مع استمرار المواجهات بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، تضيق الخيارات أمام الآلاف من السودانيين المقيمين بدول الخليج، حيث فرَّ قطاع واسع منهم إبَّان إندلاع المواجهات المسلحة في السودان بحثاً عن الاستقرار، ليجدوا أنفسهم من جديد في ميدان صراع إقليمي تتزايد حدته يوماً بعد الآخر.
ويقول في حديثه: "إنتهت مواعيد زيارتي بالتزامن مع بداية التفجيرات في الإمارات، ما دعاني لأغادر وأترك أبنائي في إمارة العين التي تعتبر آمنة إلى حد كبير، لكن رغم ذلك لا يفارقني خوفي عليهم".
أدى اندلاع في السودان في أبريل/ نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية المعاصرة. ووفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، فقد تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين 11 مليون شخص بين نزوح داخلي ولجوء خارجي، ما يجعل الأزمة من الأكبر عالمياً من حيث عدد المتضررين.
كما تحذر وكالات أممية من تفاقم خطر المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد.
هذا الواقع دفع مئات الآلاف من السودانيين إلى البحث عن فرص خارجية، وكانت دول الخليج أحد أبرز الوجهات بحكم التقارب التاريخي، وتوفر فرص العمل، والاستقرار الذي يتوفر في الخليج.
وتستضيف دول الخليج جاليات سودانية كبيرة، تُعدّ من بين الأقدم والأكثر استقراراً نسبياً في المنطقة.
ففي السعودية يُقدَّر عدد السودانيين بأكثر من 1.5 مليون بين مقيمين قدامى ووافدين جدد، أما في الإمارات العربية المتحدة تشير تقديرات إلى وجود نحو 200 ألف سوداني، وفي قطر وسلطنة عُمان تستقر عشرات الآلاف من الأسر، كثير منها انتقل بعد اندلاع الحرب مباشرة.
ولا يقتصر دور هذه الجاليات على الوجود السكاني، بل تمثل تحويلاتهم المالية شريان حياة لملايين الأسر داخل السودان، في ظل تراجع الاقتصاد وتعطل قطاعات واسعة من الدولة، ما يعني أن أي اضطراب اقتصادي أو أمني في دول الخليج ينعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي للعاملين بالخليج ما يؤثر سلباً على الأسر التي تعتمد عليهم داخل السودان.
وعلى الرغم من بعض التسهيلات التي قدمتها دول خليجية للسودانيين بعد اندلاع الحرب، يطالب كثير من أبناء الجاليات السودانية بدول الخليج بخطط طوارئ أوضح وتنسيق أكبر بين السفارات السودانية والسلطات المحلية تحسباً لأي مستجدات طارئة.
وقالت سيدة تقيم في الدوحة، فضلت حجب اسمها، قالت إنها مصابة باضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة لمعايشتها أحداث الحرب في السودان، مضيفةً: "لم أصدق خروجي بسلام من الخرطوم، وكان وصولي إلى الدوحة والعمل فيها فرصة جيدة للبدء من جديد. عندما سمعت أول انفجار رغم بعده، إلا أنني توترت وأحسست أن لعنة الحرب تطاردني".
وعلى الرغم من أنها تقطن في منطقة بعيدة نسبياً من مواقع التفجيرات، إلا أن إصابتها باضطراب نفسي بسبب ذكرياتها مع الحرب في السودان، واستعادتها لهذه الذكريات مع سماعها لأي صوت انفجار في محيطها يجعلها غير قادرة على التعايش مع حالة الحرب المستمرة هذه. وتقول: "عندما وصلت إلى الدوحة كنت لما يقارب الشهرين أحاول التخلص من ذكرياتي عن هجوم قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني بولاية الجزيرة وسط السودان، حيث كانت رحلة النزوح شاقة ومخيفة. نريد فقط مكاناً لا نفكر فيه كل ليلة بأننا هل سنضطر للهرب مرة أخرى؟".
ولا ترى أن لديها خطط بديلة، خاصةً وأنها أصبحت معيلة لأسرتها بعد سفرها إلى الدوحة.
وترى الكاتبة الصحفية مروة الأمين أن الدوافع التي قادت السودانيين للهجرة إلى الخليج هي استقرار المنطقة، واستبعادهم التام لحدوث أي نزاعات في المنطقة. وتضيف في حديثها: "كانت هنالك سهولة لدخول السودانيين لدول الخليج لأنه شكل وجهة للاغتراب وتحسين الأوضاع الاقتصادية للسودانيين من زمن بعيد".
وتعتقد أن سهولة الإجراءات مقارنة بدول أخرى في آسيا وأوروبا سهلت دخول السودانيين للخليج عبر أسرهم المقيمة سلفاً في هذه الدول.
وفي الوقت الذي يملك بعض الوافدين من جنسيات أخرى خيار العودة إلى أوطان مستقرة نسبياً إذا تصاعدت التوترات الإقليمية، يواجه السودانيون معادلة أكثر تعقيداً، إذ لا يزال السودان غارقاً في صراع مفتوح، وبلدان إقامتهم تقع في نطاق توترات جيوسياسية حساسة تشمل مياه الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز.
وتضيف الكاتبة الصحفية "مروة الأمين": "أي تصعيد واسع النطاق في هذه المناطق قد يؤثر في حركة الملاحة وأسواق الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصادات المحلية وفرص العمل، وبالتالي على تحويلات المغتربين".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة