لم تعد قصة "المواد الكيميائية الأبدية" مجرد تحذير بيئي متكرر، بل دخلت مرحلة جديدة بعد دراسة حديثة نشرت في مجلة "رسائل البحوث الجيوفيزيائية" في فبراير/شباط الجاري 2026، قادها باحثون من "جامعة لانكاستر" بالمملكة المتحدة.
تكشف الدراسة أن بعض الغازات الصناعية المستخدمة في أجهزة التبريد والتكييف والقطاع الطبي، والتي طرحت أساسا بدائل أكثر أمانا كي لا تؤثر كثيرا على طبقة الأوزون، تتحلل ببطء في الغلاف الجوي بفعل أشعة الشمس والتفاعلات الكيميائية، وتتحول في النهاية إلى مادة شديدة الثبات تعرف باسم "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" (Trifluoroacetic Acid- TFA).
هذا المركّب ينتمي إلى عائلة أكبر من المواد تسمى المواد المشبعة بمركب "الفلور ألكيل" (Per- and Polyfluoroalkyl Substances-PFAS)، وهي مجموعة صناعية صممت لتكون مقاومة للماء والحرارة والزيوت، والمشكلة أن هذه القوة الكيميائية نفسها تجعلها تقريبا غير قابلة للتحلل في الطبيعة.
وبحسب الباحثين، فإن مادة "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" لا تبقى في الهواء، بل تعود إلى الأرض مع الأمطار، وتستقر في التربة والأنهار والبحيرات وحتى المياه الجوفية.
وبعبارة مبسطة، فإن ما نطلقه في الهواء لا يختفي في الفضاء، بل يدور في دورة كيميائية جديدة ويعود إلينا.
تشير الدراسة إلى أن مئات آلاف الأطنان من هذه المادة ترسّبت على سطح الأرض في العقدين الماضيين، وأن الترسب لا يقتصر على المناطق الصناعية، بل يصل إلى أماكن نائية بعيدة عن مصادر الانبعاث، وهذا يعني أن الظاهرة عالمية، وأن الهواء يعمل وسيطا ينقل آثار النشاط الصناعي من مكان إلى آخر.
وقد استخدم العلماء نماذج كيميائية ومناخية متقدمة لتتبع مسار الغازات مثل "الهيدروفلوروكربونات" (HFCs) منذ انبعاثها (من غازات المكيفات وصناعات الإسفنج) وحتى تحوّلها إلى "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" ثم سقوطها مع المطر.
ولفهم الصورة بشكل أوضح، ينبغي التمييز بين "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" وبين بقية عائلة مركبات "بير- وبولي فلورو ألكيل". فالأخيرة تشمل مركّبات استخدمت في الأواني ذات الطلاء غير اللاصق، والأقمشة المقاومة للماء والبقع، ورغوات إطفاء الحرائق، وبعض مواد تغليف الطعام. وعندما تتعرض هذه المنتجات للتآكل أو التخلص منها بطرق غير آمنة، يمكن أن تتسرب المركّبات إلى البيئة.
أما "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" فيختلف في أنه يتكون أساسا في الغلاف الجوي من تحلل غازات التبريد الحديثة، ثم يهبط مع المطر ليستقر في المياه والتربة.
وحتى الآن، لا يوجد إجماع علمي على أن التركيزات الحالية من "حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك" تشكل خطرا مباشرا على صحة الإنسان، لكن القلق يكمن في خاصية التراكم وطول البقاء.
فقد ارتبطت بعض مركّبات "بير- وبولي فلورو ألكيل" في دراسات سابقة بتأثيرات محتملة على الكبد والجهاز المناعي ومستويات الكوليسترول والخصوبة، لذلك ينظر العلماء إلى القضية باعتبارها مسألة طويلة الأمد، إذ تكمن الخطورة في الاستمرارية لا في السمية الفورية.
وبينما تستمر الأبحاث لرصد مستويات هذه المادة وتقييم آثارها، يتزايد الجدل حول كيفية تقييم البدائل الصناعية مستقبلا قبل اعتمادها عالميا.
يقترح العلماء والجهات البيئية مسارات عدة لتقليل المخاطر المرتبطة بالمركبين السابقين، تبدأ بإعادة تقييم البدائل الصناعية قبل اعتمادها عالميا، بحيث تُدرس نواتج تحللها في الغلاف الجوي وتأثيراتها طويلة الأمد، لا تأثيرها الفوري فقط.
كما تعمل هيئات تنظيمية في عدد من الدول على تشديد المعايير الخاصة بتركيز هذه المواد في مياه الشرب، وتطوير تقنيات ترشيح متقدمة لإزالتها من المياه، إلى جانب دعم أبحاث تسعى لتفكيك الروابط الكيميائية القوية التي تجعل هذه المركبات شديدة الثبات.
ويؤكد خبراء البيئة أن تقليل الاستخدام غير الضروري لهذه المواد، واختيار بدائل أكثر قابلية للتحلل، يمثلان خطوة أساسية نحو الحد من تراكمها المستقبلي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة