آخر الأخبار

الحرب على إيران: قلق عراقي من ضياع “الفرصة” | الحرة

شارك

يعكس الموقف العراقي من الحرب على إيران تراكمات سياسية وجيوسياسية تعود إلى سنوات طويلة، ولم تنجح التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003 في تجاوزها بشكل كامل.

يرتبط هذا الصراع بشكل مباشر بتوازنات داخلية وهويات سياسية ومذهبية تؤثر في شكل المواقف داخل العراق.

هذا الواقع جعل العراق ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية. فموقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية جعلاه قريبا من محاور الصراع في المنطقة، وفي الوقت نفسه عرضة لضغوط دولية وإقليمية متعارضة.

يمتد هذا الصراع إلى داخل المكون السياسي الشيعي في العراق، حيث تظهر رؤيتان مختلفتان: إحداهما تركز على بناء دولة وطنية ذات سيادة واضحة، والأخرى ترى العراق جزءا من مشروع سياسي إقليمي أوسع.

هذا التباين ينعكس على مواقف القِوى السياسية الشيعية، خاصة مع تصاعد الحرب بين ما يعرف بـ”محور المقاومة” من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.

ترى المحللة السياسية نوال الموسوي أن القوى السياسية الشيعية تشعر بقلق متزايد من احتمال فقدان موقعها في الحكم، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك أدوات فعالة للتعامل مع أي متغيرات محتملة في المشهد السياسي.

وتقول لـ”الحرة” إن “هذه القوى لم تخلق حتى الآن فرصة حقيقية لمراجعة نهجها في العلاقة مع الشارع أو مع بقية المكونات السياسية، وهو ما قد يزيد من مستوى المخاطر في المرحلة المقبلة”.

ترى بعض القوى الشيعية ضرورة دعم إيران سياسيا أو عسكريا، بينما تميل قوى أخرى إلى تجنب الانخراط المباشر في أي صراع إقليمي.

ويظهر هذا التباين أيضا داخل قوى الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم. فبينما يميل بعض قادته إلى مواقف أكثر تشددا تجاه الولايات المتحدة، يركز طرف آخر على الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية وتجنب التصعيد.

وقد بدا هذا التناقض واضحا في ملف الوجود العسكري الأميركي. فالحكومة العراقية أجرت مفاوضات لإنهاء مهام التحالف الدولي تدريجيا بحلول نهاية عام 2026، في حين استمرت فصائل مسلحة مرتبطة بما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” في استهداف المصالح الأميركية داخل البلاد.

يقول القيادي في تيار الخط الوطني، حامد السيد، وهو تيار يتبنى فكرة “الشيعة الجُدد” إن “الشيعة يقفون أمام معادلة صعبة تقوم على الموازنة بين منطق المقاومة وسيادة الدولة”.

ويضيف خلال مقابلة مع “الحرة” أن “ بيان المرجع السيستاني الأخير بشأن الحرب على إيران، والذي دعا إلى الحوار وإحياء الاتفاق النووي وفق القواعد الدولية، يعكس توجها يدعو إلى التعامل مع الأزمة ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية”.

وبحسب السيد، فإن “المرجعية حين تشدد على الاحتكام إلى المواثيق والعهود الدولية، إنما رسمت إطارا واضحاً لموقع الشيعة في النظام الدولي”.

ووفقا لقوله، إن المرجعية تريد القول إنهم، أي الشيعة، ليسوا قوة خارج القانون الدولي ولا مشروعا متمردا على قواعده، بل جزء من منظومة دولية تقوم على احترام السيادة والاتفاقات والشرعية الأممية.

في الثامن والعشرين من يناير 2026، نشر الكاتب العراقي عضو حزب الدعوة الإسلامية سابقا غالب الشابندر على حسابه في منصة X ملمحا إلى السياسيين الشيعة قائلا: “اتركوا شعارتكم الأزلية واعملوا بدهاء السياسة. مرة واحدة كونوا رجال سياسة وحافظوا على هذا النظام، فكثير من الأعداء يتربصون”.

في المقابل، ينظر المكون السني إلى التطورات الإقليمية بقلب وترقب في آن واحد. فبعض القوى السنية تعتقد أن انشغال إيران أو ضعف نفوذها في المنطقة قد يفتح المجال لإعادة ترتيب موازين القوى السياسية داخل العراق.

لكن في الوقت نفسه، هناك مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد أمني في المنطقة إلى زعزعة الاستقرار داخل البلاد، خاصة في المحافظات التي شهدت سابقا صراعات مسلحة أو نشاطا لتنظيمات متطرفة.

أثيل النجفي وهو سياسي سُني، وكان محافظا لنينوى عندما سقطت بيد تنظيم “داعش” في يونيو 2014، وجه رسالة إلى السُنة يدعوهم فيها إلى المبادرة في ظل ما ألمح إليه ضعف إيران بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها.

وكتب على حسابه في منصة X: “بعد الأحداث الأخيرة التي أدخلت إيران ونفوذها وحلفاءها في دوامة باتت نتائجها واضحة ومآلاتها قريبة، آن الأوان ليكون لنا دور حقيقي في عراقنا (..) فلم يعد للمطالبة بالخروج من الهيمنة الإيرانية ثمن يُدفع”.

كتب أيضا: “خارطة النفوذ السياسي تُرسم من جديد في المنطقة بأسرها، وإن غبنا عن هذه اللحظة فسيرسم الآخرون حدود نفوذهم على حسابنا ودون أن يُؤخذ رأينا”.

يواجه المشهد السياسي السني مشكلة التشتت وغياب القيادة الموحدة. فالقوى السنية لا تزال موزعة بين عدة تحالفات سياسية مثل “تقدم” و”السيادة” و”العزم”، وهو ما يضعف قدرتها على توحيد موقفها، خاصة وبعض القِوى السُنية مدعومة من إيران.

يقول الكاتب والصحفي، وليد إبراهيم، الذي عمل لسنوات مديرا لمكتب قناة الجزيرة في العراق: “واحدة من أبرز أسباب هذا التشتت هو أن هذه القوى، لا تزال أسيرة صراع الزعامة. المجلس السياسي الوطني كان يمكن أن يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لم يتمكن حتى الآن في إثبات نفسه كقوة سياسية قادرة أن تمثل المكون” السني.

ويضيف خلال مقابلة مع “الحرة” أن “أهم عنصر لجعل التمثيل الانتخابي السني وما نجم عنه من قوى برلمانية، قوة تفاوضية قادرة على حماية مصالح مكونها وجمهورها، هو أن تعمل القوى السياسية الأخرى الشيعية، المتمثلة بالإطار التنسيقي، وايضا الكردية على التعامل مع المجلس كقوة سياسية باعتباره الممثل الوحيد للمكون السني ورفض التعامل معه كقوى متفرقة”.

في ظل هذه التعقيدات، تحاول بغداد الحفاظ على سياسة توازن بين الولايات المتحدة وإيران. وقد سعى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلال عام 2025 إلى تعزيز العلاقات مع الدول العربية ومحاولة لعب دور الوسيط بين بعض أطراف الصراع الإقليمي.

لكن هذه السياسة تواجه صعوبات واضحة، خصوصا مع استمرار استخدام الأراضي العراقية أحيانا كساحة للهجمات المتبادلة بين أطراف الصراع، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة.

يعكس الجدل الدائر في العراق بشأن الحرب على إيران أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الهوية السياسية للدولة. فبينما تحاول الحكومات المتعاقبة ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، لا تزال الانقسامات المذهبية والسياسية تؤثر في كثير من القرارات، لذا فإن المواقف التي تظهر بشأن الحرب على إيران وغيرها من القضايا، متعددة وليست موحدة.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا