كما في كل مرة، يجد العاملون والعاملات الأجانب في لبنان أنفسهم في مواجهة تداعيات الحرب: نزوح وخوف ومصير مجهول. وغالباً ما تكون ظروفهم أشد قسوة من اللبنانيين، لأنهم يعيشون خارج بلدهم، ولأن بعضهم قد يواجه الإهمال أو التمييز.
ويقدَّر عدد العمال الأجانب في لبنان بعشرات الآلاف، يعمل كثير منهم في الخدمة المنزلية أو في أعمال منخفضة الأجر، ويعتمدون على دخلهم لإعالة عائلاتهم في بلدانهم الأصلية.
صابرينا (اسم مستعار)، عاملة منزلية من بنغلادش. في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، نجت مع زوجها بأعجوبة خلال الحرب الماضية، بعدما دمّرت غارة إسرائيلية المبنى الذي كانا يقطنان فيه في بيروت. كانا قد خرجا للنزهة بانتظار عودة التيار الكهربائي، وبعد نحو خمس دقائق قُصف المبنى في منطقة البسطة، وهي منطقة سكنية مكتظة في العاصمة.
خسرت صابرينا وزوجها كل ما يملكانه وما ادّخراه في المنزل، كما خسر زوجها أدوات عمله في الخياطة. وانتقلا للعيش في ملجأ مؤقت قبل أن يستقرا في شقة صغيرة مع شقيقتها، حيث بدأت حياتها من جديد، من الصفر.
لم تفكر صابرينا كثيراً في خسارة المنزل أو الممتلكات، الأهم بالنسبة إليها أنها نجت وعائلتها من الموت.
اليوم، ومع اندلاع جولة جديدة من الحرب، تشعر بالخوف والقلق لكنها لا تستطيع المغادرة. تملّكها الخوف حين علمت يوم أمس بإقفال أحد الشوارع في العاصمة خشية تنفيذ غارة على مؤسسة القرض الحسن، وهي مؤسسة مالية مرتبطة بالحزب سبق أن أعلنت إسرائيل أنها قد تستهدفها. ولا يبعد المكان كثيراً عن مكان سكنها الحالي.
تقول: "لا أملك ثمن تذكرة السفر. سأنتظر، ربما أغادر إن ساءت الأحوال كثيراً".
وتضيف: "لا نخرج كثيراً في الوقت الحالي، نبقى في المنزل معظم الوقت".
لكنها تقول إنها لا تستطيع البقاء في المنزل طويلاً، إذ يتعين عليها وعلى زوجها العمل لتأمين مصروفهما والاستمرار في إرسال المال إلى الأهل والأولاد في بنغلادش، كما يفعل كثير من العمال المهاجرين الذين يعتمد أفراد عائلاتهم في بلدانهم على التحويلات المالية.
وخلال الحرب الماضية اضطرت مع زوجها إلى مغادرة الملجأ المؤقت أكثر من مرة، كما فعل كثير من سكان بيروت. كانوا يتجهون إلى الشاطئ أو وسط المدينة، وينتظرون بلا نوم حتى ساعات الصباح الأولى قبل العودة إلى منازلهم بعد انتهاء الغارات الجوية.
وتروي صابرينا أن سفارة بنغلادش في لبنان أعلنت خلال حرب 2024 تأمين تذاكر مجانية للمغادرة للراغبين في العودة إلى بلادهم. لكن السفارة لم تصدر إعلاناً مماثلاً حتى الآن.
تشير تقارير صحافية محلية إلى أن بعض العمال والعاملات الأجانب اضطروا إلى مغادرة المناطق التي يعيشون فيها مع تصاعد القصف، لكنهم لم يتمكنوا في بعض الحالات من دخول مراكز الإيواء التي فتحت لاستقبال النازحين. ويقول ناشطون إن هذه المراكز أنشئت أساساً لاستقبال العائلات اللبنانية التي نزحت من منازلها، ما ترك عدداً من العمال الأجانب من دون مكان يلجأون إليه.
وتكررت هذه المشكلة خلال حرب عام 2024 أيضاً، إذ أفادت تقارير إعلامية آنذاك بأن بعض العمال والعاملات الأجانب لم يتمكنوا من دخول مراكز الإيواء، كما فقد كثيرون وظائفهم بعدما غادرت العائلات التي كانوا يعملون لديها منازلها.
وفي بيروت، توجهنا إلى كنيسة مار يوسف في الأشرفية، وهي منطقة في شرق العاصمة، حيث تعمل جمعية لبنانية على استقبال عمال وعاملات أجانب لم يجدوا مأوى.
في باحة الكنيسة وداخلها تجمع عدد من الأجانب من جنسيات مختلفة. وأكد لنا الناشط اللبناني روبير من "الهيئة اليسوعية لخدمة الإنسان" ما نشر عن عدم استقبال بعضهم في مراكز الإيواء الأخرى، موضحاً أن الأولوية تعطى للعائلات اللبنانية.
وتستضيف كنيسة مار يوسف عادة، كل يوم أحد، عائلات العمال والعاملات الأجانب في أنشطة اجتماعية وروحية. لذلك، بحسب ما أخبرنا روبير، يعرف كثير منهم هذا المكان ويقصدونه عند الحاجة. وقد سبق أن استخدمت الكنيسة أيضاً كمكان إيواء خلال حرب عام 2024.
ويقول روبير إن هؤلاء العمال والعاملات يعتبرون أنفسهم "أصدقاء لهذه الكنيسة"، ولهذا توجهوا إليها مباشرة عندما وجدوا أنفسهم بلا مكان يلجأون إليه.
تؤكد رنا (اسم مستعار) لبي بي سي ما يقوله روبير حول عدم استقبال بعض النازحين الأجانب في مراكز الإيواء.
بدأت مأساة رنا قبل سنوات في السودان مع اندلاع الحرب هناك. فقد خسرت منزلها في بداية الاشتباكات بعد قصف طال مدينة بحري في العاصمة الخرطوم. وبعد ذلك قررت مغادرة البلاد مع أولادها الثلاثة للانضمام إلى زوجها الذي كان يعمل في لبنان.
تقول إن الرحلة كانت شاقة، فقد نامت هي وأولادها أربعة أيام في العراء بعد تدمير منزلها، ثم أمضت ستة أيام في الطريق من الخرطوم إلى مصر، وفق ما روت لبي بي سي عربي، قبل أن تتمكن لاحقاً من السفر إلى لبنان.
قبل اندلاع هذه الجولة من الحرب، كانت تعيش مع زوجها وأطفالها الثلاثة: صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، وطفلتان بعمر ست سنوات وسنتين. وكانت العائلة تقيم في قرية شقرا الحدودية في جنوب لبنان، إذ كان زوجها يعمل بواباً في أحد المباني هناك.
لكن حياتهم تغيّرت من جديد مع التصعيد في لبنان، بالتزامن مع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران، ومع دخول حزب الله المواجهة عبر قصف مواقع داخل إسرائيل بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أواخر فبراير/شباط الماضي.
تقول رنا إن زوجها تلقى اتصالاً فجر يوم الاثنين الثاني من مارس/آذار يطلب منه إخلاء المبنى الذي يعمل فيه. وتضيف: "كنا قد جهزنا حقائب وضعنا فيها ما يلزم، لأننا نعلم أننا نعيش في منطقة خطرة".
غادرت العائلة، الأب والأم والأطفال الثلاثة، على دراجة نارية. لكن حادثاً صغيراً وقع في الطريق أدى إلى انزلاق الدراجة وإصابة الزوج في ركبته.
تابعت رنا الرحلة مع أطفالها بعدما استقلوا شاحنة صغيرة كانت تقل عائلة سورية متجهة إلى بيروت، بينما بقي الزوج خلفهم بسبب إصابته. وبعد نحو خمس ساعات وصلوا إلى طريق قرب مطار بيروت.
ومن هناك انتقلت رنا وأطفالها مع عائلة أخرى إلى شاطئ الروشة في غرب بيروت، ثم واصلوا الطريق سيراً على الأقدام في ساعات الصباح الأولى، بعدما دلّهم أشخاص على مأوى يستقبل النازحين في حي الكرنتينا الساحلي المجاور لمرفأ بيروت.
تقول إن المسافة التي قطعتها مع أطفالها سيراً تُقدَّر بنحو 17 كيلومتراً، وقد استغرقت الرحلة وقتاً طويلاً بسبب ازدحام الطرق بالنازحين القادمين من الضاحية الجنوبية لبيروت ومن مناطق الجنوب.
وتضيف: "عندما وصلنا إلى الكرنتينا قيل لنا إن الملجأ يعطي الأولوية لاستقبال اللبنانيين".
طلب منهم الانتظار إلى حين تأمين أماكن للعائلات اللبنانية أولاً، إلى أن أرشدهم أحد الأشخاص إلى كنيسة مار يوسف في الأشرفية، فتوجهوا إليها، قبل أن يتمكن الزوج من الانضمام إليهم في اليوم التالي.
لا تعرف رنا ما الذي ينتظرها، ولا خطوتها التالية. فهي لا تستطيع العودة إلى السودان الذي لا يزال يشهد نزاعاً مسلحاً، كما أن العائلة فقدت مصدر دخلها ولا تملك مالاً يكفي للانتقال إلى مكان آخر.
تقول: "زوجي يذهب يومياً منذ الصباح للبحث عن عمل، لكن من المستحيل العثور على عمل في مثل هذه الظروف".
وتضيف: "حتى الشخص الذي كنا نعمل لديه لم يسأل عنا. سننتظر إلى ما بعد الحرب لنعرف أولاً ما إذا كان المنزل الذي كنا نسكنه في الجنوب قد نجا من التدمير أم لا".
وتستقبل الكنيسة، وفق ما أوضح روبير من "الهيئة اليسوعية لخدمة الإنسان"، نحو 200 شخص، أغلبهم من السودان وإثيوبيا، إضافة إلى نازحين من سريلانكا. ويبلغ عدد الأطفال بينهم نحو 50 طفلاً.
ويقول روبير إنه عندما وصل صباح الاثنين إلى باحة الكنيسة، وجد نحو 100 شخص ينامون في الباحة الخارجية.
وتوفر الجمعية لهم الإقامة والطعام، إضافة إلى رعاية طبية للحالات الطارئة. وتعمل في الأيام المقبلة على تنظيم أنشطة ترفيهية وتقديم دعم اجتماعي ونفسي، فضلاً عن جلسات توعية.
وأشار روبير إلى أن عدد العمال والعاملات الأجانب الذين قصدوا الكنيسة كان أكبر في البداية، لكن بعضهم غادر لاحقاً إلى أماكن أخرى تديرها جمعيات تعنى بالنازحين الأجانب. فبعض المبادرات تكفلت مثلاً بالعمال الفلبينيين ونقلتهم إلى مراكز أخرى.
وخلال زيارتنا، شاهدنا أفراداً من منظمة "أطباء بلا حدود" يطلعون على أوضاع الموجودين الصحية. وكانت سيارة تنتظر سيدة سودانية حاملاً لنقلها إلى المستشفى.
وتتحدث رنا عن خوف أطفالها قائلة: "يلازمونني أينما أكون، ولا يفارقونني لحظة من شدة خوفهم". وتضيف أن ابنتها أصبحت عصبية المزاج بسبب الظروف التي تعيشها.
وتقول: "المشكلة أنه مهما تكلمنا، لن يسمعنا أحد ولن يتجاوب معنا أحد. حتى لو تحدثنا إلى الصحافة، ما الذي قد يتغير؟".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة