لندن- في مشهدٍ بدا كأنه استحضار لحالة طوارئ غير معلنة، استيقظت العاصمة البريطانية لندن على وقع استنفار أمني لم تشهده منذ سنوات، إذ تحولت ضفاف نهر التايمز إلى ثكنة عسكرية تحتشد فيها قوات الشرطة بآلياتها وأجهزتها، في محاولة لمحاصرة "يوم القدس العالمي".
ولم يكن إحياء "يوم القدس"، أمس الأحد في لندن، مجرد مناسبة تضامنية سنوية، بل تحوّل إلى "موقعة حقوقية" مؤثرة بعد قرار وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود حظر المسيرة السنوية، التي تُنظَّم عادة في يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان، متذرعة بـ"مخاطر أمنية".
لكن الحظر الذي أُريد به الصمت، تحوّل، كما يقول القائمون على الحدث، إلى صرخة مدوية أطلقها آلاف المتظاهرين الذين كسروا طوق العزلة ونددوا بالحرب على إيران و لبنان، وكذلك حرب الإبادة في قطاع غزة.
وبينما توجهت الجزيرة نت إلى شرطة العاصمة البريطانية للاستفسار عن دوافع منع مسيرة "يوم القدس" والاحتشاد الأمني الذي تزامن مع مسيرة الأحد، اكتفت الأخيرة بتصريح مقتضب من مساعد مفوض الشرطة البريطانية ورئيس وحدة النظام العام آدي أدليكان.
وقال "لم نتخذ قرار حظر المسيرات استخفافا، بل بناء على تقييم أمني أكد أن مخاطر الاضطرابات العامة كانت شديدة لدرجة لم تترك لنا خيارا آخر".
وأضاف أدليكان محذرا "إن أي شخص يشارك في مسيرة أو يحرض الآخرين على السير فيها سيواجه الاعتقال الفوري"، مشددا على أن الشرطة في الميدان تلقت تعليمات حازمة بالتعامل مع أي لافتات أو شعارات "تتجاوز الخطوط الحمراء" أو تصنف كخطاب كراهية أو دعم لمنظمات محظورة.
وحددت الشرطة سقفا زمنيا خانقا للتظاهر، حيث أجبرت الحشود على التجمع بعد الساعة الواحدة ظهرا والتفرق تماما بحلول الثالثة، مع إغلاق جسر "لامبيث" أمام الجميع باستثناء سيارات الطوارئ، لضمان عدم حدوث أي تلاحم بين المتظاهرين المؤيدين لفلسطين على الضفة الجنوبية والمحتجين المضادين على الضفة الشمالية.
وتستمد هذه اللجنة ثقلها الحقوقي من صفتها الاستشارية الخاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (إيسيسكو) التي حازت عليها منذ عام 2007.
ولم يتحدث مسعود كمنظم لمظاهرة فحسب، بل كحقوقي عاصر العمل الميداني في بريطانيا لأكثر من 4 عقود. وقال للجزيرة نت "نحن هنا لنقف ضد عامين من الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة، لكن المعركة اليوم أبعد من حدود الشرق الأوسط، إنها معركة الدفاع عن الإنسانية التي باتت على المحك، إذا سمحنا بـ(تطبيع الإبادة) في العلاقات الدولية، فلن يظل أحد في مأمن".
وانتقد رئيس اللجنة بصرامة السلوك الأمني البريطاني، مؤكدا أن الشرطة تحولت إلى "أداة سياسية" لتنفيذ أجندات مؤيدة للصهيونية ومدافعة عن "المجرمين".
وأشار إلى أن اعتقال أكثر من 2000 شخص لمجرد حملهم لافتات، وتحت ذريعة "قانون الإرهاب" خلال العامين الأخيرين، هو مؤشر خطير على تآكل الديمقراطية البريطانية. وختم حديثه موجها كلمة لوزيرة الداخلية "يمكنكم حظر مسيرتنا، لكن لا يمكنكم أبدا إسكات أصواتنا".
وسط حشود حملت الأعلام الفلسطينية والإيرانية واللبنانية، برزت وجوه حاخامات جماعة "ناطوري كارتا" المناهضة للصهيونية بملابسهم التقليدية السوداء.
وقال كبير الحاخامات المشاركين إلحنان بيك للجزيرة نت إن وجود "إسرائيل" بحد ذاته يمثل تمردا على الإرادة الإلهية وفقا للتوراة". وأوضح "نحن في المنفى بقرار إلهي، ومحاولة إنهاء هذا المنفى بالقوة السياسية هي عصيان للخالق"، وأن "الدولة من النهر إلى البحر يجب أن تُعاد لأصحابها الفلسطينيين".
وانتقل الحاخام إلحنان لتفنيد ما سماه "أكذوبة العداء الإسلامي لليهود"، مستشهدا بالواقع المعاصر في إيران، حيث يعيش 35 ألف يهودي بسلام، مشيرا إلى دعم الحكومة الإيرانية لمشفى يهودي ومعاهد تعليمية، وشدد على أن الصراع ليس دينيا بل هو صراع ضد "الإبادة" والاحتلال.
وفي سياق متصل، قدم الحاخام يعقوب واسيز، المقيم في شمال لندن، شهادة حية عن الضريبة التي يدفعها اليهود المناهضون للصهيونية التي وصفها بـ"لعنة على البشرية واليهود معا". وقال "بصراحة مطلقة، اعتبر أن الصهيونية قد أفلست أخلاقيا، ولم يعد أمامها وسيلة للبقاء إلا عبر المذابح والإبادة الجماعية المتتالية".
وتحدث واسيز عن تعرضه للتهديد والاعتقال من قِبل شرطة لندن بتهمة حرق العلم الإسرائيلي، مؤكدا أن "إسرائيل هي العدو الأكبر للشعب اليهودي"، ومشبها الممارسات الصهيونية بالأنظمة الفاشية والنازية في عنصريتها وإقصائها للآخر، مشددا على أن التعايش بين المسلمين واليهود كان ولا يزال ممكنا لولا "سموم الصهيونية".
بينما كان 1000 عنصر شرطة ينتشرون لحفظ النظام كما صرحت الحكومة، كان نحو 12 ألف متظاهر يصيغون نظامهم الخاص المبني على التضامن العفوي.
واستخدمت الشرطة جسر "لامبيث" ونهر التيمز كحواجز طبيعية لفصل المتظاهرين عن "مظاهرة مضادة" صغيرة جدا ضمّت مؤيدين للاحتلال ومعارضين للحكومة الإيرانية.
وعلى الرغم من محاولات التضييق، انطلقت الصلوات الجماعية والهتافات التي ملأت فضاء المنطقة الجنوبية لضفة نهر التايمز في لندن.
ولم تخلُ الفعالية من احتكاكات أدت إلى اعتقال 12 متظاهرا، بينهم من وُجهت له تهمة دعم "منظمة محظورة"، وآخر بتهمة "السلوك التهديدي".
كما أعلنت "سكوتلاند يارد" (شرطة العاصمة) أنها بصدد التحقيق في هتاف "الموت لإسرائيل" الذي هتف به مغني الراب بوب فيلين خلال المظاهرة، في إشارة واضحة على استمرار الملاحقة القانونية للخطاب الناقد لإسرائيل.
وحتى بعد انتهاء الفعالية ورفع قرار النظام العام الصارم الذي استمر من الواحدة حتى الثالثة عصرا، فإن الاعتقالات والهتافات استمرت للمساء.
يقول محامون شاركوا في المظاهرة إن إصرار المنظمين على تحويل "المسيرة المحظورة" إلى "تظاهرة ثابتة" هو التفاف على الثغرات القانونية، حيث لا يمنح القانون البريطاني السلطة حق منع التجمعات الثابتة بنفس سهولة منع المسيرات المتحركة.
ويرى قادة الحراك الحقوقي في لندن أن المعركة لم تعد فقط على "أرض فلسطين"، بل هي معركة على "حرية التعبير" في قلب العواصم الغربية.
وقال نشطاء ومتظاهرون إن حظر مسيرة "يوم القدس"، الذي جاء بتنسيق بين وزيرة الداخلية وشرطة العاصمة، يكشف قلق المؤسسة الرسمية من تنامي الغضب الشعبي ضد السياسة الخارجية البريطانية، خاصة مع استمرار شحنات الأسلحة لإسرائيل وتوفير الغطاء السياسي لجرائم الحرب في غزة ولبنان واستخدام القواعد العسكرية البريطانية من قِِبل الولايات المتحدة في الحرب التي اعتبرها المتظاهرون خرقا للقانون الدولي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة