في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تواجه النساء في سوريا ظروفا صعبة بعد أكثر من 14 عاما من الحرب، وفي ظل تحولات سياسية وأمنية عميقة أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وفقا للإندبندنت البريطانية.
فبينما استقبل كثير من السوريين هذا التحول باعتباره بداية مرحلة جديدة، بدأت تداعيات اقتصادية وإنسانية خطيرة تنعكس بشكل مباشر على النساء، مع تراجع التمويل الدولي وإغلاق مراكز الحماية والدعم.
وسلّط تقرير نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية الضوء على تجربة نور (اسم مستعار)، شابة تبلغ 21 عاما، قدمت من بلدة مضايا الجبلية إلى دمشق، تحمل آثار حصار مدينتها من قبل جيش النظام المخلوع عام 2016، حين اضطر السكان للبقاء على قيد الحياة عبر أكل أوراق الشجر والعشب.
وأخبرت نور مراسلة إندبندنت جيسي ويليامز، أن المركز النسائي الوحيد في مضايا أغلق بعد سقوط نظام الأسد بسبب نقص التمويل، وهو المكان الوحيد الذي كان يوفر لها الحماية والدعم النفسي من العنف الذي كان والدها يرتكبه بحقها وبحق أمها وأخواتها.
يتوقع الصندوق الأممي تخفيض ميزانيته بنسبة تزيد على 40% بين 2025 و2026
وتفاقمت معاناتها بعد زواج انتهى بالطلاق بعد 20 يوما فقط بسبب ضرب زوجها السابق لها، قبل أن تعود إلى بيت والدها الذي هددها بالقتل إن لم تعد إلى زوجها، ثم طردها لاحقا من المنزل بسبب عودتها متأخرة من العمل.
وأشار التقرير إلى أن مركز مضايا كان تابعا للجمعية السورية لتنظيم الأسرة، وهي منظمة غير ربحية تعمل في مجال الصحة الإنجابية ومكافحة العنف ضد النساء، وتدير 14 مركزا للنساء في محافظات سورية مختلفة، إضافة إلى 11 عيادة طبية.
إلا أن الجمعية اضطرت إلى إغلاق 3 مراكز خلال عام واحد في ريف دمشق بسبب نقص التمويل، مما حرم آلاف النساء من خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بحسب إندبندنت.
وأوضح التقرير أن أزمة التمويل الإنساني تفاقمت بعد تقليص المساعدات الدولية، ولا سيما الأمريكية التي كانت تمثل ربع التمويل الإنساني لسوريا في 2024، مما أدى إلى فقدان عدد كبير من الموظفين في المنظمات الإنسانية وظائفهم، وتعليق برامج أساسية تتعلق بحماية النساء والرعاية الصحية الإنجابية.
أعلنت اللجنة الدولية للإنقاذ عن خفض تمويلها بنسبة 30%
وتشير البيانات إلى أن سوريا دخلت مرحلة أزمة مركبة، حيث لم يُمول سوى 32% من خطة الاستجابة الإنسانية الأممية لعام 2025، مع حاجة البلاد لأكثر من ملياري دولار إضافية.
ومع عودة أكثر من 3 ملايين نازح خلال عام واحد، أصبحت الخدمات العامة المحدودة أصلا عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، بحسب إندبندنت.
وأكد التقرير، استنادا إلى بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان في سوريا، أن برامج الدعم تواجه تحديات كبيرة بسبب نقص التمويل.
ويتوقع الصندوق الأممي تخفيض ميزانيته بنسبة تزيد على 40% بين 2025 و2026، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على قدرة المرافق على تقديم الخدمات الأساسية للنساء والفتيات.
ويدعم الصندوق حاليا 100 مرفق ويمول جزئيا 700 في جميع أنحاء سوريا، لكنه سيضطر إلى إغلاق ثلث هذه المرافق خلال العام المقبل نتيجة التخفيضات المالية، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية.
ولفت التقرير أيضا إلى التحديات التي تواجه المراكز الآمنة للنساء والفتيات، وهي مرافق توفر الدعم للناجيات من العنف ضد النساء، إذ يوجد حاليا 78 مركزا، ومن المتوقع إغلاق 30 خلال السنة المقبلة، وفق تقديرات الصندوق الأممي.
تموت نحو امرأتين شهريا في المستشفى بسبب صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث لا تصلنا المريضات إلا في مراحل حرجة
بواسطة الطبيبة دجلة محمود
من جانبها، تعاني منظمات غير حكومية دولية أخرى من تخفيضات مماثلة، فقد أعلنت اللجنة الدولية للإنقاذ -التي تعمل في سوريا منذ 2012- عن خفض تمويلها بنسبة 30%، مما اضطرها إلى إغلاق 4 مراكز آمنة للنساء والفتيات خلال العام الماضي، بحسب إندبندنت.
ومع ذلك، تمكّنت المنظمة من افتتاح مركز نسائي جديد في مدينة حمص يخدم أكثر من 150 امرأة. وقالت وعد تنورة، مديرة المركز: "حوالي 3 من كل 4 نساء في حمص يعانين أشكالا من العنف، لكن معظمهن خائفات من التبليغ عنه".
ويفاقم هذه الأزمات الإنسانية حالة البلاد الاقتصادية، بحسب التقرير، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
وتعاني المنظومة الصحية من انهيار واسع، حيث إن نصف المستشفيات خارج الخدمة، كما اضطرت 336 منشأة صحية منذ منتصف 2025 لتقليص أو إيقاف خدماتها بسبب نقص التمويل.
وقالت الطبيبة دجلة محمود للصحيفة، وهي تعمل في مستشفى الولادة في الرقة: "هناك نقص في الوعي حول صحة النساء في المنطقة، فقد وصلت إلينا امرأة وضعت في منزلها وكانت في حالة خطيرة لأن المشيمة بقيت في رحمها 3 أيام".
وأضافت أنه "تموت نحو امرأتين شهريا في المستشفى بسبب صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث لا تصلنا المريضات إلا في مراحل حرجة. ومن المتوقع أن تزداد هذه الحالات مع تراجع التمويل وتقلص الموارد والكوادر في العام المقبل".
ورغم هذه الصورة القاتمة، تحاول كثير من النساء إيجاد مسارات بديلة للمقاومة والصمود، فقد أنشأت نور مع مجموعة من المتطوعات فريقا توعويا في مضايا لدعم النساء.
وأخبرت الشابة السورية الصحيفة أنها تدرس القانون، مدفوعة بتجربتها الشخصية، وتهدف مستقبلا إلى حماية نفسها وأسرتها ومواجهة العنف الأسري الذي تعرضت له بالوسائل القانونية.
وحذّرت إندبندنت، في تقريرها، من أن مستقبل النساء في سوريا بات مرتبطا بشكل مباشر باستمرار الدعم الدولي وقدرة المنظمات الإنسانية على البقاء، مؤكدة أن أي تراجع إضافي في التمويل قد يؤدي إلى انهيار شبكات الحماية الضعيفة أصلا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة