم لعمليات كردية.
وحتى وقت قريب، كان الموساد نفسه يعتبر أن إثارة انتفاضة في إيران أمر غير واقعي، إذ قام يوسي كوهين، المدير السابق للموساد قبل برنيع، بتقليص الموارد المخصصة لهذا الملف إلى الحد الأدنى بعد أن قدّر أنه من المستحيل جمع عدد الأشخاص الذين يجب أن ينزلوا إلى الشوارع لتهديد سلطة "آيات الله" فعليا، لكن برنيع غيّر المسار.
وفي هذا السياق، يلاحظ الصحفي ماكس بلومنتال أن "نيويورك تايمز أكدت بشكل أساسي أن إسرائيل لعبت دورا في تأجيج الاضطرابات العنيفة التي أسفرت عن نحو 3000 قتيل في إيران بين 8 و9 يناير/كانون الثاني بهدف تغيير النظام.
وسائل الإعلام الغربية، بما فيها نيويورك تايمز وغارديان لعبت دورا محوريا في إضفاء الشرعية على التضليل الإسرائيلي، من خلال تضخيم أعداد الضحايا، وإخفاء حقيقة أن العديد منهم قتلوا على يد المتمردين أنفسهم المدعومين من إسرائيل
وقال بلومنتال "كان واضحا للموساد أن تلك الاضطرابات يمكن أن تسهم في تحفيز عمل عسكري من جانب ترمب، وكان على الاستخبارات الإسرائيلية فقط إقناع الرئيس "ضعيف الإدراك" -حسب وصف الصحيفة- بأن موجة من الضربات الموجهة ستشعل انتفاضة واسعة قادرة على إسقاط الجمهورية الإسلامية فورا.
وأضاف الكاتب أن وسائل الإعلام الغربية، بما فيها نيويورك تايمز وغارديان، لعبت دورا محوريا في إضفاء الشرعية على هذا التضليل الإسرائيلي، من خلال تصوير تلك الاضطرابات العنيفة الهادفة إلى تغيير النظام على أنها احتجاجات، مع تضخيم كبير في أعداد الضحايا، وإخفاء حقيقة أن العديد منهم قتلوا على يد المتمردين أنفسهم المدعومين من إسرائيل.
واختتم الكاتب تقريره بقول بلومنتال إن "عالم الإعلام الغربي بأكمله، وكذلك ما يعرف بالمجمّع الصناعي لحقوق الإنسان في الغرب قد تعمد تشويه الطبيعة الحقيقية لتلك الاضطرابات. أما الآن وبعد أن بدأت الحرب التي ساهموا في إشعالها تسير بشكل سيئ بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فتشعر هذه الوسائل الإعلامية بأنها حرة في كشف جزء من فتات الحقيقة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة