خيم التوتر العسكري على مدينة حلب اليوم الأربعاء، بعدما حول الجيش السوري حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى منطقة عسكرية مغلقة عقب تجدد المواجهات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وأفاد مراسل الجزيرة بأن وتيرة التصعيد الميداني ارتفعت مع بدء حظر التجوال عند الثالثة عصرا، مشيرا إلى سقوط ما لا يقل عن 10 قذائف في محيط حي الأشرفية بالتزامن مع اشتداد القصف المتبادل.
وقبل ساعات من بدء الإغلاق، قالت هيئة العمليات في الجيش السوري للجزيرة إن كافة مواقع "قسد" العسكرية في أحياء بحلب هي "هدف عسكري مشروع"، وذلك بعد ما وصفته بـ"التصعيد الكبير للتنظيم وارتكابه العديد من المجازر بحق المدنيين".
وفي الأثناء، أوضح الجيش السوري أنه لم يبدأ عمليات تقدم برية تجاه مناطق سيطرة "قسد"، بل يعمل على تأمين خروج الأهالي، في حين أفادت مصادر ميدانية بخروج نحو 80% من السكان استجابة لنداء الجيش.
وأعلن الدفاع المدني السوري عن إجلاء أكثر من 3 آلاف مدني، معظمهم من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، عبر نقطتي العوارض وشارع الزهور، مشيرا إلى أن فرقه قدمت الإسعافات الأولية ونقلت العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة شملت 9 مساجد في المدينة.
وأظهرت مشاهد خروج الأهالي باتجاه حي السريان، في حين أجلى الدفاع المدني 850 مدنيا من منطقتي العوارض وشارع الزهور.
وقالت وزارة الداخلية السورية إن 3 من عناصر الأمن أصيبوا خلال تأمينهم خروج الأهالي، جراء قصف مدفعي شنه تنظيم "قسد" على دوار شيحان في حلب.
وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن قوات "قسد" أطلقت قذائف هاون ورشاشات ثقيلة باتجاه محيط دوار شيحان وأحياء في مدينة حلب، كما نقلت عن وزارة الدفاع اتهامها لـ"قسد" بتفخيخ الطرق في الحيين، ومنع المدنيين من الخروج عبر إطلاق الرصاص وإرهابهم.
في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في بيان لها أي وجود لقواتها داخل مدينة حلب، قائلة إنها سلمت الملف الأمني في الحيين لـ"قوى الأمن الداخلي" بشكل علني وموثق.
ووصفت "قسد" الادعاءات بوجود نية لتحرك عسكري من الحيَين بأنها "كاذبة ومفبركة"، محذرة من أن استمرار العمل العسكري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية سيقود إلى تداعيات خطِرة لا تقتصر على حلب وحدها.
وحذرت من رصد انتشار نحو 80 آلية عسكرية تابعة للحكومة السورية بمحيط المنطقة، معتبرة ذلك مؤشرا ينذر بـ"احتمال اندلاع حرب واسعة"، وأضافت أن قوات الحكومة تواصل قصف الحيين بالدبابات والمسيرات، في حين أكدت قواتها الأمنية صد محاولة توغل باتجاه تلة الكاستيلو.
وفي وقت لاحق من مساء اليوم الأربعاء، قالت "قسد" إن الأنباء عن وجود تهدئة في مدينة حلب عارية عن الصحة.
وردا على ذلك، قالت الحكومة السورية إن بيان "قسد" يتضمن "مغالطات جوهرية وتوصيفات لا تعكس الواقع الميداني"، واعتبرت أن تأكيد "قسد" عدم وجودها العسكري هو "إقرار صريح يعفيها كليا من أي دور أمني، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن حماية السكان تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها".
وشددت على أن حماية جميع المواطنين، بمن فيهم الأكراد، هي "مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة"، رافضة أي محاولات لتصوير الإجراءات الأمنية كاستهداف لمكون بعينه.
بدوره، قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى للجزيرة إن ما يجري في حلب "ليس عملية عسكرية بقدر ما هو عملية أمنية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية"، موضحا أن الجيش السوري "رد على إطلاق نار في حلب أعقبه تصعيد".
وأشار إلى أن الاتفاق الذي وُقّع مع "قسد" في أبريل/نيسان الماضي يقتضي سحب أسلحتها الثقيلة من حلب، معتبرا أن "قسد لم تنفذ الاتفاق ولا تزال تستخدم المدفعية في استهداف المنشآت المدنية بالمدينة".
وبيّن الوزير أن "الإجراءات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بدأت بإطلاق النار على قوى الأمن"، وأن "الحسم بشأن الحيين هو حسم في اتفاق أبريل/نيسان"، مؤكدا أن مدينة حلب "لا يمكنها احتمال تهديد يومي لحياة المواطنين"، وأن الحيين "يخضعان لاتفاق يجب أن يتم تنفيذه".
ميدانيا، تركزت المواجهات في محاور طريق الكاستيلو ودوار الليرمون ودوار شيحان، في حين أكد مراسل الجزيرة أن "الاشتباكات لا تزال بعيدة عن معابر خروج المدنيين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود".
وعلى الصعيد الطبي، أفادت مديرية صحة حلب بارتفاع عدد الضحايا المدنيين إلى 5 قتلى و18 مصابا جراء استهداف "قسد" الأحياء السكنية.
وقال مصدر حكومي للجزيرة إن الجيش السوري يستعد لبدء عملية عسكرية "محدودة" في مدينة حلب، ردا على ما وصفها بهجمات "قسد" المتواصلة على الأحياء السكنية ومواقع الجيش.
وأضاف أن هذه العملية ستنفَذ "وفق القانون الدولي"، مع الحرص على إجلاء المدنيين من مناطق التماس والتركيز على استهداف المجموعات المسلحة فقط.
وأوضح المصدر أن القرار بالتحرك العسكري جاء بناء على "قرار محلي ومطالب شعبية من أهالي حلب"، مشيرا إلى أن الهدف الرئيس للعملية هو وقف القصف والقنص وهجمات المسيرات التي تشنها "قسد"، وإعادة "الأمن والاستقرار" إلى المدينة.
وبيّن أن هجمات "قسد" على حلب خلال الشهر الماضي أدت إلى مقتل أكثر من 20 مدنيا وإصابة أكثر من 150 آخرين، فضلا عن مقتل أكثر من 25 جنديا من القوات الحكومية.
وفي تداعيات التصعيد، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تعليق الرحلات الجوية في مطار حلب الدولي لمدة 24 ساعة وتحويلها إلى مطار دمشق.
وأظهرت بيانات ملاحية من موقع "فلايت أوير" أن جميع الرحلات المتأخرة والملغاة تابعة لشركة "الملكية الأردنية".
وفي قراءة للمشهد، رأى الخبير الأمني والإستراتيجي العقيد ضياء قدور في حديثه للجزيرة أن حلب أمام "ساعات حاسمة". وأشار إلى أن التحرك العسكري السوري جاء ردا على استغلال هذه المناطق من قِبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، لضرب استقرار المدينة واستهداف بنيتها التحتية، مشيرا إلى أن هذه العناصر تحاول تقويض اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025 وتعمل بمعزل عن قيادات "قسد".
وفي حين شدد على أن الأولوية حاليا هي للضغط السياسي والميداني لدفع تلك المجموعات نحو الاستسلام وتجنيب المدنيين ويلات الصراع، أكد أن خيار الحسم العسكري يظل قائما وضروريا في حال استمرار التعنت المسلح، لضمان أمن العاصمة الاقتصادية لسوريا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة