في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دخلت العلاقة بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" ( قسد) مرحلة مفصلية، بعد سنوات من الاشتباك العسكري والتجاذب السياسي في شمال وشرق البلاد.
فالاتفاقات الأخيرة التي أبرمت بين الطرفين -برعاية وضغوط إقليمية ودولية- أعادت طرح ملف السيادة ووحدة الأراضي السورية بوصفه العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة، في ظل تحولات ميدانية متسارعة وتراجع نسبي في هامش المناورة أمام "قسد".
وتزامن الإعلان عن بدء تنفيذ الاتفاق ميدانيا، ولا سيما في محيط الحسكة، مع مواقف تركية داعمة لمسار "الدولة الواحدة والجيش الواحد"، وتصريحات رسمية سورية تتحدث عن اندماج تدريجي للمؤسسات المدنية والعسكرية في الشمال الشرقي.
وبينما تؤكد دمشق أن الاتفاق يمثل مدخلا لإنهاء الانقسام، تظل أسئلة جوهرية مطروحة حول ما نفذ فعلا، وما الذي ينتظر التطبيق، وحدود هذا المسار في ظل التداخل الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، تطرح الجزيرة نت مجموعة من الأسئلة والإجابات لفهم ما يجري في الشمال الشرقي السوري، من خلفيات الاتفاق بين دمشق و"قسد"، وما تحقق منه على الأرض حتى الآن، ومن يمسك بمفاتيح القرار في مرحلة التنفيذ، ولماذا لا يزال الانتقال من التفاهمات إلى التوحيد الكامل مسارا محفوفا بالتعقيد.
يقوم الاتفاق على وقف إطلاق النار ودمج مؤسسات "قسد" المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض أي صيغ انفصالية أو فدرالية.
وُقع الاتفاق الأساسي في 18 يناير/كانون الثاني، ثم استكمل باتفاق لاحق أعلن عنه في 30 يناير/كانون الثاني، واعتبرته الحكومة السورية "اتفاقا شاملا" يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام وتأسيس مرحلة جديدة من الاندماج، مع ضمان حقوق متساوية للمكون الكردي ضمن إطار الدولة، وتضمن الاتفاق أبرز البنود التالية:
أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري بدء انسحاب القوات من محيط مدينتي القامشلي والحسكة، مقابل انتشار قوى الأمن الداخلي في المناطق التي انسحبت منها عناصر الجيش.
وأكدت الهيئة، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية، أن "قسد تلتزم بتطبيق الاتفاق وتقوم بخطوات إيجابية"، مع استمرار المراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية، بالإضافة إلى تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط في محافظة الحسكة للحكومة السورية بالكامل، ضمن إطار السيادة الاقتصادية للدولة.
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية السورية الإفراج عن عدد من منتسبي "قسد" الذين سلّموا أنفسهم وأسلحتهم طوعا، بعد التأكد من عدم تورطهم في أعمال إجرامية، في خطوة وصفت بأنها جزء من مسار إعادة الدمج وفتح باب العودة، بالإضافة إلى الموافقة على تكليف مرشح قوات سوريا الديمقراطية نور الدين عيسى رسميا بمنصب محافظ الحسكة.
تولت الحكومة السورية السيطرة الكاملة على حقول النفط في شمال وشرق سوريا، بما يشمل حقول محافظة الحسكة ومحيطها.
ويأتي هذا الإجراء ضمن إطار بسط السيادة الاقتصادية للدولة وإدماج مؤسسات "قسد" المدنية والعسكرية ضمن هياكل الدولة، ما يضمن أن تكون الموارد الطبيعية تحت الإشراف المركزي وليس تحت أي إدارة موازية.
ويعد استلام الحكومة لحقول النفط خطوة رئيسية لضمان الاستقرار المالي والإداري في المناطق التي كانت تحت سيطرة "قسد"، ويعزز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة.
يعد ملف السلاح من أكثر القضايا حساسية في مسار تنفيذ الاتفاق، حيث لا تشير الرواية الرسمية السورية إلى تسليم منفصل للأسلحة، بل إلى دمج التشكيلات العسكرية التابعة لـ"قسد" ضمن بنية الجيش السوري، ما يعني إخضاع جميع الأسلحة للقيادة المركزية للدولة.
حتى الآن، لم تعلن جداول زمنية أو آليات تفصيلية لتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، إلا أن الخطاب الرسمي يشدد على أن مبدأ "الجيش الواحد" يشكل ركنا أساسيا لأي تطبيق كامل للاتفاق.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الولايات المتحدة زوّدت "قسد" على مدى السنوات الماضية بأنواع متعددة من السلاح، من بينها مدرعات وعربات دفع رباعي، بما في ذلك عربات "أوشكوش" المخصصة للقتال البري والمزودة بتحصين مقاوم للألغام.
ومن الأسلحة التي قدّمها الجيش الأمريكي لقسد منظومات الصواريخ المضادة للدروع من طرازي " تاو وجافلين"، ويمتازان بالقدرة على التوجيه عن بُعد لإصابة الهدف بدقة، ووفقا لما أكدته مصادر أمنية سورية للجزيرة نت، فإن "قسد" لديها أيضا كميات من الصواريخ المضادة للدروع روسية الصنع، من طراز كورنيت.
لا تنفصل هذه القضية عن جوهر بسط السيادة، فدمشق تعتبر أن السيطرة على السجون والمعسكرات جزء لا يتجزأ من إنهاء الانقسام الأمني.
وفي هذا السياق، تربط مواقف أمريكية معلنة بين انسحاب القوات الأمريكية من سوريا وبين انتقال السيطرة الأمنية الكاملة -بما في ذلك ملف السجون- إلى الحكومة المركزية، وهو ما يجعل هذا البند مرشحا ليكون أحد أبرز محطات الاختبار في المرحلة المقبلة.
أعلنت أنقرة دعما واضحا لمسار توحيد سوريا، مع تشديدها على ضرورة الالتزام الكامل بالاتفاقات.
وقال وزير الدفاع التركي يشار غولر إن ترسيخ سيادة سوريا وبناء هيكل أمني وإداري قائم على دولة واحدة وجيش واحد "أمر لا غنى عنه لأمن حدودنا الدائم"، مؤكدا أن بلاده تنتظر تنفيذا كاملا وغير مشروط لتفاهمات يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، وستواصل التنسيق الوثيق مع الإدارة السورية لمتابعة التطورات الميدانية.
تشير اللغة الرسمية السورية إلى أن الاتفاق يدار بوصفه عملية مرحلية، تخضع للتقييم المستمر وفق تطورات الميدان.
فحديث الجهات الرسمية عن "المراقبة والتقييم" و"تحديد الخطوة التالية" يعكس إدراكا بأن الاتفاق لا يزال في طور الاختبار، وأن نجاحه مرهون بمدى الالتزام العملي من جميع الأطراف.
يربط مراقبون بين تقدم مسار الاتفاق وتسريع وتيرة الانسحاب العسكري الأمريكي، مقابل تصاعد التنسيق السوري-التركي في ملفي الحدود ومحاربة التنظيمات المصنفة "إرهابية".
وفي حال اكتمل بسط السيطرة الحكومية على الشمال الشرقي، فإن ذلك قد يشكّل تحولا لافتا في ميزان القوى، ويعيد رسم خريطة النفوذ في سوريا بعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع.
ينص الاتفاق على التزام "قسد" بإخراج قادة وأعضاء حزب العمال الكردستاني -غير السوريين- من شمال وشرق سوريا، وفصل أي تأثير لهم على مؤسسات "قسد" العسكرية والمدنية.
ويهدف هذا البند إلى عزل التنظيم عن أي سلطة محلية أو مؤسسية، وضمان ألا تتحول المناطق الشمالية والشرقية إلى قاعدة للتنظيمات المسلحة خارج الدولة السورية.
يظل مستقبل "قسد" غير واضح، وسط غموض الاتفاق مع دمشق وتباين مواقف قياداتها بين الحفاظ على الإدارة الذاتية أو الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
إلا أن الانقسامات الداخلية وانتشار محدود للقوات السورية يجعل سيطرتها على الأرض جزئية، ويجعل دورها السياسي المستقبلي مرهونا بالتطورات الميدانية والمفاوضات المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة