في وقت ينتظر فيه العالم الحدث الرياضي الأبرز لكرة القدم كل أربع سنوات، إلا أن ضجيجاً يرافقه بسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أثارت جدلاً حول إقامة كأس العالم في الولايات المتحدة.
نقاش اتخذ مجراه في دول أوروبية وغيرها من الدول، هل علينا المشاركة في كأس العالم الذي تعد الولايات المتحدة واحدة من دوله المضيفة، أم هل على الفيفا سحبه منها؟
في المملكة المتحدة طالب نواب من أحزاب مختلفة، الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالنظر في استبعاد الولايات المتحدة من كأس العالم إلى حين "التزامها الواضح بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول الأخرى".
أما في ألمانيا رداً على مقترح طرحه نائب رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم أوكي غوتليش، استبعدت اللجنة التنفيذية في الاتحاد بعد اجتماع ونقاشات خيار مقاطعة البطولة التي ستُقام صيفاً في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. "(المقاطعة) ليست مطروحة حالياً. ويتواصل الاتحاد مع ممثلين عن السياسة والأمن والأعمال والرياضة استعداداً للبطولة".
وفي فرنسا أيضاً أعلنت الحكومة الفرنسية استبعاد خيار مقاطعة كأس العالم في الوقت الراهن.
وعلى منصة إكس كتب الرئيس السابق لـ (فيفا) جوزيف سيب بلاتر، دعوة لجماهير كرة القدم بالابتعاد عن الولايات المتحدة.
ومنذ عام 1994 لم تحصل الولايات المتحدة على فرصة استضافة كأس العالم في بلادها، لتضمن حقوق الاستضافة بعد 32 عاماً بالاشتراك مع كندا والمكسيك.
ويتنافس 48 فريقاً في 104 مباريات تُقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في كأس العالم من 11يونيو/حزيران- 19 يوليو/تموز 2026.
شنّت الولايات المتحدة عمليات عسكرية في كل من فنزويلا ونيجيريا، ولوّحت باحتمالية شنّ عمليات أخرى في غرينلاند، والمكسيك، ناهيك عن الخلافات مع كندا وهما دولتان تستضيفان كأس العالم، إضافة إلى احتمالية شن واشنطن لهجمات على دولتين مشاركتين في البطولة هما كولومبيا و إيران .
يأتي كل ذلك بعد قرار الفيفا بمنح ترامب جائزة السلام خلال حفل قرعة كأس العالم 2026 الذي أُقيم في واشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2025.
رئيس الفيفا الذي أعلن عن الجائزة لأول مرة العام الماضي قائلاً إن "ترامب يستحق الفوز بجائزة نوبل للسلام لمساهمته في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة".
ويتحدث الكاتب المختص في الشؤون الرياضية ألكسندر أبنوس في صحيفة الغارديان البريطانية، عن مخاوفه من صعوبة إقامة كأس العالم في الولايات المتحدة لأسباب تبدأ من الأحداث الداخلية وسياسة الهجرة في عهد إدارة ترامب، وصولاً إلى العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ودول مختلفة.
ويعتقد أبنوس أنه نتيجة لهذه العوامل فرغم أنه من "المحزن جداً استبعاد الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم، لكنه مبرر تماماً". لافتاً إلى أن هذا القرار في حال نُفّذ بالفعل "سيضر بالمدن والشركات الصغرى والكبرى التي كانت تعوّل على المكاسب المالية من إقامة كأس العالم في البلاد".
الرئيس ترامب نفسه كان قد أعلن عزمه نقل مباريات كأس العالم 2026 من أي مدينة يراها غير آمنة. وصرح للصحفيين في سبتمبر/أيلول 2025 "ستكون البطولة آمنة، في حال رأيت أنها غير آمنة، فسننقلها إلى مدينة أخرى". رغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هو من يحمل مسؤولية تنظيم البطولة واختيار المدن المضيفة.
يُشار إلى أن أي تغيير قد يحصل سيواجه تحديات لوجستية. وهو ما شرحه من وجهة نظره المختص في مجال الرياضة وتاريخها غلين إيشروود.
يقول إيشروود في تصريحه لبي بي سي إن "حقوق البث والرعاة وحدهم كفيلون بجعل الاستمرار (في إقامة كأس العالم) مُجدياً. إذ استثمر كل طرف الكثير في البطولة إلى درجة لا تسمح لأي شخص أو أي شيء بأن ينتزعها منهم".
وواجهت الولايات المتحدة مؤخراً انتقادات بعد إعلان ترامب رغبته في السيطرة على غرينلاند . وبسبب اعتقال واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من بلاده، علق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه "قلق للغاية من عدم احترام قواعد القانون الدولي".
ورغم وعود الفيفا بإقامة بطولة ترحب بالجميع، إلا أن مخاوف بسبب سياسات واشنطن بمواجهة مشجعي دول مشاركة في كأس العالم حظراً من دخول الولايات المتحدة جزئياً أو كلياً، مثل: إيران وساحل العاج والسنغال وهايتي.
اكتفى البيت الأبيض بالتعليق على استفساراتنا حول المخاوف الأمنية وطلبات سياسيين بسحب كأس العالم من الولايات المتحدة أو مقاطعتها، بتصريح من المتحدث باسم البيت الأبيض ديفيس إنجل يقول فيه "بفضل قيادة الرئيس ترامب، ستكون بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 واحدة من أعظم وأروع الأحداث في تاريخ البشرية، هنا في الولايات المتحدة الأمريكية. سيُدرّ هذا الحدث مليارات الدولارات من العائدات الاقتصادية، وسيُوفر مئات الآلاف من فرص العمل لبلادنا. يُركز الرئيس على جعل هذه البطولة الأروع على الإطلاق، مع ضمان أن تكون الأكثر أماناً وحماية في التاريخ".
ولم تُجب الفيفا على أسئلتنا حتى الآن.
لكن متحدثاً باسم الخارجية الأمريكية قال لبي بي سي -دون ذكر اسمه- "بينما نرحب بالزوار من مختلف أنحاء العالم لحضور كأس العالم لكرة القدم 2026، نتطلع إلى إبراز أفضل ما تقدمه الولايات المتحدة من ضيافة عالمية المستوى، وابتكار وتميّز رياضي، إلى جانب إظهار الروح الأمريكية التي نفخر بها كثيراً".
وأضاف "كما قال الرئيس ترامب: ستكون هذه فرصة لا تتكرر في العمر لإبراز عظمة أمريكا والمنافسة الرياضية على أعلى مستوى عالمي، ونحن نحتفل بالذكرى الـ 250 لتأسيس أمتنا". و"مع احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على استقلالها، تُتاح لنا فرصة لإظهار تميز شعبنا وكرم روحنا. رسالتنا واضحة وبسيطة: يمكننا تأمين حدودنا، وفي الوقت ذاته الترحيب بالعالم ليشهد أفضل ما في أمريكا".
وتابع أن "سلامة وأمن مباريات كأس العالم والرياضيين والجماهير والملاعب، إلى جانب الحفاظ المستمر على أمن الولايات المتحدة، تُعد من أولوياتنا الرئيسية في الاستضافة".
يرجح إيشروود عدم سحب كأس العالم من الولايات المتحدة، إلا بضغط دولي في حال اعتدائها مباشرة على دولة أخرى، وفي "خيار أخير تماماً"، ويعزو ذلك إلى علاقة ترامب الجيدة برئيس الفيفا جياني انفانيتو، إضافة إلى التكاليف التي تكبدتها الدول المضيفة للتحضير للبطولة.
ويضيف "لا أعتقد أن حقوق الاستضافة ستُسحب من الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لكن إذا دخلت في حرب مفتوحة مع دولة أخرى فسيكون الأمر مختلفاً".
وأوضح أنه "إذا استمر ترامب في تصريحاته المتهورة التي يُنظر إليها على أنها تُهدد العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدول المؤهلة، فسيزداد الضغط على الدول للانسحاب،... لكن يتطلب اتخاذ مثل هذا القرار إجماعاً واسعاً من الدول، ولن يكون فورياً على الأرجح، إذ سيخضع للتفاوض"، وفق قوله.
ويذكر إيشروود أنه "لم يسبق أن سُحبت نهائيات كأس العالم من بلد مضيف، إلا أن البلد المضيف انسحب في مناسبة واحدة. حيث كان من المقرر أن تستضيف كولومبيا البطولة عام 1986، لكنها انسحبت قبل أربع سنوات من الحدث، معلنةً عدم قدرتها على تحمل تكاليف تنظيم الحدث. واختيرت المكسيك بدلاً منها".
"أما التهديد الحقيقي الآخر فكان لتشيلي عام 1962، عندما تسبب زلزال في جعل أربعة من الملاعب غير صالحة لاستضافة المباريات، لكنهم أعادوا تنظيم الأمور وأقاموا البطولة رغم ذلك"، يشير إيشروود.
ويعتقد أن منع الفيفا لمشاركة روسيا بعد حربها مع أوكرانيا في الأحداث الرياضية العالمية لم يكن "إلا لأن الدول كانت ترفض اللعب ضدها. فالفيفا لا تُصدر أحكاماً على الدول المتنازعة، بل تُجري تغييرات طفيفة عادة لتجنب مواجهات المنتخبات".
وتقول الدبلوماسية والسفيرة السابقة الأمريكية جينا وينستانلي إنه "من الواضح أن السياسة الخارجية لإدارة ترامب لاقت استياءً واسعاً بين الشعوب والحكومات حول العالم. حتى الأمريكيون الذين لا يتابعون كرة القدم سيفضلون مشاهدتها عبر التلفاز من بلدانهم".
وتشرح لبي بي سي "يتفهم الأمريكيون الغاضبون من سياسات الإدارة الداخلية تردد الزوار في زيارة الولايات المتحدة في ظل الظروف الراهنة. لطالما ارتبطت الرياضة بالسياسة ارتباطاً وثيقاً".
وتختم وينستانلي تصريحها بالقول "في النهاية، تضر المقاطعات بالرياضيين، ويتجاهلها القادة في الغالب. لم تُحدث مقاطعة مركز كينيدي، الذي أُعيد تسميته مؤخراً، تغييراً في السياسة، بل هددت بإغلاقه. ينبغي للعالم أن يتوقع تأثيراً مماثلاً لرمزية مقاطعة كأس العالم".
يُشار إلى أن أعضاء مجلس إدارة مركز كينيدي للفنون المسرحية الذين اختارهم الرئيس ترامب صوتوا لتغيير اسم المركز الفني الذي يُخلد ذكرى الرئيس الأمريكي الراحل جون إف. كينيدي ليصبح "مركز ترامب- كينيدي"، في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. وفي فبراير/شباط 2026، أعلن ترامب عن إغلاق المركز لغايات التجديد لمدة عامين.
من جانبه يقول حازم الغبرا المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية إن "المواضيع السياسية المطروحة اليوم، مثل غرينلاند وفنزويلا، وإيران، وحتى إبستين بالتأكيد تؤثر سلباً على نظرة العالم للولايات المتحدة. هناك تغيير كبير اليوم في الولايات المتحدة غير مفهوم بالنسبة لأغلب المتابعين العاديين خصوصاً من خارج الولايات المتحدة"، حسب تعبيره.
لكنه بحسب تصريحاته لبي بي سي يرى أن ذلك "لن يؤثر بشكل مباشر بالتحديد على كأس العالم وهو حدث ينتظره الملايين كل أربع سنوات أي فترة طويلة للمشاركة ومشاهدة المباريات خصوصاً في الملعب".
أما بالنسبة للموضوع الأمني المتعلق بسياسة الهجرة، يقول الغبرا "سيكون هناك صعوبات غير مسبوقة في الحصول على الفيزا بالنظر إلى أن الحصول عليها في الولايات المتحدة أكثر تعقيداً وأكثر كلفة وقد تشكل عائقاً أمام البعض لأسباب أمنية أو مادية،... أما موضوع إيران فهو أكثر تعقيداً من دول أخرى لكن (الحكومة الأمريكية) تعمل من أجل السماح لأكبر عدد من الأشخاص بأن يأتوا إلى الولايات المتحدة ويشاركوا في كأس العالم...، وأن تكون العملية أكثر سلاسة".
أما بالنسبة للسياسيين والمسؤولين الذين دعوا لمقاطعة كأس العالم في الولايات المتحدة، أو سحب حقوق الاستضافة منها، يرى الغبرا أن ذلك "للاستهلاك السياسي الداخلي، لأن فكرة سحب استضافة كأس العالم من الولايات المتحدة غير مطروحة بأي شكل من الأشكال، خاصة أن تغيير المكان تأخر كثيراً وهو أمر معقد ويحتاج إلى عمل. لكن القرار في نهاية المطاف قرار المشارك والمشجع الذي يهتم بالأمور الرياضية أكثر من الأمور السياسية".
وبحسبه فإنه "لا يعتقد أن هناك تخوف أمريكي من أن يكون هناك مشكلة في هذه المرحلة. قد يقاطع البعض ممن لديهم خلاف مع سياسة الدولة المضيفة وهو أمر ليس بجديد، والولايات المتحدة في المقابل تحاول الترحيب بالجميع قدر الإمكان".
يعتقد إيشروود أن سحب استضافة كأس العالم من الولايات المتحدة يحتاج إلى ضغط دولي كبير. ورغم استبعاده لهذا السيناريو في المرحلة الحالية، لكنه يجد أنه "قد يكون من المفيد للفيفا النظر في سيناريو بديل في حال أصبح استمرار استضافة الولايات المتحدة غير ممكن".
وأوضح أنه "إذا سُحبت حقوق استضافة البطولة من الولايات المتحدة، فلا ينبغي إغفال أن كندا والمكسيك تُشاركان في الاستضافة. إن مطالبتهما بتولي حقوق استضافة إحدى عشرة مدينة أمريكية وإعادة تنظيم مبارياتها في بلديهما مهمة ضخمة، لكنها ليست مستحيلة".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة