آخر الأخبار

ليلة القدر بلا اعتكاف.. المقدسيون يخاطبون الأقصى من خلف الأبواب المغلقة

شارك

"كم أشتاق لسجدة في رحابك، كم أشتاق أن يلامس جبيني بلاط باحاتك، وأتوق لعناق أعمدة رخامك، يا مسجدي صبرا.. غداً تُمحى الغُمة وينجلي ليل الأمة". هذا ما قالته الشابة المقدسية شيماء عبد (25 عاما) عندما سألناها: ماذا تقولين للأقصى في هذه الليلة لو كان بإمكانك مخاطبته؟

في ليلة 27 رمضان، حيث يحيي الفلسطينيون ليلة القدر في المساجد، يستمر إغلاق المسجد الأقصى بأمر من سلطات الاحتلال منذ 28 فبراير/شباط، وهو ما شكل وجعا لكثير من محبيه الذين اعتادوا على الاعتكاف في رحابه طوال العشر الأواخر من رمضان كل عام، مترقبين حلول ليلة القدر في إحدى لياليه.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نجاحات صغيرة وجرأة غير مسبوقة.. كيف بدت الدراما السورية في رمضان 2026؟
* list 2 of 2 مقدسيون يكسرون الصمت.. حكاية السجود على مشارف الأقصى end of list

وبالتزامن مع الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، أغلقت سلطات الاحتلال المسجد الأقصى ومنعت الصلاة فيه بذريعة الاستجابة لحال الطوارئ ومنع التجمعات، في تدخل صريح في صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية التي تدير المسجد نيابة عن الأردن.

مصدر الصورة شيماء تفتقد أجواء ليلة القدر في المسجد الأقصى وهو برنامج اعتادت عليه منذ 5 سنوات (الجزيرة)

انقطاع قهري

انطلقت شيماء في رحلة الاعتكاف بالأقصى عام 2021، بعدما تابعت البث المباشر لعدد من المصلين خلال اعتكافهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولفتها نشاطهم في نصب الخيام وصلاة التهجد والقيام، وأجواء السحور على المصاطب، فشعرت بفضول لخوض التجربة.

5 أعوام متتالية اعتكفت فيها شيماء وما كان يدفعها للعودة لهذه العبادة هو روحانيات المسجد والسكينة التي تتغشى المرء فيه. وتقول إن مما لا يمكن تفويته في اعتكاف الأقصى "صلاة خلف الشيخين محمد محاميد ويوسف أبو سنينة، وسحور العم أبو أحمد على مصطبة الجنائز أمام المصلى القبلي، ودعوات المسنات للشابات اللاتي يجلبن لهن المصاحف والكراسي للصلاة عليها حرصا على راحتهن".

لكن هل تغيّرت أجواء الاعتكاف في الأقصى عبر السنوات الخمس؟ تقول شيماء إن العديد من الأمور تغيّرت في آخر عامين، أبرزها زيادة تقييدات شرطة الاحتلال على المُعتكفين، من عدم السماح لمن يخرج من المسجد لأي غرض بالدخول إليه مجددا بعد التراويح، وبقاء قوات الاحتلال في الساحات وتعكير صفو المُعتكفين بجولات لفحص الهويات الشخصية وتفتيش الخيام.

"الأقصى يجمعنا"

ورغم هذه التشديدات فإن لليلة القدر في أولى القبلتين نكهة مختلفة. ووصفت شيماء المشهد من ذكرياتها قائلة "في هذه الليلة نرى امتدادا من الأمواج البشرية، شيوخ وشبان ونساء وحتى أطفال، رؤية هذا العدد الهائل من الجموع يُشعر بروح الإسلام وترابط الناس وتعاونهم.. كان المسجد يجمعنا من القدس والداخل والضفة الغربية وحتى من دول الخارج من أتراك وإندونيسيين وغيرهم".

إعلان

في ليلة القدر يؤدي المعتكفون بالأقصى طقوسا متشابهة بدءا من الانضمام إلى حلقات الذكر والعلم وتفسير القرآن، ثمَّ أداء صلاة التهجد والقيام خلف الإمام، والاستماع إلى أصوات التلاوات الندية لأئمة وقراء المسجد الأقصى، واختتامها بدعاء القنوت عند مطلع الفجر.

وعن ذكرى معينة من ليلة القدر في الأقصى بقيت عالقة في ذاكرتها طوال هذه السنوات، استدعت شيماء من ذاكرتها مشهد الاعتكاف الأول الذي كانت وحيدة فيه، "وكنت آمل وأدعو الله أن يُيسر لي رفيقة تؤنسني وتشد من أزري، ولم يمضِ كثير من الوقت وإذ بفتاة تمرّ بجانبي وتطلب مني الانضمام لدرس ديني وكان الدرس عن عظم الاصطفاء بالاعتكاف في أولى القبلتين ومسرى حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم".

استقبلت شيماء خبر عدم القدرة على الاعتكاف أو إحياء ليلة القدر في الأقصى هذا العام بحزن عميق، وكان الأمل يلازمها بأن تُفتح أبوابه في العشر الأواخر على الأقل، لكن بعد إدراكها حقيقة استمرار الإغلاق "أصبتُ بإحباط وضيق، بكيت بكل ليلة من العشر ودعوت أن يردّنا الله لمسجدنا ولا يحرمنا القيام والصلاة فيه بخير ليلة في السنة كلّها".

الفرار إلى الأقصى

عندما تمر هذه الشابة بضيق تقول إنها تفرّ إلى الأقصى للبكاء في جنباته، "والآن وقد مسّ الضيق مسجدي فلا أعلم إلى أين ألجأ، كان يسعنا برحاب سكينته إذا ضاقت علينا دنيانا".

اختتمنا لقاءنا مع شيماء بسؤالها عما يعنيه أن تُحرم من هذه التجربة بعد سنوات من الاعتكاف في الأقصى.، فأجابت بألم "من عرف اغترف ومن اغترف اعترف ومن اعترف أدمن، فكيف إذا انتُزِع منكِ ما هو قطعة منك وجزء من هويتك كمسلمة".

وتضيف "شعرت أنني فقدت جزءا من روحي وأشعر بالضياع والفراغ، أفتقد تجهيز حقيبة الاعتكاف وتعب حملها مع الخيمة، وأفتقد ترتيب وجدولة وقتي كيف سأستغل كل دقيقة وثانية من اعتكافي، أفتقد نفسي التي اعتادت أن يحتضنها الأقصى".

تغيير مؤلم

تيماء أبو ليلى (22 عاما) انسلخت هي الأخرى قسرا عن عبادة الاعتكاف التي لم تؤدها إلا في المسجد الأقصى، ضمن "طقس سنوي ننتظره لننصب خيمتنا في العشر الأواخر رفقة الصديقات الأقصاويات".

لا تؤلم هذه الشابة المقدسية فكرة حرمانها من الاعتكاف هذا العام بالتحديد، بل التضييقات الكبيرة على المعتكفين خاصة منذ اندلاع الحرب على غزة أواخر عام 2023، "فالتغير مؤلم وكبير.. في السابق كان الاعتكاف يجمع الفلسطينيين من كل مكان بلا إبعادات أو تضييقات، وكانت الروحانيات تملأ المكان بحرية".

وتدريجيا "بدأنا نفقد وجوها ألفها الأقصى وألفته بسبب قرارات الإبعاد، وتحول المشهد من سكينة العبادة إلى ساحات مدججة بالسلاح ومراقبة وترهيب، حتى بات المعتكفون يخشون القمع عند خروجهم من المصليات".

مصدر الصورة جانب من ليالي الاعتكاف في المسجد الأقصى في أعوام سابقة (الجزيرة)

جنة الأرض

ورغم ذلك فإن تيماء وصفت للجزيرة نت مشهد إحياء ليلة القدر في الأقصى قبل إغلاقه "المشهد يكون مهيبا ويثلج الصدر، فالساحات والمصليات تعج بالناس، وخيام الاعتكاف مرصوصة بجانب بعضها "لدرجة أننا كنا نضطر لرفع أجزاء منها لتوفير مساحة للمصلين".

إعلان

ويتحول المسجد في العشر الأواخر إلى "جنة الأرض"، مجموعات كخلايا النحل، ما بين مصلٍّ، وتالٍ للقرآن، وشابٍ يناجي ربه في زاوية مظلمة، ومجموعات تستريح على أنغام المديح النبوي، وكل ذلك اختفى بلمح البصر هذا العام تضيف تيماء بنبرة حزن وقهر.

وعن طقوسها الخاصة في ليلة القدر أكدت هذه الشابة حرصها على مزيج بين الخلوة والخدمة؛ فتبدأ بصلوات قيام ممتدة ودعاء ملحّ لنفسها ولأهلها وللأقصى، ثم تنتقل لمهامها التطوعية في "لجنة نظام فتيات المسجد الأقصى"، حيث لخدمة المعتكفين طعم آخر من العبادة، وفي فترات الراحة تعود لهدوء الذكر في الخيمة.

غربة الروح

لم يكن من السهل على تيماء كتمان عمق الألم عند قولها إنها ستحيي ليلة القدر هذا العام في المسجد المجاور لمنزلها ببلدة كفر عقب شمال القدس، "حين مُدد إغلاق الأقصى شعرتُ بمرارة البُعد وبغربة الروح لدرجة الإنهاك الجسدي، فقلوبنا معلقة بكل محراب هناك، وهو بيتي ومستراحي، وحرماني من الليلة التي أتزود منها بالسكينة طوال العام بحجة الطوارئ هو ألم لا يوصف، فلا بديل للأقصى على هذه الأرض وبديله الوحيد هو الجنة".

وماذا تقول هي الأخرى للأقصى في هذه الليلة لو كان بإمكانها مخاطبته؟ أقول له "اشتقت لك كثيراً، وأرجو أن تعذرني يا قبلة القلوب، مُنعتُ عنك بالجسد لكن روحي ترفرف في باحاتك، استودعك الله في كل دعاء، وسأبقى على العهد حتى يأذن الله لنا باللقاء مجدداً."

سيمر هذا العام ناقصا من تلك الخلوات التي تؤكد أنها كانت تعيد ترتيب قلبها، وكذلك سيمر على المقدسي زهدي عليان (62 عاما) الذي يواظب على الاعتكاف في أولى القبلتين منذ عام 2000.

يقع منزل هذا المقدسي في حي رأس العامود، ويطل على قبة الصخرة المشرفة الذهبية، ويقول إن هذه الإطلالة تؤنسه على مدار العام لكنها تحولت إلى شعور عميق بالألم منذ نحو أسبوعين لعجزه عن الوصول إلى الرحاب المباركة في ظل الإغلاق.

مصدر الصورة عليان يصف تمديد إغلاق الأقصى بحجة حالة الطوارئ بمثابة الفاجعة (الجزيرة)

نظرة وبكاء

يعتكف عليان بالمسجد الأقصى رفقة مئة مقدسي منذ قرابة 3 عقود، ويتوافد هؤلاء من أحياء القدس المختلفة، واضطر جزء منهم للاعتكاف في مسجد محمد الفاتح بحي رأس العامود، الذي تطل ساحته الخارجية على سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى، ويقول "نقف كل يوم في الساحة ننظر إلى المسجد الأقصى ونبكي حرقة على إغلاقه".

يعتبر هذا المقدسي أن الزمن يجب أن يتوقف حتى يُعاد فتح أبواب المسجد، "فلولا أن الأمر شرعي ولا يمكن للبشر التدخل فيه، لطلبنا إيقاف شهر رمضان حتى يُفتح المسجد الأقصى ونعود إلى رحابه، لأن رمضان من دونه هو مجرد أيام تمضي".

وعن شعوره خلال اعتكافه إحياءً لليلة القدر في الأقصى قال "أكون في جنبات أقرب بقعة في الأرض من السماء.. أشعر أنني أقف عند باب السماء ومتصل بالله اتصالا لا يمكنني وصفه بالكلمات.. لذلك كان خبر تمديد إغلاقه بحجة حالة الطوارئ بمثابة الفاجعة، وكما لو أنني تلقيت خبر وفاة شخص عزيز على قلبي".

كما لم يعرفه ضيوف هذه القصة من قبل سيكون حال المسجد الأقصى خلال ليلة القدر مختلفا، فساحاته وأروقته بلا صخب ولا خيام، وبلا الأصوات التي كانت تمتزج فيها تلاوات القرآن بالدعاء وهمسات السحور قبيل الفجر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا