في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"درست إيران الحروب الأمريكية على مدى عقدين من الزمن لبناء نظام يوزع هياكل القيادة والأسلحة والوحدات، بحيث لا يؤثر قصف عاصمتنا في قدرتنا على خوض الحرب".
بهذه العبارة لخص وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جوهر الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، في تصريح أدلى به مع بداية الحرب الأخيرة والاستهداف العسكري الأمريكي الإسرائيلي لمراكز القيادة في طهران. إذ أراد عراقجي التأكيد على أن بنية النظام الدفاعي في بلاده صممت لتحييد أثر الضربة القاصمة التي راهنت عليها الاستراتيجية العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
لفت الأنظار في تصريح عراقجي وصفه للاستراتيجية الإيرانية بـ "الدفاع الفسيفسائي اللامركزي"، وهو مصطلح عسكري إيراني يعبر عن جوهر عقيدتها الدفاعية. ويشير هذا المصطلح إلى أن الفكرة المركزية في الدفاع الإيراني ليست حماية العاصمة أو حتى القيادة العليا، بل ضمان استمرارية القرار والقدرة القتالية حتى في حال استهدفت القيادات العليا أو المنشآت الحيوية. وبذلك كشف عراقجي صراحة أن إيران أعدت بنيتها العسكرية من أجل صراع طويل، تدار فيه الحرب بوصفها استنزافا ممتدا، لا معركة خاطفة تحسم بضربة جوية مركزة كما تطلعت أمريكا وإسرائيل.
لقد وضعت دول عديدة استراتيجياتها العسكرية الحديثة وفق مبدأ النصر السريع والاستسلام السريع، وهو من المبادئ الرئيسية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ تأسيسها، وتكشفت في أكثر من مناسبة لعل أوضحها حرب الأيام الستة (يونيو/حزيران 1967). أما مبدأ الحرب الممتدة فهو نقيض الحرب الخاطفة، وتتبناه إيران في إدارة صراعاتها في المنطقة منذ تأسس النظام الإسلامي فيها، حيث يعتمد الحرس الثوري الإيراني على مبدأ الحرب الهجينة وغير المتماثلة، مما يدفع نحو إطالة أمد الصراعات وزيادة تكاليفها على الخصم الأقوى.
ولعل أحد الأمثلة التطبيقية على فاعلية تلك الاستراتيجية هو تكلفة صناعة مسيرة شاهد في إيران، التي تبلغ نحو 35 ألف دولار في المتوسط، في حين تبلغ تكلفة إسقاطها على أمريكا نحو 4 ملايين دولار أو أكثر من الصواريخ الاعتراضية وغيرها، مما يجعل عامل الوقت أمرا حيويا في حسم نتيجة الصراع، خاصة إذا ما أضفنا السعة التخزينية والقدرة على الصمود لفترات أطول.
يعد حسن عباسي أحد أبرز منظري الحرس الثوري الإسلامي، وهو من عمل على صياغة مبدأ الحروب الممتدة وغير المتكافئة في الفكر العسكري والاستراتيجي الإيراني. ويستمد عباسي نفوذه من دوره المزدوج بوصفه كاتبا عقائديا داخل دوائر الحرس الثوري الإيراني، مما يجعله حلقة وصل بين التفكير الاستراتيجي لمبدأ الصراع غير المتماثل والممتد، والسردية الأيديولوجية التي تروج في صفوف جنود الحرس الثوري والمؤمنين بمشروع الثورة الإسلامية في إيران والمنطقة.
كان أحد أول من طبقوا هذه العقيدة عمليا هو اللواء محمد علي جعفري، القائد العام السابق للحرس الثوري (2007-2019)، وقد عمل على ترسيخها داخل العقل الاستراتيجي والقيادي للحرس الثوري. وقد أشرف جعفري على التطوير المؤسسي لمفاهيم الدفاع غير المتماثل و"الفسيفسائي"، مع التركيز على الوحدات اللامركزية والمرنة، واستخدام الوكلاء، والصواريخ، والتكتيكات غير النظامية لمواجهة الخصوم المتفوقين تكنولوجيا، وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة.
يعد اللواء محمد جعفري من أوائل من استخدموا مصطلح "الدفاع الفسيفسائي"، الذي يمكن تعريفه بأنه تنظيم وحدات الحرس الثوري وقوات الباسيج وقوات أخرى ضمن وحدات إقليمية عديدة شبه مستقلة؛ بهدف إنشاء خطوط دفاع مرنة وغير متماثلة ومتعددة المستويات وقادرة على الصمود في وجه تغير القيادة لأي سبب، ومقاومة الاحتلال عبر حرب العصابات وحرب الاستنزاف، بما يمكنها من خوض صراع طويل الأمد في مواجهة خصم متفوق.
لذلك يعتمد جوهر عقيدة الفسيفساء على بعدين رئيسيين: الأول صعوبة تفكيك نظام القيادة الإيراني من قبل أي قوة معادية، وجعل اللامركزية أحد سماته التي تضمن استمرار العمليات، والثاني بناء دفاع مرن ومتعدد الطبقات يجعل من الصعب على أي قوة تحقيق اختراقات كاملة، وذلك عبر تبني نمط الحرب غير المتماثلة والهجينة، الذي توظف فيه القوات الإيرانية النظامية وغير النظامية معا ضمن نظام مرن موحد.
بدأت إيران في تبني هذا النموذج الدفاعي الفريد استجابة للتغيرات والتهديدات الأمنية التي أعقبت التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003، إذ استشعرت طهران ضرورة تغيير استراتيجيتها الأمنية لمواجهة احتمال تعرض نظامها للإطاحة به عبر القوة العسكرية أو تحريك احتجاجات من الداخل. ولذلك أتى تطوير العقيدة العسكرية عبر التفاعل مع مسار العراق بعد الإطاحة السريعة بنظام صدام حسين على يد الأمريكيين.
"توظف العقيدة الإيرانية المجتمع نفسه خطا رئيسيا للدفاع في مواجهة القوة الغازية، بحيث يكون قادرا على إعادة تنظيم نفسه لا مركزيا".
وتفترض عقيدة الفسيفساء أن القوات الغازية لإيران ستمتلك تكنولوجيا وقدرات تقليدية تفوق بكثير قدرات إيران، ولذلك وضع مفهوم التمرد طويل الأمد كي يوازن التقدم التكنولوجي والعسكري للقوات المعادية. وتعمل العقيدة على تفكيك مركزية الحرب وإعادة توزيع وظائف القتال بين الجيش النظامي والقوى شبه العسكرية، بما يضمن استمرارية وديمومة القتال، ليس فقط في حال انهيار القيادة العليا حال مقتلها، بل وحتى إذا تعطلت منظومات الاتصال والسيطرة.
تكمن أهمية تلك العقيدة في توظيف المجتمع المنظم ذاته خطا للدفاع الرئيسي في مواجهة القوة الغازية، بحيث يكون المجتمع قادرا على التكيف مع المتغيرات والتهديدات، وإعادة تنظيم نفسه لا مركزيا. ولذلك وزعت المهام الدفاعية على الوحدات العسكرية وفق عقيدة الفسيفساء. في البداية، يأتي الجيش النظامي للجمهورية "أرتش" وتتمثل مهمته في صد الضربة الأولى عبر وحداته المدرعة والميكانيكية والمشاة، باعتبارها خط الدفاع النظامي المسؤول عن تثبيت الجبهة وإبطاء التقدم المعادي. وفي الجو، تسعى منظومة الدفاع الجوي القائمة على تقنيات التمويه والخداع والاختباء لتحييد الهيمنة الجوية المعادية قدر الإمكان. وبشكل عام، تسعى العقيدة هنا إلى تعويض الفجوة التقليدية في موازين القوة عبر استراتيجيات تقوم على تعطيل تفوق العدو لا مواجهته مباشرة.
ثم يأتي دور الحرس الثوري وقوات الباسيج، ومهمتها إدارة المرحلة التالية من الصراع عبر تسلم العبء القتالي تدريجيا من الجيش النظامي، ومن ثم إدارة عمليات الاستنزاف والهجمات غير المنتظمة داخل العمق الجغرافي الإيراني، بينما تتحول قوات الباسيج إلى قوة انتشار محلية قادرة على القتال اللامركزي في المدن والجبال والمناطق الوعرة، عبر الكمائن وضرب خطوط الإمداد.
لذلك، أخضعت قوات الباسيج -المنظمة التي تأسست بأمر من الخميني نفسه- للحرس الثوري بعد عام 2007 ضمن هيكلة لبنية الجيش وفق تلك العقيدة. وجرى دمج وحداتها ضمن 31 مركز قيادة إقليمي بواقع مركز لكل محافظة، بما يمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة لإدارة حرب غير متماثلة وفق خصوصية البيئة الجغرافية لكل منطقة، وذلك لتمكين القوات البرية من الانتشار بسرعة في النقاط الساخنة والمناطق الحضرية في أوقات الاضطرابات كهدف تكتيكي في سياق المعارك الميدانية.
"تسعى العقيدة الإيرانية إلى تعويض الفجوة التقليدية في موازين القوة عبر استراتيجيات تقوم على تعطيل تفوق العدو لا مواجهته مباشرة".
بعد ذلك يأتي دور القوات البحرية، التي تتمحور مهمتها حول مفهوم منع الوصول وحرمان العدو من حرية الحركة عن طريق التهديد بإغلاق مضيق هرمز والممرات المائية، واستخدام أسراب القوارب السريعة، وزراعة الألغام البحرية، إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن، بما يحول الممرات الحيوية إلى ساحات استنزاف عالية الكلفة. تليها ترسانة الصواريخ الباليستية التي يديرها الحرس الثوري بوصفها أداة ردع وضرب عميق بهدف تحييد أهداف تكتيكية أو تعميق حجم الخسائر. وأخيرا يأتي دور وكلاء إيران الإقليميين، ووظيفتهم توسيع نطاق المعركة إقليميا في عدة جبهات، بما يحول أي مواجهة محتملة إلى حرب استنزاف متعددة المسارات تتجاوز حدود إيران.
تتقاطع عقيدة الفسيفساء مع استراتيجيات المقاومة التي تتبنى في الغالب خططا طويلة الأمد. وتتشابه عقيدة الفسيفساء مع ما نظر له ماو تسي تونغ مؤسس جمهورية الصين الشعبية. ويعد ماو أحد أبرز منظري الحرب الممتدة أو الشعبية، بوصفها استراتيجية لقلب اختلال ميزان القوى عبر الزمن الممتد لا عبر الصدمة الخاطفة.
"الرهان على تحقيق نصر سريع وخاطف أمام خصم أقوى أو التسليم بحتمية الهزيمة أمامه كلاهما وهم استراتيجي".
ففي خضم الغزو الياباني للصين، بلور ماو أطروحته في محاضراته التي تحولت إلى كتاب لاحقا بعنوان "حول الحرب الممتدة" (On Protracted War) صدر عام 1938، مجادلا بأن الرهان على تحقيق نصر سريع وخاطف أو التسليم بحتمية الهزيمة كلاهما وهم استراتيجي. وطرح ماو تصورا مختلفا يستند إلى استنزاف الخصم الأقوى تدريجيا عبر إطالة أمد الصراع وتحويل التفوق المادي للعدو إلى عبء لوجستي وسياسي، بحيث تصبح الحرب اختبارا للإرادة والقدرة على الاحتمال.
وقسَّم ماو نظريته في الحرب الممتدة إلى ثلاث مراحل متتابعة تشرح كيف يستطيع الطرف الأضعف تحويل عامل الزمن إلى أداة استراتيجية تقلب موازين الصراع. أولها الدفاع الاستراتيجي، التي يصف فيها العدو بأنه متفوق عسكريا ويمتلك زمام المبادرة، ولذا يتجنب الطرف الأضعف المواجهات الحاسمة، بل ويتراجع تكتيكيا عند الضرورة، معتمدا على أساليب حرب العصابات، مع بناء قواعد ارتكاز في المناطق الريفية، وتعزيز الحاضنة الشعبية وشبكات الإمداد، بحيث يكون الصمود واستنزاف القوة الهجومية للخصم هو الهدف، لا الدفاع عن كل شبر من الأرض.
تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية التي أسماها ماو مرحلة الجمود الاستراتيجي، وهي مرحلة تتآكل فيها قدرة العدو بفعل الخسائر وامتداد خطوطه اللوجستية وارتفاع كلفة الحرب سياسيا ونفسيا، بينما تتوسع مناطق نفوذ الحركة المقاومة وتزداد عملياتها بشكل منسق وفعال. والهدف من هذه المرحلة هو جعل العدو عاجزا عن حسم الحرب لصالحه، فالطرف الضعيف يستحيل عليه تحقيق نصر سريع، لكنه يستطيع تحويل الحرب إلى معركة إرادة طويلة الأمد، وهو العنصر الجوهري في الصراع بين الشعوب والاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين. وقد وصف ماو تسي تونغ تلك المرحلة بأنها الأطول والأصعب.
أما المرحلة الثالثة فهي الهجوم الاستراتيجي، وتتغير فيها موازين القوى تدريجيا بحيث تنتقل فيها الوحدات المقاتلة من حرب العصابات إلى عمليات أوسع وأكثر تنظيما، حتى تصل إلى نمط شبه تقليدي يهدف إلى تدمير القوة الرئيسية للعدو، والسيطرة على المراكز الاستراتيجية، وحسم الصراع بشروط سياسية وعسكرية مواتية.
اعتمد ماو في هذه المقاربة على تعبئة الريف الضخم في الصين، واستنزاف خطوط الإمداد، وكسب الوقت بدل الأرض، بما يعيد تعريف معادلة القوة ذاتها. ولم تبق أفكار ماو حبيسة التجربة الصينية، بل تحولت إلى مرجعية لكثير من حركات التحرر في آسيا وأمريكا اللاتينية طيلة القرن الماضي، وأبرزها جيش الفيت كونغ في شمال فيتنام الذين اعتمدوا نمط حرب العصابات وضرب خطوط الإمداد واستنزاف الإرادة السياسية الأمريكية، قبل الانتقال تدريجيا إلى عمليات أوسع أنهت الوجود العسكري الأمريكي وأجبرته على التفاوض.
وفي الثورة الكوبية أيضا انطلقت الحركة التحررية بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا من بؤر جبلية في سييرا مايسترا، ثم توسعت عسكريا وسياسيا حتى أسقطت نظام باتيستا. كما مثلت الحرب السوفيتية في أفغانستان نموذجا لاستنزاف قوة عظمى عبر حرب جبال طويلة رفعت كلفة الاحتلال إلى مستوى غير محتمل، وكذلك الحرب التي خاضتها حركة طالبان أمام قوات الاحتلال الأمريكي ودول حلف الناتو، والتي استمرت قرابة عشرين عاما. وبالمثل حرب الاستقلال الجزائرية أمام قوات الاحتلال الفرنسي، حيث مزجت جبهة التحرير بين الكفاح المسلح والتعبئة الشعبية لإرهاق فرنسا عسكريا وسياسيا.
ورغم أن أكثر من نصف سكان العالم باتوا يعيشون في المدن منذ عام 2007، مما أفرز تحولاً في طبيعة الحرب غير المتماثلة انتقلت معه الإمكانيات الثورية إلى المدينة، وخلق أنماط مقاومة جديدة في المدن، وأكسب أدبيات الحرب غير المتماثلة والتمرد تعريفات ونظريات جديدة؛ فإنها لا تزال تستحضر أفكار الحرب الممتدة عند تفسير إمكانية صمود طرف ضعيف أو جماعة مسلحة في مواجهة الجيوش التقليدية المتفوقة تكنولوجياً، والدور المهم الذي يلعبه عنصر الزمن والوقت في تغيير موازين القوة.
تتطلب هذه الحرب الممتدة نوعاً من المرونة القيادية العالية. وقد وجه المرشد الأعلى علي خامنئي -قبل مقتله- القيادات العليا الإيرانية بضرورة وضع نظام خاص يعمل على تسمية قيادات بديلة أثناء سير الحرب، حيث أمر بتسمية ما يصل إلى أربعة بدلاء محددين مسبقاً لكل منصب عسكري أو حكومي رفيع لتجنب فراغ السلطة في حال اغتياله أو انقطاع الاتصال به. على أن يطبق ذلك التوجيه ويعمم أفقياً ورأسياً، وألا يقتصر على قمة السلطة، وذلك بهدف خلق طبقات متعاقبة من البدائل داخل كل مستوى قيادي. وبدوره منح المرشد دائرة داخلية ضيقة صلاحية اتخاذ القرار إذا تعذر التواصل معه، لضمان استمرارية الدولة في حال وقعت أسوأ السيناريوهات، وهي توجيهات نابعة من مبدأ "الدفاع الفسيفسائي".
"أمر خامنئي قبل وفاته بتسمية أربعة بدلاء محددين مسبقاً لكل منصب عسكري أو حكومي رفيع لتجنب فراغ السلطة في حال اغتياله أو غيابه لأي سبب".
لم تستنسخ إيران مفهوم الحرب الممتدة من دول وتجارب أخرى، بقدر ما طورته عبر تجربتها الخاصة وما مرت به من تحديات مصيرية. فبعد سقوط نظام الشاه، فرضت الثورة عليها أن تطور من عقيدتها الأمنية والدفاعية، إذ تشكلت مساحة مفتوحة لصراع الإرادات في السنوات الأولى للثورة بين النظام الوليد والتنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق التي كانت تمتلك جماعات عسكرية كبيرة في طهران وعدد من المدن. وقد أعلنت منظمة مجاهدي خلق القطيعة مع النظام بعد نحو 3 سنوات، وشرعت في حملة اغتيالات للقيادات العليا والمقربة من روح الله الخميني، ونفذت عدداً من التفجيرات التي أسفرت عن مقتل نحو 70 مسؤولاً إيرانياً من النظام وقتها.
انطلقت تلك العمليات من تصور مفاده أن إسقاط النظام الجديد ممكن من خلال ضربة مركزة للقيادة العليا. وبرغم ما أثبتته تلك العمليات من أن المنظومة الأمنية للنظام كانت هشة ولا تمتلك بنية استخبارية متينة، فإنها سرعان ما تعلمت الدرس وأخذت تبني أجهزتها الأمنية وتؤسس لمفهوم اللامركزية داخل منظومة الدولة حتى لا يكون النظام مركزياً ومعتمداً على عدة أشخاص مهما كانوا. ومع دخول إيران حربها الطويلة مع العراق، فإنها استطاعت أن تكتسب قوة تنظيمية وتعبوية، وخبرة بإدارة الحروب الممتدة.
بنت إيران في خضم حربها مع العراق وما بعدها منظومة حكم معقدة تتناسب مع طبيعة ثورتها وأيديولوجيتها، وطبيعة القوى المعادية لطهران حينها، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ووضع النظام الجديد الطلائع الثورية المنظمة والحوزات الشيعية في موقع خط الدفاع الداخلي الذي يحميه. وأصبحت تلك الطليعة الثورية على هيئة جهاز حزبي شبه عسكري يعمل على تغذية منظومته بشكل لا مركزي تتوزع فيه المسؤوليات، وتجعله قادراً على التكيف مع أي تهديدات تستأصل منظومة القيادة. وبذلك نشأت منظومة قيادة في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والأمريكية ووفقاً لمبدأ دفاع الفسيفساء.
كل تلك الأوراق تتيح لطهران فاعلية مركبة في الصراع مع واشنطن، وتجعلها قادرة على موازنة المجهود الحربي الأمريكي رغم تفوقه التكنولوجي، وفتح المجال للمناورة الدبلوماسية والاقتصادية طيلة الحرب، التي لا يبدو أنها ستكون حربا خاطفة كما أريد لها في واشنطن وتل أبيب، بل تخاطر بالتحول إلى حرب ممتدة أعدت لها إيران العدة، ولن يثنيها عنها رحيل آية الله علي خامنئي الذي شكل صدمة في اليوم الأول للحرب، سرعان ما تجاوزتها إيران بفضل عقيدتها الدفاعية الراسخة التي صممت لتجاوز ذلك النوع من الصدمات في المقام الأول.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة