آخر الأخبار

التعدين غير المنظم بأفريقيا.. كلفة إنسانية عالية لأرباح الشركات العالمية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في حادث مأساوي وقع قبل أيام شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، انهار منجم روبايا للكولتان، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 227 شخصا بينهم عمال مناجم ونساء وأطفال. وتعكس هذه الكارثة بوضوح المفارقة بين الثمن الإنساني الذي يدفعه السكان المحليون، والأرباح الطائلة التي تجنيها الصناعات التكنولوجية العالمية من هذا المعدن الحيوي الذي يستخدم في صناعة المكثفات الإلكترونية داخل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والسيارات الكهربائية.

ظروف عمل قاسية وغياب معايير السلامة

ويعتمد آلاف الكونغوليين على التعدين اليدوي للكولتان كمصدر رزق وحيد، في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية. غير أن هذه المناجم تفتقر إلى أبسط معايير السلامة، حيث يعمل العمال في حفر عميقة غير مدعمة، ما يجعل الانهيارات شائعة ومميتة.

وتؤكد تقارير حقوقية أن عمالة الأطفال منتشرة في هذه المناجم، إذ يزجّ بالصغار في ظروف خطرة مقابل أجور زهيدة، ما يضيف بعدا مأساويا آخر إلى المشهد، حسب ما أكدته عدة تقارير صادرة عن منظمات مثل منظمة العمل الدولية وغيرها. وتجعل هذه الظروف القاسية من التعدين نشاطا محفوفا بالمخاطر، حيث يظل الموت حاضرا في كل لحظة.
فقد صرّح عامل منجم سابق في منجم روبايا لوكالة أسوشيتد برس بأن الانهيارات الأرضية تتكرر باستمرار لأن الأنفاق تحفر يدويا، وتبنى بشكل رديء، وتترك دون صيانة.

وقد اتصلت الجزيرة نت بالعديد من المنظمات الإنسانية الموجودة بالمنطقة بهدف المشاركة في هذا التقرير ولكنها لم تتلقَّ ردا.

مصدر الصورة تتكرر الانهيارات الأرضية باستمرار في مناجم التعدين في الكونغو الديمقراطية لأن الأنفاق تحفر يدويا وتبنى بشكل رديء، وتترك دون صيانة (أسوشيتد برس)

سيطرة الجماعات المسلحة وتفاقم الأزمة الإنسانية

وإلى جانب المخاطر الطبيعية، تقع مناطق التعدين تحت نفوذ جماعات مسلحة مثل حركة "إم 23″، التي تفرض إتاوات وتسيطر على الموارد. هذه السيطرة تغذي النزاعات المزمنة في شرق الكونغو، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان، حيث يجد المدنيون أنفسهم بين مطرقة الفقر وسندان العنف. ف الموارد الطبيعية، بدل أن تكون مصدرا للتنمية، تتحول إلى وقود للصراع، ما يكرّس دورة لا تنتهي من الاستغلال والمعاناة.

إعلان

وتعد الكونغو موردا رئيسيا للكولتان، وهو خام معدني أسود يحتوي على معدن التنتالوم النادر، وهو عنصر أساسي في صناعة الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومحركات الطائرات. وقد أنتجت البلاد نحو 40% من إنتاج الكولتان العالمي عام 2023، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وتعدّ أستراليا وكندا والبرازيل من كبار الموردين الآخرين.

وفي مايو/أيار 2024، سيطرت حركة إم 23 على المدينة ومناجمها. ووفقا لتقرير للأمم المتحدة، فرض المتمردون، منذ سيطرتهم على روبايا، ضرائب على تجارة ونقل الكولتان، مُدرّين ما لا يقل عن 800 ألف دولار شهريا.

مصدر الصورة تقع مناطق التعدين تحت نفوذ جماعات مسلحة مثل حركة "إم 23″، التي تفرض إتاوات وتسيطر على الموارد (رويترز)

موت محلي وأرباح عالمية

تقدّر مساهمة منجم روبايا وحده بنحو 15% من إنتاج الكولتان عالميا، وهو رقم يعكس أهمية هذه المنطقة في السوق الدولية. والكولتان هو عنصر أساسي في صناعة المكثفات المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية الحديثة، في حين تباع هذه الأجهزة بمليارات الدولارات في الأسواق العالمية. على سبيل المثال، بلغت قيمة سوق الهواتف الذكية العالمي في عام 2025 نحو 609 مليارات دولار، مع توقعات بالارتفاع إلى أكثر من 730 مليار دولار بحلول 2030. وتكشف هذه الأرقام المفارقة المؤلمة: في حين يحقق العالم أرباحا ضخمة من التكنولوجيا، يدفع سكان الكونغو حياتهم ثمنا لاستخراج المعدن الذي يقف وراء هذه الثورة التقنية.

مسؤولية الشركات والمجتمع الدولي

تؤكد تقارير دولية أن نحو ثلث إنتاج الكولتان عالميا يأتي من التعدين غير القانوني الذي تتحكم فيه جماعات مسلحة، ما يجعله مصدرا رئيسيا لتمويل النزاعات. هذا الواقع يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الشركات العالمية والمجتمع الدولي، إذ يتعين فرض معايير صارمة على سلاسل التوريد، وإلزام الشركات بالشفافية في مصادر توريدها. حماية المدنيين ومنع استغلال الموارد الطبيعية الأفريقية يجب أن تكون أولوية، حتى لا تتحول التكنولوجيا الحديثة إلى رمز لمعاناة إنسانية، بل إلى أداة للتقدم المشترك.

أفريقيا واستغلال الغرب للتعدين غير المنظم

رغم أن كارثة روبايا تبدو مرتبطة بالكونغو، فإن أفريقيا بأكملها ليست بمعزل عن مخاطر التعدين غير المنظم. ففي غانا ونيجيريا، أدى انتشار التعدين غير القانوني للذهب إلى انهيارات أرضية وتلوث واسع لمصادر المياه، ما تسبب في أزمات صحية وبيئية خطِرة.

أما في السودان، فقد شهدت مناطق التعدين الأهلي انهيارات متكررة أودت بحياة العشرات من العمال خلال السنوات الأخيرة. وفي زيمبابوي، تسببت أنشطة التعدين غير الرسمية في نزاعات محلية على الموارد، وأدت إلى تدخلات أمنية متكررة.

أما في النيجر، فقد وجهت اتهامات لشركات غربية بأنها تستفيد من التعدين غير المنظم عبر شراء المعادن بأسعار زهيدة من وسطاء محليين، ثم إدخالها في سلاسل التوريد العالمية دون شفافية. هذا الاستغلال أثار جدلا واسعا، خاصة مع تزايد الضغوط الشعبية والسياسية على هذه الشركات لوقف ممارساتها غير العادلة.

وتؤكد هذه الأمثلة أن ظاهرة التعدين غير المنظم في أفريقيا تحمل أبعادا إنسانية وبيئية وأمنية متشابكة، وأن مأساة الكونغو ليست استثناء، بل جزء من أزمة أوسع تهدد استقرار القارة ومستقبلها، في ظل استمرار استغلال الشركات الغربية لهذه الموارد على حساب السكان المحليين.

دماء مقابل أرباح

لا تعتبر حادثة روبايا مجرد مأساة محلية، بل هي مرآة لخلل عالمي في إدارة الموارد الطبيعية. ففي الوقت الذي يواصل العالم فيه سباقه نحو التطور التكنولوجي، يبقى سكان الكونغو يدفعون الثمن الأكبر، بأرواحهم ومستقبل أطفالهم. السؤال الذي يفرض نفسه هنا "هل يمكن للتكنولوجيا أن تكون حقا تقدما إنسانيا إذا كان أساسها مبنيا على دماء الأبرياء؟".

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا