في كلّ مرة يتصاعد فيها التوتر في الإقليم، يعود لبنان إلى واجهة الأسئلة الصعبة. بلد الأزمات المزمنة يقف مجدداً عند حافة الاحتمال الأخطر: أن يتحوّل إلى ساحة اشتباك في صراع يتجاوز حدوده الجغرافية والسياسية.
يزداد هذا الاحتمال ثقلاً مع إعلان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب “ليس على الحياد” إذا تعرّضت إيران لهجوم من قبل الولايات المتحدة.
في موازاة ذلك، تتكثف المؤشرات الميدانية. حاملات طائرات وقطع عسكرية أميركية تصل تباعاً إلى الشرق الأوسط، في مشهد يعكس رفع مستوى الجهوزية والاستعداد لاحتمالات مفتوحة. وأمام هذه المعطيات، تبدو المنطقة في قلب معادلة شديدة الحساسية: رسائل ردع متصاعدة، وخطوط تماس قابلة للاشتعال في أي لحظة.
في الداخل اللبناني، يطفو سؤال أكثر إلحاحاً بين القرار والقدرة، أين يقف الحزب؟ هل يملك الإرادة والجاهزية لخوض مواجهة من هذا النوع بعد جولته الأخيرة مع إسرائيل وما خلّفته من هزيمة كبرى واستنزاف عسكري وضغوط سياسية متصاعدة في ملف حصر سلاحه؟ والأهم، هل يتحمّل لبنان، المنهك اقتصادياً واجتماعياً، كلفة تحوّله مرة جديدة إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية تتجاوز إرادته وحدوده؟
في خضمّ التصعيد الإقليمي المتسارع، ومع تكرار تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي وصواريخها البالستية وأذرعها الإقليمية، ومع تحديده مهلة عشرة أيام لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيواصل المسار الدبلوماسي أو يأمر بضربة عسكرية، يعود السؤال الأكثر حساسية إلى الداخل اللبناني: هل يُدخل حزب الله البلاد في حرب “إسناد” جديدة؟
يؤكد مراقبون على أن قرار حزب الله الذهاب إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل لا يُتخذ في “حارة حريك” في الضاحية الجنوبية لبيروت، بل يُصاغ في طهران، باعتباره أحد أبرز الأذرع العسكرية لإيران خارج حدودها، وجزءاً من استراتيجيتها الإقليمية. ومن بين هؤلاء، الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر، الذي يؤكد ذلك في حديث لموقع “الحرة”.
كذلك يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، في حديث لموقع “الحرة”، أن الحزب “لم يعد يملك قراره العسكري والسياسي”، معتبراً أنه “إذا ترك القرار له بالانخراط في الحرب أو عدمه، فإنه سيختار حكماً عدم التورّط بسبب إدراكه هول الخسائر التي سيتكبدها، خصوصاً على المستوى البشري لعناصره وقياداته وبيئته”.
غير أن المسألة، وفق الزغبي، تتجاوز الحسابات الداخلية، إذ يرى أن الحزب مرتبط “حتى النخاع” بقرار “المرشد الإيراني”، ويستند في ذلك إلى توصيف الأمين العام السابق حسن نصر الله للحزب بأنه “جندي في ولاية الفقيه”.
في موازاة ذلك، كشفت صحيفة “ يديعوت أحرونوت ” الإسرائيلية أن طهران، خلافاً لما كان عليه الوضع خلال “حرب الاثني عشر يوماً”، تسعى هذه المرة إلى إشراك حزب الله في أيّ مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين تحذيرات للحزب من أن أي تدخل عسكري سيعرّضه لضربة قاسية.
حتى لو اتُّخذ القرار في طهران، بدخول الحزب الحرب إذا ما اندلعت، فإن نادر يطرح تساؤلاً: هل يملك الحزب القدرة الفعلية على التنفيذ في ظلّ ظروفه الراهنة؟
ويجيب نادر على السؤال بالقول إن حزب الله لا يمتلك اليوم القدرة نفسها التي كان يتمتع بها قبل أكتوبر 2023. مشيراً إلى تراجع كبير في قدراته العسكرية، “بشرياً وتسليحياً”، لافتاً إلى أن “هامش حركته بات أضيق في الداخل بفعل تضييق الجيش اللبناني، فيما يواصل الطيران الإسرائيلي تحليقه المكثف فوق الجنوب، ما يحدّ من قدرته على المبادرة والمناورة”.
كما يشير إلى أن “إسرائيل تنفّذ بشكل شبه يومي عمليات استهداف تطال عناصر ومسؤولين في الحزب و ما تبقى من بنيته العسكرية وترسانته الصاروخية، مستفيدة من تفوّق تكنولوجي واستخباراتي واضح، إضافة إلى خروقات أمنية، الأمر الذي يساهم في استنزافه أكثر”.
كذلك يرى الزغبي أن الحزب لم يعد يملك قدرته القتالية التي بلغت أوجها في بدايات “حرب الإسناد” التي شنّها على إسرائيل “بأمر مباشر من المرشد الإيراني علي خامنئي”. لذلك، فإن انخراطه في حرب جديدة دفاعاً عن إيران سيكون، كما يقول، “أقل تأثيراً وفاعلية من قبل”.
ذكرت وكالة “ رويترز ” أن كبار مسؤولي الأمن القومي في الولايات المتحدة أبلغوا ترامب “بجاهزية الجيش لتنفيذ ضربات محتملة ضد إيران، اعتباراً من السبت، إلا أن الجدول الزمني لأيّ تحرك عسكري قد يمتد إلى ما بعد نهاية هذا الأسبوع، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة لشبكة سي بي إس نيوز”.
في المقابل، يرفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته تحسّباً لسيناريو قد يتمثل في توجيه ضربة أميركية لإيران، وما قد يستتبعها من ردّ انتقامي إيراني يستهدف إسرائيل مباشرة أو عبر ساحات أخرى، بينها لبنان.
وفي هذا الإطار، أكد قائد القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء رافي ميلو، في تصريحات بثّتها القناة 12 الإسرائيلية في يناير الماضي، إن الجيش في حالة استنفار قصوى تحسباً لأيّ تصعيد، لكنه أضاف: “لا نعرف إلى أين يتجه هذا الأمر.
ويرى الزغبي أن أيّ تورّط لحزب الله في حرب جديدة سيقابل بردّ إسرائيلي “أقسى وأشد إيلاماً من السابق وسيكون نهاية مأساوية للحزب وخسارة أليمة للبنان”، معتبراً أن إسرائيل قد تنظر إلى أيّ مواجهة مقبلة باعتبارها الفرصة الأخيرة للتخلّص من خطر “الذراع الإيرانية” على حدودها الشمالية.
ويستحضر الزغبي تجربتي حرب يوليو 2006 و”حرب الإسناد” 2024-2023، مشيراً إلى أن إسرائيل خاضت في المرتين “حربين ناقصتين، حققت فيهما ما يمكن اعتباره نصف انتصار، فيما بقيت الأمور معلّقة، وكأن هناك نوعاً من ربط نزاع أبقى الحزب مالكاً لقوة عسكرية تزيد أو تنقص”. أما اليوم فتسعى إسرائيل، كما يؤكد، “لحسم الوضع نهائياً خصوصاً إذا اندلعت الحرب ضد إيران”.
بدوره، يشدّد نادر على أن “أيّ تحرّك عسكري من جانب الحزب سيقابل بردّ إسرائيلي قاسٍ”، ما يعني أن كلفة الانخراط في مواجهة جديدة ستكون أعلى بكثير من أيّ مرحلة سابقة.
يعيش لبنان انقساماً حاداً حيال احتمال الانخراط العسكري لحزب الله في مواجهة إقليمية. فبين من يرى في أيّ تصعيد دفاعاً عن موقع استراتيجي ضمن محور إقليمي واسع، ومن يعتبر أن ربط البلاد بصراع بين إيران والولايات المتحدة يحمّلها تبعات حرب لا قرار لها فيها ولا قدرة على تحمّل نتائجها، يتعمّق الشرخ الداخلي في لحظة شديدة الهشاشة.
في هذا السياق، أثارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن حزب الله، بشأن عدم الوقوف على الحياد، موجة انتقادات سياسية ، تمحورت حول ضرورة تحييد لبنان ومنع إدخاله في حرب جديدة.
ويرى نادر أن أي انخراط عسكري للحزب “سيؤدي إلى خسارة ما تبقى من غطاء شعبي أو سياسي له، في ظل انقسام داخلي عميق وتراجع المزاج العام حتى داخل بيئته التي كانت مؤيدة سابقاً للمغامرات العسكرية”.
ويحذّر نادر من أن البلاد، في ظل أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، غير قادرة على تحمّل كلفة صراع إضافي، معتبراً أن أيّ تصعيد سيضع لبنان أمام مخاطر وجودية تتجاوز البعد العسكري.
من جهته، يشير الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة إلى أن عام 2026 “ليس عاماً عادياً في تاريخ لبنان”، لافتاً إلى تقرير صادر عن البنك الدولي يؤكد أن البلاد لا تزال تعاني تداعيات حرب 2024 التي استنزفت خزينة الدولة بنحو 8.5 مليار دولار، وأدّت إلى خسارة أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل الحديث عن الصمود أقرب إلى الخيال الاقتصادي”.
وعن القطاعات الأكثر تضرّراً يوضح عجاقة، في حديث لموقع “الحرة”، أن السياحة والزراعة، وهما من أعمدة الاقتصاد اللبناني، “تلقّتا ضربات قاصمة، إذ تضرّرت آلاف الهكتارات الزراعية، فيما يكافح القطاع السياحي للبقاء وسط توترات مستمرة”.
أمّا على صعيد البنية التحتية، “فهي على وشك الانهيار. محطات توليد الكهرباء شبه متوقفة، والمستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر والمعدات. وفي حال اندلاع حرب شاملة، لن يكون تحدي النزوح مجرد كابوس لوجستي، بل قد يتحول إلى كارثة إنسانية”.
وعلى الأرض، بدأت ملامح القلق الشعبي بالظهور، كما يقول عجاقة، عبر “نزوح استباقي وذعر يومي”، تزامناً مع ارتفاع أسعار المحروقات وإقرار ضرائب جديدة لدعم القطاع العام.
في المقابل، يقدّم الزغبي قراءة مغايرة، معتبراً أن تدخّل الحزب في الحرب يحمل “خسارة وربحاً في آن. الخسارة تتمثل في الدمار الواسع الذي سيلحق بالبشر والحجر، أما الربح، فيتمثل بتخلّص لبنان من سطوة سلاح الحزب الذي أنهكه على مدى ثلاثة عقود على الأقل”.
المصدر:
الحرة